الأربعاء 19 سبتمبر 2018
سياسة

جعفر: الإختيار الديني المغربي في مؤتمر "الحريات الدينية" بأمريكا..من أجل مزيد من التحديث الديني

جعفر: الإختيار الديني المغربي في مؤتمر "الحريات الدينية" بأمريكا..من أجل مزيد من التحديث الديني سعيد جعفر، وصورة للمصلين داخل مسجد الحسن الثاني
تلقت وزارة الخارجية المغربية دعوة من نظيرتها الأمريكية للمشاركة في مؤتمر دولي حول "الحريات الدينية" من بين ثلاث دول عربية أخرى هي لبنان وتونس.
توجيه الدعوة للمغرب  من طرف وزارة الخارجية في موضوع الحريات الدينية في ظرفية دولية متسمة بإتساع خارطة التشدد الديني والإرهاب وصعود الخطابات القومية و الهوياتية في دول أكثر ديمقراطية وعقلانية، يفسر أن الإختيارات الدينية للمملكة المغربية ناجحة وذات جاذبية، وأن خطط تأهيل الحقل الديني التي بلورت ما بعد أحداث مارس 2004 نجحت في تجنيب المملكة فلسفة العنف و الدم والتشدد التي قامت منذ انطلاق مخططات اوراسيا والشرق الأوسط الجديد.
لفهم هذا الإعتراف الأمريكي بحسن تدبير الشأن الديني بالمملكة المغربية لابد من فهم السياقات التاريخية و الآنية التي أنتجت هذا النجاح والرهان في نفس الوقت.
   ففي وضعية جيوبوليتية دولية متميزة بكثير من الصراعات والمخاطر الناشئة عن الاصطدام العرقي والهوياتي والتشدد الديني، وأمام ضغط مخططات القوى الدولية التي استهدفت قارة أوراسيا أصبح الدين مطلبا سياسيا للشعوب ولكثير من الجماعات الدينية في عدد من الجماعات البشرية لا سيما الإسلامية.
إذ وأمام توسع سياسة هيمنة أمريكا على أوراسيا لتمس دول البلطيق والبلقان والقوقاز المتحررة من سلطة الإتحاد السوفياتي المتفكك في بداية التسعينيات، وتوسع مخطط الشرق الأوسط الجديد الذي هندسه بريجنسكي وكيسنجر  خصوصا وصرفته كوندوليزا رايس،
إذن وأمام هذا التوسع بما يعينه من عملية إستبدال للخصوصيات والقيم المحلية و تعويضها بقيم معولمة، كان لابد للشعوب أن تتحصن ضد هذه الإبدالات وكان لا بد أن تتشكل جماعات دينية ذات طبيعة جهادية ستجعل من الدين "وقودا" لأشكالها الاحتجاجية والسياسية، وكان لا بد أن تتقوى تأويلات متعددة ومختلفة للدين بل وستنحو كثير منها إلى التشدد و التزمت في مواجهة مخططات الصراع الكبرى في أوراسيا والشرق الأوسط و شمال إفريقيا، ومن هنا نفهم سر نشوء القاعدة في أفغانستان و الجماعات الدينية المقاومة في الشيشان وفي دول البلقان، ونفهم التطورات الدينية المتلاحقة في الشرق الأوسط وفي مصر ثم شمال إفريقيا بما فيها المملكة المغربية.
ففي إطار المواجهة العقدية لمخططات القوى العظمى ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية بدأ يسود تأويل متشدد للدين يقوم على الجهاد بالنفس وبالروح، والذي سرعان ما سيتحول من حركة جهاد ضد هذه المخططات الدولية إلى حركات سياسية داخلية تبغي الحكم وبشكل أدق تبغي وسائل الحكم لتأمين موارد جهادها العقدي ضد هذه المخططات فطورت تأويلاتها الدينية لشرعنة الوصول للحكم بكل الوسائل بما فيها العنف وفي أحسن الحالات التقية ثم التمكين.
