الجمعة 16 نوفمبر 2018
سياسة

عشور يكشف خلفيات إذاعة خبر إعفاء البصري من وزارة الداخلية

عشور يكشف خلفيات إذاعة خبر إعفاء البصري من وزارة الداخلية عبد الرحمان عشور
 
هو سفر عبر الزمن الإذاعي، من سنة 1986 إلى 2003، يروي فيه عبد الرحمان عشور، تجربته مديرا للإذاعة الوطنية، تحت عنوان: "رجل سلطة بالإذاعة"، يكشف في كتابه هذا، أسرارا وحكايات وذكريات وطرائف، بين دفتي 422 صفحة، "لأجعل القارئ يعيش معي أقوى لحظات إلحاق الإعلام بالداخلية"، يقول عشور، الذي انهى مساره الوظيفي، عاملا مكلفا بالاتصال بوزارة الداخلية، حتى سنة 2015، بعد ان تدرج في أسلاك الوزارة منذ سنة 1975، ليشكل بذلك رجل المتناقضات، رجل وزارة الانضباط ورجل وزارة الإبداع
أهمية الكتاب، كونه بقلم رجل سلطتين، تنفيذية وإعلامية، استطاع الجمع بينهما في مهنية وأخلاق كان لهما أثر مع زملائه، والكتاب يعد وثيقة ذاتية غير مسبوقة تدون لفترة زمنية مهمة بين ملكين، وأحداث وطنية ودولية كبرى، وهو مايشكل معه مرجعية مهمة للإدارة الإذاعية وللمهتمين والمتتبعين للشأن الإعلامي ببلادنا.
كانت الساعة تشير بالضبط إلى منتصف النهار وعشرين دقيقة من صباح يوم الثلاثاء 9 نونبر 1999، عندما طلب محمد طريشا، المدير العام للإذاعة والتلفزة من عبد الرحمان عشور، مدير الإذاعة، الحضور لمكتبه، "حيث وجدته، على غير عادته واقفا يمسك بورقة وحيدة، عيناه لاتغادرانها وكأنه يريد التأكد مما دون عليها والتحقق من مصدرها، بدا عليه اضطراب يحاول إخفاءه، اقترب مني ويده ماسكة بالورقة، فبادرني بصوت خافت، وكأنه يخشى أن تلتقط ما يقوله آذان عابرة، وتكشف مضمون كلامه"، يقول عشور، مضيفا: "هذا بلاغ الديوان الملكي، وعليك تذييعه في نشرة الواحدة زوالا، ويتعلق بإعفاء وزير الدولة في الداخلية ادريس البصري من مهامه، وتعيين أحمد الميداوي وزيرا للداخلية، وفؤاد عالي الهمة كاتبا للدولة بنفس الوزارة".
سلم اطريشا البلاغ لعشور، مجددا حرصه على ان يظل الأمر في سرية تامة، وألا يخبر أحدا، وعندما سأله عن سر اختيار الإذاعة دون غيرها من وسائل الإعلام الرسمية، كان الجواب: "تعليمات علينا ان ننفذها والسلام"
كان الخبر قنبلة كما وصفه عشور، فالأمر لايتعلق بإعفاء وزير عادي، بل هو عزل لوزير دولة نافذ، ظل لعشرات السنين الرجل المتحكم في دواليب الشأن السياسي الداخلي بل وحتى الخارجي للبلاد، "كان بلاغ مقتضبا، وكلماته محسوبة ومدققة، استفسرت المسؤول عن القسم التقني الإذاعي، وأجابني ان الامور عادية بالنسبة للأجهزة الدافعة الموزعة في كل تراب المملكة، ولم يتوصل باي طارئ، اتصلت بمحافظة استوديو رقم 4 لأستفسر مذيعة الربط عن الأغاني المبرمجة بعد نهاية النشرة، حتى لا افاجأ باغنية قد يتم تأويلها بأي شكل من الأشكال، فالحدث ليس بالهين، بعد كل هذه الترتيبات، طلبت حضور رئيس قسم الأخبار عبد الإله الخلطي إلى مكتبي، فسلمته البلاغ دون مقدمات، فلاحظت علامات المفاجأة والذهول قد علت وجهه، بادرته بالسؤال عمن يكون مذيع النشرة هذا الزوال؟ فأجابني: الحاج احمد عكة، طمأنني وجود عكة، فهو من افضل مقدمي نشرات الأخبار، وأكثرهم التزاما بقواعد الإلقاء.
لم تعد تفصلنا عن موعد الأخبار الزوالية إلا بضع دقائق.. كنا ثلاثة افراد على معرفة بالخبر، بعد التحاق عمر يسين رئيس مصلحة التحرير بالمكتب، وكنا مطالبين بالحفاظ على السرية المطلقة إلى غاية تذييعه، ومع ذلك قررت مرافقتهما إلى استوديو بث الأخبار وأنا ممسك بالبلاغ، مع الحرص على عدم تسليمه إلى مقدم النشرة إلا عند حلول الساعة الواحدة زوالا.
تصرف ونظرات طاقم الاستوديو ونظرات افراده، كشفت إحساسهم بأن هناك أمرا طارئا، فلم يتعودوا على حضور مدير الإذاعة ورئيس قسم الأخبار ورئيس مصلحة التحرير وقت النشرات الإخبارية.. وضع عمر يسين البلاغ امام الحاج عكة، وما إن وقعت عيناه على مضمون الخبر، حتى رفع رأسه في إشارة من نظراته تقول: "الآن عرفت سبب وجودكم في الاستوديو..
انطلق شعار النشرة ف تمام الساعة الواحدة زوالا، ذلك الشعار الذي دأبت على سماعه آلاف المرات، كانت رناته في ذلك اليوم مختلفة، بل كان له طعم استثنائي، فالأمر يتعلق بطي صفحة من تاريخ المغرب، وبداية تدشين العهد الجديد، بكل ما يحمله من تغييرات، فلكل زمان رجاله.
انتهت المهم بسلام، بعد ان افتتحت النشرة ببلاغ الديوان الملكي بصوت المرحوم الحاج عكة، ولا اخفي انني كنت متوجسا شيئا ما قبل إذاعة البلاغ، خشية أن يحدث طارئ يعوق إذاعته، إذاك سيكون من الصعب، إن لم أقل من المستحيل، إقناع أيا كان بأن عطبا ما حال دون تذييعه..
في الحلقة المقبلة من سيرة "رجل سلطة بالإذاعة"، سيكشف عشور، تداعيات خريف الداخلية في الإعلام.