الاثنين 23 يوليو 2018
كتاب الرأي

مولاي احمد الدريدي: أحداث الريف.. القطع مع الوهم لربح فرص الحل الممكنة؟!

مولاي احمد الدريدي: أحداث الريف.. القطع مع الوهم لربح فرص الحل الممكنة؟! مولاي احمد الدريدي
صباح يوم الأحد 8 يوليوز 2018 كنت من بين المتظاهرين في مسيرة اليسار من أجل إطلاق سراح معتقلي احداث الريف الاجتماعية..
عفوا!!!!
لقد نبهنا الشباب مرارا من فوق سيارة هوندا أننا كذلك من أجل إطلاق سراح أبناء جرادة..
التنبيه!!!!
جاء كذلك مرارا حين يحاول البعض شخصنة المطلب في إطلاق سراح بعض المعتقلين حيث يتخلى العديد من المشاركين عن عدم رفع الشعار الخاص بشخص ما. حيث تنطلق كل الحناجر بصوت مرتفع؛ رنان وموحد عندما يكون الشعار هو المطالبة بإطلاق سراح كافة المعتقلين دون شخصنة .
المتميز في هذه المسيرة هو مظهر المشاركات والمشاركين كلهم لا علاقة لهم في ملابسهم وحتى شكل تسريحات شعرهم أو ماكياج النساء والفتيات منهم بأي مظهر للمنخرطين والمنخرطات في تيارات الإسلام السياسي؛ لم نرى اية امرأة بالحجاب فقط بعض الامهات بدراتهم؛ بل نادرا ما ترى شابات بالحجاب وان كان فهو على شكله العصري mini-hijab. يبدو كذلك انه وكما قال لي أحد الرفاق المشاركين أن كل تيارات الإسلام السياسي قد تخلفوا عن مسيرة 8 يونيو 2018 انضباطا لقيادة العدل والإحسان؛ وقد يستنتج من ذلك أن القيادة الفعلية للإسلام السياسي هي الدائرة السياسية للعدل والإحسان سواء من هم داخل المؤسسات السياسية المنتخبة والمنبثقة عن الانتخابات أو من هم في المجال الدعوي .
"la propagande" مجالس علمية أو جمعيات تربوية/إنسانية. الكل منضبط للقيادة السياسية وقد تجلى ذلك في مقاطعتهم للمسيرة اليسارية المدنية التطوعية بإجماع. أريد العودة للمسيرة التطوعية فعلا هي كذلك فكل الحاضرين جاؤوا على حسابهم الخاص لم يكن هنا تمويل ما لتنتقل هذه الأعداد من المشاركين ( حوالي 6000 مشارك حسب تقدير أحد الرفاق المتخصص دايما في أجدادنا بأرقام المشاركين في التظاهرا) .
انهينا هذا الاحتجاج الإنساني الواعي بضرورة المطالبة بإطلاق سراح معتقلي الأحداث الاجتماعية بالريف وجرادة ومطلب ضرورة مراجعة الأحكام الصادرة. لكن السؤال المطروح الآن والذي ونحن عائدون إلى منازلنا وعلى مسافة أيام من تنظيمها، وربما خامرنا في دواخلنا هو، كيف تحقيق مطالبنا هذا؟
أريد أن أوضح وأنا أتحدث كفاعل حقوقي، كان دائما في عمق الأحداث والنضالات الحقوقية منذ سنة 1984؛ كنت في عمق هذه الأحداث مساهما ومؤثرا في مجريات الأحداث والحلول لهذه الأحداث والقضايا. طيلة 34 سنة من الفعل والنضال الايجابي، ومع تواتر أحداث الحسيمة منذ الوفاة الدراماتيكية للراحل محسن فكري، الذي كان يشتغل قيد حياته سماكا في قطاع غير مهيكل، ومع سيادة الوهم والاسطورة في التعاطي مع هذه الوفاة الدراماتيكية التي جعلت مشاكل ساكنة الحسيمة والريف تطفو على السطح في ارتباط مع شعور بالحكرة والتهميش الناجمين عن عقلية التهميش التي تم التعامل بها مع المنطقة عموما لسنوات خلت.
