الأربعاء 12 ديسمبر 2018
كتاب الرأي

محمد شرقاوي : كيف أرى النموذج التنموي الجديد؟

محمد شرقاوي : كيف أرى النموذج التنموي الجديد؟ محمد شرقاوي *

في نظري المتواضع، النموذج التنموي الجديد الذي دعا الملك محمد السادس لإحداثه ينبغي أن يقوم بما يقوم به المهندس المعماري لبناء معلمة على أساسات صلبة، معلمة تقدم على المدى القريب والمتوسط والبعيد خدمات ذكية لمسيريها وسكانها وعمالها وزوارها وشركائها، وقادرة على تحصينهم من أي خطر يهدد حياتهم ومستقبلهم ومستقبل أبنائهم، كالزلازل والفيضانات والحرائق والفوضى والغش والرشوة والاختراقات السبرنتيكية والإرهاب وغيرها، وجعلهم ينخرطون جماعيا و بشكل تلقائي في تحسين ظروف عيشهم، وتطوير كل ما من شأنه أن ينعكس سلبا على خدماتها العالية الجودة وعلى الدينامية التي يتعايشون بها بداخلها وعلى صورتها الخارجية وعلى صحتهم النفسية والجسدية.

بالنسبة لي الأساسات هي :

أولا، التربية، بمفهومها تكوين شخصية متوازنة ومندمجة داخل المجتمع، التي تعد الركيزة التي تقود الطفل ثم المراهق إلى الاستفادة من تعليم يفتح له أبواب المستقبل، و إلى حماية صحته من خلال الوقاية من مجموعة من الأمراض المعروفة. ما أريد أن أقوله هنا هو أن الفرد حينما يكون مندمجا داخل المجتمع الذي يعيش فيه، يشعر بحالة جيدة مع نفسه ومع الآخرين، قادر على تأسيس حياته كما يشاء، كلها مفاتيح تمكنه من الوصول إلى التنمية الشخصية الكاملة، وبالتالي العيش بصحة جسدية ونفسية جيدة. هذه الغاية ذات الأولوية هي مسؤولية الآباء والأمهات وليس المدرسين الذين لهم غاية وحيدة وهي تلقين العلوم لأبنائنا؛ فالمدرس الذي يجد نفسه ملم بحقائق الطفل وبالأفكار الخاطئة عن التربية وانعكاساتها السلبية على صحة الطفل وعلى مستقبله ومتمكن من المبادئ الخمسة الأساسية لتربية سليمة، التي تطرق إليها الدليل العالمي تربية وصحة بطريقة سهلة، عملية وفعالة، ستمكنه من معرفة كيفية إقامة علاقة جيدة مع تلامذته والمحافظة عليها خلال كل مراحل نموهم، وبالتالي تلقينهم العلوم في ظروف جيدة تحترم حالاتهم الاجتماعية والفكرية والنفسية..

ثانيا، التعليم، الذي من خلاله يقدم المدرسون العلوم لهؤلاء الأطفال بطريقة جيدة بدون توتر وبدون إجهاد، تعليم يهيئ الطفل منذ الصغر للانخراط تلقائيا في بناء مستقبله ومستقبل بلده.

أما المعلمة فهي ذلك الشاب الذي يجد نفسه مستفيدا من تعليم يفتح له آفاق المستقبل، مندمجا داخل المجتمع وقادر على تأسيس حياته كما يشاء، وكذلك متمتع بصحة نفسية وجسدية جيدة بالرغم من متغيرات الحياة، وبالتالي التقليل من التكلفة المهولة للصحة ومن الفشل والهدر المدرسي ومن حوادث السير ومن اضطرابا ت التوتر و الاكتئاب و الإدمان والإجرام والجريمة والفكر الإرهابي وغيرها، مشاكل معقدة اقترحنا لها منذ 2008 حلا مبتكرا وفريدا من نوعه في العالم من خلال المشروع العالمي تربية وصحة.

خلاصة القول، النجاح السوسيو اقتصادي لأطفالنا وللوطن مرتبطين ببعضهما البعض، لهذا لابد من سياسات واستراتيجيات واضحة لقطاعات التربية والصحة والتعليم، مع إعطاء الأولوية للتربية لإنقاذ الأجيال القادمة والبلد من مخالب منخرطي نوادي ضحايا التربية.

