الأحد 18 نوفمبر 2018
مجتمع

رشيد لبكر: مشكل الدار البيضاء ليس في الموارد المالية، لكن في حكامتها و كيفية تدبيرها   

رشيد لبكر: مشكل الدار البيضاء ليس في الموارد المالية، لكن في حكامتها و كيفية تدبيرها    رشيد لبكر، أستاذ بكلية الحقوق بسلا

لماذا تظل الدار البيضاء العاصمة الإقتصادية هكذا من أوسخ المدن وأبشعها حتى باتت تلقب بكازا نيكرا؟ لماذا صارت مدينة التتاقضات حيث هي في نفس الوقت الحاضرة العصرية والقرية الحضرية؟ هل الخلل في الموارد البشرية أم في الموارد المالية؟ أم في تصور القائمين على الشان المحلي للمدينة الفاضلة المنشودة؟، في هذا الإطار توصلت "أنفاس بريس" من الدكتور رشيد لبكر، أستاذ بكلية الحقوق بسلا وله كتاب حول وحدة المدينة، بهذه الورقة التي يجيب فيها عن بعض من الأسئلة المطروحة.

الدار البيضاء مدينة المفارقات بامتياز، هي واجهة المغرب الحديث ورأسماله في مشروع البناء الوطني؛ وهي أيضا القرية الممتدة بكل ما تحمله الكلمة من معاني البداوة و الترييف. هي حاضنة المقاولات ومحركة الاقتصاد وهي أيضا المختبر الجاهز لتجريب آليات التدبير الحضري قبل تعميمها على باقي الحواضر الأخرى. مدينة تتعايش على أرضها كل التناقضات، فهي الحاضرة العصرية والقرية الحضرية في آن واحد.

منذ بداية العمل بنظام وحدة المدينة، اتخذ مسار التدبير الحضري بالميتروبول منحى آخر، قوامه تجميع كل صلاحيات تدبير المشاريع الكبرى في يد واحدة هي المجلس الجماعي، أو ما اصطلح عليه تجاوزا بـ "مجلس المدينة" بقيادة رئيس يتمتع بصلاحيات واسعة، إنه العمدة بالتعبير المعروف، والحقيقة التي لا يمكن القفز عليها، هي أن نظام المجموعة الحضرية الذي كان العمل جار به قبل أن يتحول إلى نظام وحدة المدينة، كان قد أدخل الدار البيضاء في متاهات تسيير لا حصر لها، وأحدث، بسبب التطاحنات السياسية والمناورات الإنتخابية، شللا تاما في المشاريع المهيكلة للمدينة، الشيء الذي أفقد هذه الأخيرة رؤيتها الإستراتيجية الشاملة والموحدة، وأصبحت نظرة كل مجلس حضري بالمدينة لا تتعدى الحدود الترابية لجماعته، فكأن الدار البيضاء تجمعا لأرخبيلات حضرية وليس تجمعا عمرانيا مفروض بين أطرافه التجانس والتكامل.

هكذا بدأ الإختلال وطغى الهدر الزمني، والمالي كذلك، فتعطل إنجاز المشاريع الكبرى و غابت الرؤية الواحدة ودخلت المدينة في متاهات العشوائية وعدم الإنضباط، فكان لابد من المركز أن يتدخل، على اعتبار أن الدار البيضاء ليست ملكا للبيضاويين وحدهم، بل هي ملك للبلاد كلها وركيزتها الأساسية، في الإقتصاد والتجارة والمال و توفير فرص العمل، من هذا المنطلق، بدأت سلسلة المناظرات التشاورية في منتصف تسعينات القرن الماضي تحت رعاية الراحل الحسن الثاني، من بينها مناظرة الدار البيضاء التي كانت الأولى والأخيرة التي حضرها الراحل، وفي هذه المناظرة تم صب سهام النقد على نظام المجموعات الحضرية، ساعتها ظهرت نية المركز المنصبة لتغيير هذا النظام واضحة وبينة، وماهي إلا سنوات قليلة بعد هذه المناظرة، حتى جاء قانون 2002 الخاص بالتنظيم الجماعي والمغير لظهير 1976 مبشرا بـ "نظام وحدة المدينة"، حيث تم إلغاء نظام المجموعات الحضرية والجماعات الحضرية وتعويضها بنظام المقاطعات والمجلس الجماعي الواحد.