وبدون شك نجح الأمر في المغرب لأسباب موضوعية كثيرة أهمها التزود من دروس التاريخ في مواجهة الإمبريالية و الإستعمار عبر جهاد الزوايا و الفقهاء والعلماء التقليديين، و فائض الربح الذي يوفره الخطاب الديني العاطفي والوجداني البسيط في مقابل الخطابات العقلانية والحداثية المرهقة، واللذان نتج عنهما احتضان شعبي كبير مس خصوصا الطبقتين الفقيرة و المتوسطة واخترق لاحقا البورجوازيات التقليدية.
وقد شكلت تفجيرات 2004 امتحانا صعبا للدولة المغربية لإختبار فلسفتها الدينية ويقظتها في حماية نموذجها المغربي الوسطي والمعتدل الذي تشكل إمارة المؤمنين إطاره النظري وأداته العملية.
وبالفعل فحدوث التفجيرات زعزع كثيرا من العقائد والثقة شبه المطلقة في جودة وسلامة النموذج الديني المغربي الوسطي والمعتدل، و سمح بإثارة اكثر الأسئلة قلقا هل تحولنا إلى بلد تخترقه الأفكار والسلوكات والطموحات الإرهابية.
ويبدو أن الدولة والمجتمع كلاهما تلقيا إجابات واضحة بخصوص سؤال الإرهاب بالمغرب، وأمام عدد الضحايا وعدد المعتقلين المباشرين و عدد الخلايا التي سيتم تفكيكها طيلة السنوات التي ستلي تفجيرات ماي 2004، سيكون على الدولة إعادة تقييم فلسفتها وخططها النظرية في إتجاه مزيد من دمقرطة وعقلنة الحقل والشأن الديني كلاهما من خلال خطة تأهيل الحقل الديني التي سيشرف عليها الملك بصفته أميرا للمؤمنين.
بعد حوالي 15 سنة من اللحظات الصعبة التي عاشها النموذج الديني المغربي الذي يبنى على فلسفة الاعتدال والوسطية، وفي خضم ظرفية دولية متسمة بحجم مخاطر عالي و برهانات جيوبوليتية واسعة وبهوامش خطأ ضيقة جدا يأتي استدعاء المملكة المغربية من طرف وزارة الخارجية الأمريكية للمشاركة والتداول في "الحريات الدينية".
وإذا كانت إمارة المؤمنين تمثل إطارا دينيا حاميا للمؤمنين وغير المؤمنين وأنه يضمن حرية التدين كما قال وزير الخارجية المغربية في هذا المؤتمر الدولي، فإن المملكة المغربية، وتطويرا لنموذجها الديني الوسطي المعتدل والمتفتح مطالبة بربح تحديات مستقبلية أكثر إلحاحا.
ففكرة إقامة مرصد وطني للحريات الدينية أصبح مطلبا استراتيجيا في فلسفة وسياسات الدولة في المادة الدينية،
كما أن تلقيح الفلسفة والسياسة الدينية بالمملكة بمزيد من عناصر التحديث والعقلنة سيكون جوابا مقدما واستباقيا عن عدد من الصعوبات الدينية المستقبلية.
وبدون شك فالأحزاب السياسية اليسارية خصوصا لا يجب أن تبقى في حالة خصومة نفسية أو مبدئية مع الدين خصوصا، فالدين حاضر في كل الانشطة التجارية و الإجتماعية والعائلية والإدارية اليومية للأفراد ولا يمكن بشكل ما اعتبارها مجرد سلوك ترفي أو ميتافيزيقي.
وبشكل ما كذلك فهذه الدعوة لا تكشف فقط نجاح النموذج الديني المغربي، ولكن تبين أن الاختيار الديني المغربي الوسطي والمعتدل يمكن أن يكون رأسمالا للشراكات السياسية والإقتصادية.

باحث في سوسيولوجيا الدين