ويمكن القول أن هذه العقلية التهميشية غذت - مع مرور الوقت - شعورا جمعيا بالانتماء إلى ثقافة مغايرة لثقافة باقي مناطق المغرب. وغذت أيضا أحكاما قبلية استمدت قيمتها مما يمكن اعتباره وهما؛ نصب نفسه متحدثا باسم الريف ككل، وليس فقط باسم مكان مقتل الشاب فكري. وقد أضفت هذه الأحكام القبلية طابعا أسطوريا على أحداث تاريخية عاشتها المنطقة في فترات متتالية وكذلك طابعا "قدسيا" على الريف وعلى زعمائه التاريخيين في حرب الريف في بداية عشرينيات القرن الماضي، بينما كانت المقاومة في المغرب تصدُّ تمدد الاحتلال الفرنسي والاسباني.
في شهر ماي 2017 بادرت بمعية أحد الرفاق - الذي أسسنا معا جريدة الأفق بداية تسعينيات القرن الماضي بعرض مقترح فكرة تنظيم مناظرة وطنية من أجل الحسيمة وضواحيها كمحاولة لانتشالها من وهم الأسطورة. وقد تفاعل مع هذه المبادرة السيد إلياس العماري - بصفته أحد ابناء ضواحي الحسيمة وباعتباره رئيسا لجهة طنجة تطوان الحسيمة، بحيث ساعد على توفير شروط لوجيستيكية وتنظيمية للمبادرة بمدينة طنجة.
وللأسف فقد تعرضت نتائج هذه المناظرة، التي كانت تتوخى حلا سياسيا في المنطقة للنسف من قبل حاملي الوهم / الأسطورة وجعلوا الزمن السياسي في المغرب في وضع عطالة ضاعت معه فرص حل مشكلة مفتعلة لا تختلف في صميمها عن المشاكل التي تعيشها باقي مناطق المغرب/الوطن، بسبب تعطيل الانتقال الديمقراطي وتشوش فضاء حقوق الإنسان و الاستمرار في الافلات من العقاب..
نعرض هذا المدخل من أجل توفير عناء الغوص في تحليلات المؤامرة التي تعد من رياضات اصحاب الترضية الذاتية auto satisfaction التي قد تصل إلى حدود العادة السياسية « masturbation politique». ذلك ان صلب الموضوع هنا يتمثل في الأحكام الابتدائية الصادرة عن محكمة الاستئناف بالدار البيضاء في حق الغالبية الساحقة من أبناء الحسيمة والضواحي من المعتقلين على خلفية ملف أحداث الريف، وانا اعتبر شخصيا هذه الأحكام جائرة في حق الغالبية الساحقة من هؤلاء المعتقلين سواء في الدار البيضاء أو في محاكم الحسيمة.
وشخصيا على غرار ما قاله الاستاذ بنشماس - وهو من الضحايا السابقين للاعتقال السياسي وانا كذلك وكأحد اعضاء عائلة الدريدي التي عاشت أقسى تداعيات القمع السياسي والتعذيب في عهد الحسن الثاني ووزيره البصري، قمع متمثلا في الاعتقالات والتعذيب والتضييق على مسارات أبناءها في بناء مستقبلهم و حياتهم اجتماعيا واقتصاديا؛ بل إن أوج هذا القمع والتضييق ومصادرة الحقوق وصل حد مصادرة الحق في الحياة لأخي الأصغر (الشهيد مولاي أبوبكر الدريدي)، وكذلك حق مصادرة الحق في الحياة لام المناضلين والشهداء امنا السعدية الدريدي التي لقبتها  آنذاك الحركة الحقوقية بالأم الشجاعة la mère courage ، هذه الام المناضلة التي انتقلت من حياة عادية ( ملؤها الطرف وتربية أبناءها وتعليمهم فهي كانت تنتمي لكبريات العائلات الأرستقراطية المراكشية التي ناضلت من اجل استقلال المغرب) الى رمز لتوحيد مطالب الامهات والاخوات ونساء المعتقلين السياسيين، وبعد ذلك الاخوة والاباء؛ كان نهجها ونهج العائلات المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والمنفيين والمختطفين دون قيد أو شرط دون التدخل في آراء واختلافات الرؤى بين المعتقلين السياسين .
