الأربعاء 14 نوفمبر 2018
منبر أنفاس

شيماء غنيم: بين المثقف و الجمهور.. شتات مفرط

شيماء غنيم: بين المثقف و الجمهور.. شتات مفرط شيماء غنيم:

اليوم و أنا أتتبع في صمت بعض المواقع التي تعج ببعض المواقف (مواقف المثقفين أو الحاملين لهذه الصفة بهتانا و تحاملا) إزاء قضايا هذا الشعب المقهور و المتقهقرة أوضاعه.. و قد بات واضحا للمتتبع بداية تكوين وعي و انتشاره لدى الفئات الشعبية حول مصالحها المشروعة المهضومة دون أن يسمع صوتها، و أنا أعلم بمثقفين في ببلدي لهم من "الحنكة المعرفية" ما يسهل جسور التواصل و فهم المشاكل الاجتماعية.. أعلم بتغييبهم.. أتأمل هذا البين الصارخ بين المثقف و عموم الشعب كان لزاما أن أخرج من دائرة الوجوم الخائنة هذه ! الخروج بموقف يجب له الاحترام كما وجب لنقيضه. موقف إزاء قضايا هذا المجموع الجماهيري الذي أشكل بعضا منه..

أولا: في ضرورة الالتحام بين المثقف و الجماهير

إن من يسوح في تاريخ المغرب السياسي، يجد التفاعل الريادي للمثقف مع قضايا الأمة: كنا نجد المثقف الملتزم و المثقف العضوي، كليهما، يعبران عن مواقفها بتحليل الظواهر و المشاكل الاجتماعية واقفين أولا على أسبابها و الفاعلين فيها، على الأعطاب التي تنخر النسق و ممكنات العلاج الآنية و طويلة الأمد.. منطلقين من أسس علمية، فلسفية رصينة. من عهد كان شيوخ الزوايا بدورهم ينخرطون في هذا الدور الذين كانو يؤمنون به كواجب نضالي من داخل هذه المؤسسات (فكان من يزكي مواقف الحاكم تكن له كل الرعاية، أما من يقف وقفة عز و يختار الصدق في التعبير عن المواقف بدل الاتكاء عل الأزمات يلقى شر جزاء و في قصة عياض كبير موعظة).

و قد تطور هذا التدبير، تدبير هذا التفاعل، إلى أن أخذ أشكاله التي نحن عليها اليوم و إن لم يطلها كبير التغيير)... إن الجائل في هذا التاريخ الغني أحداثا و تدبيرا يجد تضاريس و عوامل و أسباب تبعث على ضرورة مواصلة المثقف أداءه هذا الدور الأصيل المنوط به إلا أن واقع الحال جرى في غير الطريق السليم.. حتى بتنا نجد فئة من المثقفين غائبة أو مغيبة و كأني بها في بين منقور في الصخر، في معزل عن هموم الجماهير تكابد عوز الإعلام..عوز الحق في الكلمة.. تكابر قيود التنوير.. تقاوم ظلال التعتيم، فئة ثانية تصطف جانب المنحط من الدفاع المضاد،و فئة أخرى تجاوزها الزمن.. ظلت غارقة /وفية لإيديولجيات تجاوزتها كل السياقات،كانت صالحة و مناسبة في وقت معين، لمشاكل معينة  في سياق دولي، إقليمي وقاري معين.. أو عجز عن تكييفها.. ثم فئة أخيرة و هي الأخطر.. تلك المنكمشة في أحضان النظرية.. أولئك المستشرقون أو من انحصروا في الأجنبي من النظريات، مثقفو الخارج دون أن يكون لهم الأدنى من الدراية بالواقع.. فحبذا لو استخلصو الدروس من الدول الأخرى، المشاكل التي وقعت فيها و الممكن أن نقع فيها.. على أن نفكر في مجابهتها استباقيا بما يلائم بنيتنا التحتية.

لعل هذا التراجع أو الطفرة السلبية مرتبطة بتطور مفهوم المثقف في مجتمعنا و تمثلاته التي أصبحت تحتمل أكثر من معنى.

فبعيدا عن مثقف الأمس الحامل للنبيل من الرسائل.. المواكب لهموم الشعب، العامل على تطوير آليات الدفاع عنها و المجتهد في تقديم البدائل.. طفا على سطح هذه الأرض الجامة بعض متحامل على القلم و الفكر الحر/الأبي المستقل، بعض امتهن فن التصفيق و التبرير أو من باتوا يسمون "مثققين و أقلام تحت الطلب" حتى صرنا نعلم يقين العلم من سيخرج للدفاع عن من و كيف و أحيانا مقابل ماذا !

