الخميس 20 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

عبد اللطيف برادة: متى تصبح الممارسة الاعلامية اداة للديماغوجية

عبد اللطيف برادة: متى تصبح الممارسة الاعلامية اداة للديماغوجية عبد اللطيف برادة

مما لا شك فيه ان المُمارسة الاعلامية تتطلب في عصرنا هدا تنمية الخلقية الاعلامية، وتنمية الحس النقدي من خلال التربية الاعلامية لدى المواطنين الذين يُعانون من أمية إعلامية وهم عاجزون غالبا عن فك رموز الرسائل الاعلامية التي يتلقونها بكثافة. من هنا تبرز الحاجة لا للتأسيس لمفهوم جديد "للأخلاق الاعلامية"، وإنما الحاجة لتنمية "الُخلقية المهنية والاعلامية"، والتأسيس لثقافة إعلامية قادرة على حماية الحريات من جهة، وتنظيم الأداء الاعلامي ضمن أطر وقواعد وأصول مهنية. والارتقاء بمستواه العملي والقيمي في خدمة حاجات المُجتمع، فلا صيانة للحرية إلا بحرية الاعلام وهكذا تعتبر الحرية أداة ووسيلة لقول الحقيقة كما هي، وليست كما يراها الصحفي، لأن من حق المواطن الاطلاع على كل ما يجري من حوله وفي العالم، كما من حقه تلقي المعلومات والحصول على المعرفة من دون قيد أو شرط. لأن الحرية باب للمعرفة المواطنة بأبعادها المختلفة، وليست نفقا لا يتسع إلا لما يراه الصحفي. وإذا كانت الحرية حقا من الحقوق الأساسية التي ينبغي أن يتمتع بها الصحافي، فهي في الوقت نفسه جوهر الأخلاق المهنية       

فالحرية ادا اساس مزاولته لمهنته اد بدونها يصبح الاعلام مجرد كدبة كبرى وهي لهدا السبب يجب ان تكون حق مكفول لكل صحفي ولكن ادا كان من حق الصحفي أن يُمارس مهنته بكل الحرية فعليه أن يتحرّر أولا وأخيرا من كل ضغط خارجي وأن يتحرّر من الغير ليكون رأيه صادقا، مُحايدا وعادلا. كما انه لا يكفي أن يُقدّم المُجتمع الحرية للصحفي كحق من حقوقه، بل عليه أيضا أن يحميه من ضغط المُغريات والفساد. لأن الصحفي قادر على المساهمة بشكل كبير في تكوين الانسان المدني وتنظيم بيئته.. خاصة ادا ما اتيح له التكوين المتكامل للرؤية الاعلامية مع اتاحته الالمام بكل الوسائل الحديثة للقيام بمهامه فلهدا لا يُمكن للمُمارسة الاعلامية أن تكون بعيدة عن مفهوم "الاعلام الجديد" الذي يُمكن تحديده بأنه إطار تفاعلي يشمل وسائل الاتصال والعمليات الاتصالية التي تتم عبر وسائل الاتصال الجماهيري سواء بين الدول أم الشعوب. والاخلاق المهنية تلعب هنا دورها الجوهري حيث بدونها يصبح الاعلام اداة خطيرة في يد الصحفي الدي لا يتنيه ضميره عن فعل أي شيء في خدمة نزواته ومصالحه الخاصة تناغما مع الجهة التي يخدمها تبعا لهدا النسق الخارج عن النطاق المهني المتعارف عليه للصحافة فيتحول الصحافي لهدا السبب الى صانع للخبر وليس ناقلا له ومن محلل محايد الى رقيب وهنا مكمن الخطر

وهكذا ادا تأملنا مليا إزاء هذا الواقع قد نجد إن المُمارسة المهنية تقع لا محالة ما بين الديمقراطية والديماغوجية وان المسافة التي تفصل بين الاثنين ليست كبيرة. حيث ادا كانت الصحافة تلعب دورا إيجابيا عندما تساهم في نقل المعرفة بأنواعها فيُمكنها أيضا، أن تكون الأداة الأسوأ، عندما تساهم في تشويه الحقيقة وحتى تغييرها ، لأسباب، إما سياسية، اجتماعية أو غيرها. والأمثلة كثيرة في هذا المجال. حيث بإمكان الصحفيين بشكل عام، وصحفيي التلفزيون بشكل خاص صنع الأحداث الاجتماعية، وتقديمها وفقا لسياسة الوسيلة الاعلامية التي يعملون فيها، ووفقا لمعاييرهم الخاصة. وهذا ما حدث مثلا من خلال التغطية الاعلامية سنة 1990 للأحداث التي جرت في إحدى المدن الفرنسية التي تعاني من الاهمال الاجتماعي، فبدلا من مُعالجة الموضوع من زاوية إنسانية واجتماعية تبرز مُعاناة سكان هذه المدينة وما يتعرضون له من إهمال، مُتجاهلين السبب الحقيقي الذي أدى إلى التظاهر، والذي كان سببه مقتل أحد الشبان عند نقطة تفتيش أمنية. تمّ التركيز في الخبر التلفزيوني على أعمال الشغب التي قام بها الشبان خلال المظاهرات، ولعبت الصور المُتلفزة دورا رئيسيا في التأثير على الُمُشاهدين وتحويلهم إلى مُستنكرين لأعمال الشغب. وهدا ما يُؤكد العلاقة المُباشرة بين صناعة الحدث وآلية تكوين رأي الجمهور.

وإذا كان الاهتمام في هدا الصدد ينصب على وسائل الاتصال المرئية- المسموعة أكثر من غيرها من الوسائل، فذلك يعود إلى عنصرين رئيسيين: أولهما يتعلق بالتقنيات الجديدة التي سيطرت على هذا القطاع، وخصوصا على مستوى الصورة، وقدرتها على التأثير. وثانيهما يتعلق بطريقة إعداد الجمهور، حيث حوّل انتشار الفضائيات المشاهدين من مختلف الشرائح الاجتماعية والثقافية رغم تفاوتهم وتباينهم إلى مُستهلكين حقيقيين لنفس المضامين الاتصالية. وباتت ردود الفعل مُتجانسة في أكثر الأحيان. وهذا يقودنا الى التساؤل هل مازال الاعلام إعلاما في القرن الواحد والعشرين، وهل تمارس الحرية وفقا لما نصت عليها المواثيق الدولية؟