المهم من هذا أن المعتقلين السياسيين وأساسا مناضلي الحركة الماركسية اللينينية ومناضلي الاتحاد الوطني والاشتراكي للقوات الشعبية بالإضافة إلى مناضلي رفاق الشهداء ( مناضلي اللجنة الإدارية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ) قد تحملوا كلهم مسؤولياتهم في الدفاع عن آراءهم السياسية. وهو ما ترك لنا نحن الحقوقيين الفاعلين السياسيين قوة وشرعية في الدفاع بدون هوادة على مطلب إطلاق سراحهم.
في دينامية اليوم المتمثلة في مطلب حرية معتقلي الحسيمة وضواحيها هناك إرادات جادة للمطالبة بالإفراج عنهم توجد الرفيقة بوخلخال من ضمن متزعميها. غير أنه للأسف هناك إرادات من داخل العائلات لمعتقلي الحسيمة والضواحي - وخاصة  من قبل شخص رغم الارتباط العائلي الوثيق له بأحد المتابعين الاساسيين في ملف معتقلي الحسيمة والضواحي يقوم بممارسات ومبادرات مضرة بالملف ككل وبمصالح بعض المعتقلين غير المتورطين في ممارسات شخصية أو جماعية مست سلامة أشخاص أو مست بمصالح مادية للدولة أو الأشخاص او حتى الممارسات ذات صلة بالتهور في المس  بالمشترك العقائدي للمغاربة المؤمنين بالديانة الإسلامية. 
لقد حاولت بسط طوبوغرافيا الأشياء كما أراها.
وهنا السؤال التقليدي الذي نطرحه نحن المناضلون الماركسيون اللينينيون عبر العالم: ما العمل؟
وقبل الإجابة عن هذا السؤال اود ان اوضح أن حكومتي الإسلام السياسي لبنكيران والعثماني هما المسؤولتين عن الاعتقال والمحاكمة التي أفضت إلى أحكام قاسية لعموم معتقلي الحسيمة والضواحي وهي التي تتحمل المسؤولة عن الأحكام الجائرة في حق جل المعتقلين في هذا الملف. إن حكومة الاسلام السياسي وخاصة الوزير آنذاك للعدل وحاليا هو وزير الدولة لحقوق الإنسان مصطفى الرميد هو من يتحمل مسؤولية تعطيل الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب وبذلك هو من فوت علينا فرصة الاستفادة من الحلول القانونية الحقوقية للملف إن ثبت هناك تعذيب كما يدعي البعض. نحن أمام هدر للطاقة والزمن السياسي.
ومن هنا اوجه النداء أساسا لكل حامل لمبادرة من أجل حل مشكلة معتقلي الحسيمة والضواحي للانضواء جميعا في مبادرة وطنية لحل سياسي بعيد عن شحن أوهام "الريف المقدس" والقيادة الميدانية " لحراك الريف!!!؟ أو ما شابه ذلك من أجل الوصول الى مقترح سياسي لتجاوز الأزمة والوصول الى توافق مع المقربين من دوائر التحكيم الدستورية لتجاوز هذه الازمة المفتعلة وذلك بإطلاق سراح المعتقلين..
ما العمل؟ ادعوا كذلك إلى لقاء وطني بين كل المبادرات المدنية، مع كل من رئيس جهة طنجة تطوان الحسيمة، رئيس الحكومة، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، رئيس مجلس النواب، رئيس مجلس المستشارون.  للحوار حول كتاب سيوجه إلى الملك ليأخذ تدابير العفو على المعتقلين وتنقية الجو السياسي وفتح أفق للحوار الشامل من أجل ضمان عدم تكرار ما جرى، مقاربة تنتصر للوطن وللامكانيات الواقعية المتاحة في الظرف الراهن بعيدا عن الشعارات والارادوية التي قد تزيد في تعقيد الأوضاع والسير بالبلد نحو مآل بدون أفق لن يكون، بالتأكيد، لصالح أحد.