و لعل مرد هذا أيضا التغيير الذي طال مفهوم الثقافة نفسه و تمثلاتها.. فالمدعي للثقافة مدعي بالتبعية و لما تحمله هذه الأخيرة من تركيب جدلي للمدارك و الأنساق و المناهج و الفنون و القوانين و الأخلاق و النظم في إطار أنساق متشابكة متداخلة، يدعي تمكنه من كل هذه الحقول و تحكمه في الروابط العلائقية التي تجمع بينها تارة و تفرقها تارات، التحكم في مدخلاتها كمجموع ومخرجاتها للبنيتين التحتية و الفوقية.

صحيح أن الثقافة ليست حكرا على أحد و ليست حقا مقدسا للاستئثار به من طرف علية القوم (الارستقراطيين في فكر أرسطو) كما أنها ليست في متناول الجميع، فلا يمكن القول بأن الممتلك للفكر ممتلك للثقافة، و إنما يعد مثقفا من يمتلك آليات و مناهج إعمال هذا الفكر.

إن المثقف هو من فهم النظرية و الواقع، هو من له المنهج و المنهج هو الوسيط بين النظرية و إمكانية تنزيلها، و الواقع و إمكانية استيعابه على اعتبار أن الواقع هو المختبر الحقيقي للنظرية و هو دوما أرض خصبة ولادة للأفكار و تطويرها بتطور ما يقع في دائرته و عليها من أحداث و مشاكل و عقبات.

 للأسف أضحت فئة كبيرة تؤمن بأن الثقافة لا تطعم جائعا، و أن الجائع ليس في حاجة لها.. آثم و مذنب في حق وطنه من يعتقد بعدم نفعية الثقافة..واهم من يعتقد بحقيقة و نجاعة الثقافة بعيدا عن هموم الجماهير و الواقع، من ينكمشون في جلباب الفكر المستورد الجامد.. إننا حقا، و في هذه الحال غدت الثقافة في بلدي موطن عجز.

 إن المثقف هو جزء من كل، بعض من مجموع.. يعيش في كنفه، يتقاسم الهموم و ردة الفعل، يكون فاعلا و متفاعلا ،هو الحامل لرسالة من داخل الفلك الشعبي، يواكب هموم الشعب و يطور من آليات الدفاع عنها، يجتهد في تقديم البدائل.

يجب أن يعي كما جاء على لسان كلود فو أن:

"الشعب هو الذي يخلق ثروات البلاد بواسطة عمله، فيجب على المثقفين أن يتذكروا في كل وقت بأن العمال هم في الحقيقة الذين يتيحون لهم إمكانية مزاولة دروسهم، لذلك كان التضامن بين المثقفين و العمال شعورا بالمسؤولية المشتركة".

 زيادة عن ذلك  فهذه المسؤولية في حد ذاتها  عمل نضالي فكيف يكون عمل المثقف و إنتاجه وجها من أوجه النضال؟ نضال يمكن تسميته بالنضال الفكري خدمة للمجتمع و للتقدم السياسي و الفكري في تجرد تام عن "الثقافة السلعة" سلعة للاسترزاق.

نعتقد بأن هذه المسؤولية أو هذا النضال ليس رهينا بظرف زمني أو شرط واقف (أزمات و غيرها) فمهمة المثقف لا تنتهي بانتهاء المشكل أو بإيجاد الحلول و تقديم البدائل... و إنما هي مهمة مستمرة باستمرار وجود النسق و تفاعلاته اليومية المستمرة، باستمرار ممارسة مكوناته (متلقيين أو فاعلين).

إن مسؤولية هذا الشتات اليوم نتحملها جميعنا، فمن باب الصدق مع التاريخ، من باب الأمانة تجاه القادم من الأجيال الذين يحق لهم واسع الحق أن ينتفضوا ضدنا، نعتقد بمسؤوليتنا جميعا فيما يحصل اليوم من عبث، من تنازل أو تجاهلنا لقضايانا الشرعية و المشروعة، كل من موقعه..يحق للأجيال القادمة أن  تقرأ عن ما سيرجمنا به الشارع من حجارة لا تكذب و لا تخطئ أصابعه وجهة اللوم.. نحن من خنا عهد الوفاء لهذا الوطن في عدة محطات و قد روض الضمير على الخوف و الجبن و التكاسل و الانسياق..خاصة نحن الشباب نحن من تقع على عاتقنا مسؤوليات جسام للتدارك و للتجاوز.