فبالنسبة لي مقومات نجاح أي نموذج تنموي ترتكز على خمس نقاط كبرى:

أولا: تربية أبنائنا تربية سليمة لإعدادهم للعيش بحيوية وبصحة جيدة في صغرهم وعند كبرهم، وذلك من خلال تحسيس وتكوين الأمهات والآباء والشباب المقبلين على الزواج والمدرسين على طرق التربية السليمة كتلك التي يقترحها المشروع العالمي تربية وصحة؛

ثانيا: مساعدة جماعية للأطفال وللمراهقين وللشباب وللكبار الذين يعانون من اضطرابات نفسية، على الخروج بطريقة ذكية من هذه الاضطرابات؛

ثالثا : توفير تعليم جيد لكل أبناء الوطن من خلال تحديد بدقة أدوار المتدخلين في تربية وتعليم الطفل (التربية تعود للآباء والتعليم للمدرسة) وتقليص عدد الدروس النظرية وتعويضها بأخرى تواصلية تعمل على إعداد الطفل لاحترام قواعد الحياة والاندماج داخل المجتمع بسهولة واختيار المسار الذي سيجعله ناجحا في حياته؛

رابعا : تحصين الأسر وأفرادها كانوا طلبة أو مقاولين أو تجار أو مهنيين أو عاطلين..من الأزمات المادية غير المتوقعة وذلك بإشراكهم في مشروع للتنمية البشرية والاقتصادية تحت الرعاية السامية  للملك محمد السادس، مشروع يدبر استراتيجيا من طرف مؤسسة محمد الخامس للتضامن ويسير يوميا من طرف منظومة قائمة بذاتها (اكتشفتها في مارس 2016) تتوفر على كل الإمكانيات المادية والبشرية والتكنولوجية والخبرات اللازمة لتنزيله على الصعيد الوطني في أي وقت دون حاجة إلى استثمارات كبرى. هذا المشروع، الذي يركز بالأساس على تأمين الأسر وأبنائها من الأزمات المادية غير المتوقعة، سيمكن من دعم تأسيس أكثر من 150 ألف مشروع وتشغيل أكثر من 300 ألف شاب وشابة في السنة. المشروع سيسهل كذلك من عملية الدعم المباشر للأسر المعوزة وللطلبة ويمكن من تسهيل انخراط المواطنين في الداخل والخارج وتحمل مسؤوليتهم في تنميتهم وتنمية بلدهم، الشيء الذي سيمكن من توفير التمويل الكافي لهذا المشروع (أكثر من 40 مليار درهم في السنة) وهو ما سيزيد من وتيرة النمو والتقليص بشكل كبير من نسبة البطالة والتقليل من نسبة الإضرابات والرفع من الإنتاجية وتوحيد صفوف المغاربة والتقليل من الفوارق الاجتماعية ومن الإحساس بالتهميش، وبالتالي تحصين البلد بطريقة دائمة من المتربصين به.

خامسا : إطلاق مشروع تواصلي لمواكبة التطورات التي تعرفها البلاد، مشروع يخدم المشروع التنموي الجديد ويمكن من بناء المجتمع بطريقة ذكية ودائمة تمكن من اكتشاف الطاقات في الداخل والخارج وجعلهم أكثر انخراطا ومسؤولية في مساهمتهم في هذا البناء المجتمعي.

قبل الختم، أود أن أشير إلى كون مشكل الحسابات السياسية يهدد أي مشروع تنموي، لهذا السبب اقترحت أعلاه أن يتم تسيير وتدبير المشروع التنموي الجديد تحت الرعاية الملكية وبتسيير وتدبير منظومتين مختلفتين لا علاقة لهما بالقرارات التي قد تتخذ داخل الحكومة، لأن ربط المشروع التنموي بقرارات الحكومة يعني ربطه بالأجندة السياسية لكل حزب وهو ما سيحول دون تحقيق المبتغى من تنزيل مشروع تنموي جديد.

في كلمتين، تنزيل المشروع التنموي الجديد بهذه المقومات الخمس وبهذه المشاريع الثلاثة ستكون له انعكاسات اجتماعية واقتصادية، جد إيجابية، على السياسات التربوية والتعليمية والصحية والأمنية والتنمية السوسيو اقتصادية والثقافية.

اختصاصي في الاستراتيجيات وحل المشاكل*