مع هذا القانون إذن، دخل التدبير الحضري في مرحلة جديدة، ليس في الدار البيضاء وحدها بل حتى في باقي المدن المغربية الكبرى، طنجة؛ فاس؛ مراكش؛ الرباط؛ سلا، لكن أنظار المتابعة والرصد ظلت مسلطة على الدار البيضاء، باعتبارها التجربة الأساس، فما نجح فيها ينجح في غيرها، وما فشل فيها يفشل فيما عداها، أو ليست هي المختبر الحضري الكبير؟

كان الهاجس الأول عند بداية التطبيق، متعلقا بكيفية التنزيل، باعتباره العقبة الأولى والحاسمة، إذ كيف سيتم إحصاء كل عقارات وممتلكات ومعدات وأجهزة الجماعات الحضرية الملغاة فضلا عن ترسانتها البشرية، وماهي الطريقة الناجعة لإعادة انتشار وتوزيع كل هذه الإمكانات من وجهة نظر المجلس الجديد، وهل ستسد الخصاص أن سيشكل وجودها فائضا عن الحاجة، وكيف سيتم التعامل مع الصدمة السيكولوجية للرؤساء السابقين، الذين كانوا بالأمس القريب يتربعون على كرسي الرئاسة ويتحكمون في ميزانيات ضخمة وتحت إمرتهم طاقم لا حصر له من الموظفين، تم يتحولون الآن إلى مجرد "منفذي خدمة" لفائدة الرئيس الجماعي، وبصلاحيات محدودة، ماليا وإداريا.

وعليه، فقد تمثل الهدف الأساسي لأول رئيس جماعي في هذا النظام، في بناء الإدارة الجماعية الجديدة وضبط خطوط التماس بينها وبين باقي المقاطعات وإقناع رؤسائها بهذه الرؤية الجديدة، التي ترمي النظر إلى المدينة ككتلة واحدة متجانسة، كما تسعى إلى ضبط ايقاع الأوركسترا الحضرية برمتها، حتى لا يخرج ناشز عن سلطة المايسترو المتربع على كرسي التدبير الحضري بساحة الأمم المتحدة.

إجمالا، يمكن القول، إن هذه المهمة انتهت بأقل الخسائر (حتى لا نقول بنجاح) وأصبحت فكرة وحدة المدينة مهضومة لدى الغالبية العظمى من مرتفقي المقاطعات، وكان من نتائجها أن خرجت إلى الوجود المشاريع المهيكلة النائمة، (خط الترامواي والأنفاق، المسرح الكبير، إعادة هيكلة الحدائق التاريخية، تهيئة الشوارع الكبرى، القناطر...) إلى غير ذلك، وبالتالي فلا يمكن أن ينكر هذه الحركية التي بدأت تدب في أوصال الحاضرة الكبرى إلا متحامل، فالدار البيضاء تحولت بالفعل، إلى ورش ضخم لا تكف فيه الأشغال ليل نهار، غير أن هذه الحركية لا تعفي من إبداء بعض الملاحظات، التي استقيناها من اشتغالنا على هذه الحاضرة كمجال للبحث والرصد والتفكير.

لقد أصبحت عجلة التنمية بالدار البيضاء تسير بسرعتين مختلفتين، إذ في الوقت الذي تحظى فيه بعض الأحياء بعناية فائقة من المجلس الجماعي، نلاحظ أن عجلة التنمية والحد من الهشاشة مازالت بطيئة جدا في مقاطعات أخرى، بل لا نكاد نقارنها بسابقتها، حيث الأريفة بكل مظاهرها:شوارع محفرة؛ إنارة ضعيفة؛ احتلال الأرصفة بكل أشكاله، انتشار وسائل النقل العشوائية والخطيرة ، الوساخة والقدارة، استفحال أبخرة المشاوي العشوائية والمنفلتة عن أي رقابة، وأد المجالات الخضراء، استنزاف الأرصدة العقارية في مشاريع غير ذات جدوى، إرهاق مخططات التهيئة ببرامج سكنية مكتظة ومكدسة وبدون أي مسحة عمرانية وجمالية، هذا فضلا عن عدم الإهتمام الكاف بالمشاريع الإجتماعية الهامة:مستشفيات جامعية لسد الخصاص المتزايد ومراكز صحية بالأحياء وتجهيزها، دور رياضية وأندية ترفيهية ومعاهد فنية، مشاريع سكنية مدعمة لفائدة الطبقة الوسطى من أجل فك الحصار العقاري عنهم وتمكينهم من الولوج إلى السكن وهي في مأمن من وهج الأسعار المشتعلة، ضعف الرعاية بالمدارس العمومية مع تسجيل سوء في توزيعها، استئساد بعض شركات التدبير المفوض على حساب ميزانية المواطنين وبدون حتى جودة في الخدمات، عدم اهتمام كاف بمسألة طوير وتأهيل الإعلام الجهوي...