ثانيا:في مسألة البعد عن الكتاب، كضرورة للتنوير، للتثقيف، لتعميق الوعي نلاحظ الابتعاد عن، الجرائد والمجلات.. عن الالتصاق بالأمهات من المراجع... التهافت على وسائل التضليل و المواقع السطحية التأثير. المعتمدة على الخبرالإثارة- الخبر الفضيحة. و كأني بمتتبعا يبحث عن تصدر الوقت نلاحظ كيف أصبح الكتاب مظهرا من مظاهر التظاهر بالثقافة (كوب قهوة سوداء، و كتاب عليه من الغبار ما يفضح حامله).. سلوكات تنطلق  و تنشأ من رحم المعاش اليومي للأسر و العائلات، فنجد الأسر ذات الدخل البسيط توفر الجزء الأكبر من ميزانيتها للتغذية، بينما تذخر العائلات ذات الدخل المتوسط الجزء الأكبر من مدخولها للسفر و وسائل الترويه.. متسائلين بذلك عن الميزانية المخصصة للتكوين و التحصيل الشيء الذي  بتنا نطرح معه سؤال قيمة القيم (على رأي من قال: إذا رأيت رب البيت للطبل ضاربا فلا تلومن الفتيان في حالة الرقص).. نلاحظ أكثر المهرجانات الصيفية و الموسمية تخصص للغناء، و لا يحتل الكتاب فيها إلا مكانا هامشيا و لعل تراجع الذوق العام بمجتمعنا راجع لهذا التهميش و التحجيم للكتاب..

ثالثا: في مسألة جحود الجمهور: نجد الجمهور انشغل بالقوت (قديما انشغل بمن يدافع عن قوته) عائما في دائرة من العدم و اللاشيء (هاربا من همومه) في دائرة التعتيم و تبادل صكوك الاتهام حيث أصبحت تتجه للمثقف و السياسي و الفنان و الرياضي على حد سواء.. لكل من لمع نجمه استحقاقا أو تحاملا و باتت صفة التخوين صفة ملازمة لكل من لا يشبه المجموع أو يظن الجمهور أنه لا يشبهه.. هذا الخلط سببه كثرة و اختلاط القبعات و توالي الاحباطات و تراكم الخيبات.

 صحيح أن المثقف هو من يستقطب الجماهير.. فمن يتحمل المسؤولية؟ ربما الزمن في ركوده، في تأخره أو في دوران عجلته في الاتجاه المعاكس.. الهروب من الفعل و التأسيس لوهم المجتمع الافتراضي.. الدولة الافتراضية؟نافذين بشجون الواقع إلى عالم افتراضي صابين فيه جام خيباتهم و سخطهم في تدوينات قد تخطئ و قد تصيب إنه انحطاط النسق و اجترار العبث.. و لعل عدم انسياق الجمهور لما ينتجه المثقف مرده عدم انغماس هذا الأخير في مشاكل الأول و هو المثقف الفوقي أو الورقي، من قرأ عن نظريات و عجز عن تكييفها لعدم درايته بالواقع، واقع يعج بالفقر البطالة، ضعف الحماية الاجتماعية فهل تستوعب هذه البنية التحتية هذا البديل المستورد؟لطبيعي أن تكون النتيجة: لفظ المنتوج  و إننا حين نقول مثقف نقول مسؤولية، المسؤولية التي لا نجرد الشعب منها خاصة شريحة الشباب الذين يقع على عاتقهم حمل التنوير، تعميم الوعي داخل الوسط الصغير، الغير القابلة لاستيعاب المنتوج بشكل مباشر من البقال و الاسكافي و الحداد... الأسرة و الجيران (التعبئة اليومية) إننا نتحدث علاقة ميكانيكية بين الشباب و المثقف.

و لمل كان الشباب هم حلقة الوصل بين المثقف و الجماهير فكان لا بد من التركيز على العلاقة بين المثقف و الشباب وأدائهما مسؤوليتهما و من ثم حقوقهما على الجمهور في المساندة الاسترجاعية..

رابعا: السلطة و احتواء المثقفين.. و لعل ذلك برز منذ عهد إنشار الجمعيات بغية استقطاب الكوادر و المثقفين من الأحزاب.. المثقف الذي لا يجد غضاضة في التجرد من استقلاليته و تسخير قلمه لما يمليه فكر حاميه و من سيضمن له الشهرة و الامتيازات تحت الطاولة.. ما يطرح معه سؤال الوجاهة الاجتماعية بقوة. فكل من الاندماج الهجين.. الغزو الإرادي  للاثقافة ..غربة الثقافة و اغتراب المثقف..غياب المنهج.. كلها باتت ظواهر معتلة ما انفكت تتدحرج معها الساحة الثقافية في الأوحال حتى بتنا نقرأ عن جدال سوقي وضيع لا يعكس المستوى الاكاديمي أو المعرفي للمدعي بالثقافة.

إن كل ما أتمناه أن يراعي كل هؤلاء أن الضائع الأكبر هو الجيل القادم، شباب الغد، شموس الغد الساطعة، أبناؤنا.. أبناؤهم.. من سيدبر شؤون فلذات كبدنا.. من سيدبر شؤون هذا الوطن العليل الذي لم يعد يحتمل مزيدا من الوعكات.. الوضع يحتاج لعلاج بنيوي و وظيفي حقيقي لم يعد  يحتمل التسويف و التأجيل.