طبعا لكل هذه النقائص أسباب تبررها، نسوق بعضا منها كالتالي:

•       غياب الحكامة المالية، إذ مشكل الدار البيضاء ليس في الموارد المالية، لكن في كيفية تدبيرها وتوزيعها، لذلك فإن الفائض المالي الذي يتحدثون عنه دائما، فضلا عن الباقي استخلاصه، مسائل يجب أن تحظى بنقاش ومكاشفة وتوضيح، فهل فعلا هناك فائض وباق يجب استخلاصه؟ ما قدره وما سببه وما معوقات تحصيله على اعتبار أنه أموال عمومية؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد فقاعة للإستهلاك الإعلامي، إذ كيف يمكن إقناع المواطن بوجود فائض في ظل الخصاص المتزايد من الخدمات الإجتماعية التي ذكرنا؛

•       عدم وجود استراتيجية موحدة ومتوافق بشأنها بين كافة المتدخلين (إدارة الأمن والسلطات المحلية والمنتخبون) حول كيفية التعامل مع مشكل التجارة العشوائية، واحتلال الفضاءات العمومية من أرصفة وشواطئ وباحات ومساجد ومداخل أسواق، عن طريق نهج استراتيجية مندمجة ومستدامة وبناءة، وليست بالأساليب القمعية أو المناسباتية أو "غمض عليا نغمض عليك"؛ استراتيجية تروم فضح وكشف الذين يزايدون ويغتنون بانتشار هذه الظاهرة، من الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وإلا من كان المسؤول عن انتشار ظاهرة الأسواق النموذجية، البقرة الحلوب التي استفاد منها بعض المحظوظين، ممن لا علاقة لهم بالأنشطة التجارية، بخلفيات ريعية، ألم يحن الوقت لإجراء أحصاء لكل الأسواق الموجودة، (بعضها معطل وقد تحول إلى وكر للمنحرفين وإسطبلات للدواب ومستودعات للمتلاشيات)، ثم نشر لائحة بكل المستفيدين من الدكاكين، ليعرف البيضاويون من هم، وكيف استفادوا؟ وبأي حق؟

•       غياب خطة حقيقية ومتشاور بشأنها لتدبير الرصيد العقاري بالمدينة، موجهة لخدمة المجال والساكنة بدون مزايدات ولا خلفيات همزاوية.

•       ضعف التواصل مع الساكنة، وهو ما يفرض ضرورة تطوير الإذاعة الجهوية والدفع في اتجاه خلق قناة تلفزية جهوية، للتعريف بكل مشاريع المدينة وتوضيح خلفيات المشاريع المسطرة ومبررات توزيعها المجالي بين مقاطعات المدينة، درئا لكل الحزازات وقطعا لدابر الخلاف، الذي يُستغل دائما لتأجيج المزايدات، حتى ولو لم تكن مبينة على أسس موضوعية؛

•       ضرورة الإهتمام بالشباب وبث الحياة في المدينة، حتى لا تظل مجالا للكدح والمبيت، بل مدينة تُغري بالعيش، عن طريق تنويع الأنشطة ووسائل الترفيه والمجالات الخضراء وتأهيل الشواطئ وتحريرها من "الانتهازية الموسمية".

•       التفكير من الآن في كيفية دمج المدن الجديدة المحيطة بالدار البيضاء كالرحمة والغفران وبوسكورة بمشاريع التنمية والقضاء على الهشاشة، حتى لا تتحول إلى قنابل عمرانية موقوتة في القادم من الأيام.

•       ضعف الإهتمام بالجانب البيئي، وهذا ما يعد أم مشاكل الدار البيضاء، وبسببه استفحلت العديد من الأمراض النفسية والجسدية، فالدار البيضاء اليوم، تعرف اختناقا وتلوثا منقطع النظير، لاسيما على مستوى أحياء عين السبع وسيدي البرنوصي والمعاريف ووسط المدينة، فلابد من إيلاء هذا الموضوع ما يستحق من اهتمام، لا سيما أن له تداعيات سلبية كثيرة، سواء على مستوى التكلفة الصحية، أو "السمعة" السياحية للمدينة.

هذه بعض من الأسباب، والتي تحمل في طياتها بعض مقاربات الحلول، وهي في مجملها تعكس قناعتنا، بأن نجاح نظام وحدة المدينة، يظل مرهونا بضرورة العمل على تطوير الآداء الميداني، تماما كما تطور النص القانوني، عن طريق ترميم النواقص التي ذكرنا، وجبر خاطر الساكنة المتضررة، وجعل مطلب تأهيل المدينة أطول من عمر أي مرحلة انتخابية وأدوم من أي طموح سياسي، فالدار البيضاء صخرة لا تصمد أمامها إلا النيات الصادقة و الأفعال ذات مصداقية، وقد اثبتت كل التجارب ذلك...