السبت 21 يوليو 2018
اقتصاد

الطيب حمضي: نداء تعليق مقاطعة الحليب لـ10 أسابيع: بين ردود الفعل النضالية ومراكز القوى المصالحية

الطيب حمضي: نداء تعليق مقاطعة الحليب لـ10 أسابيع: بين ردود الفعل النضالية ومراكز القوى المصالحية الطيب حمضي
أثار النداء الذي وجه دعوة إلى المغاربة لتعليق مقاطعة مادة الحليب لمدة 10 أسابيع عددا من ردود الفعل المختلفة المضمون والطرق والأهداف. فبينما تلقاها عدد من الفاعلين باعتبارها مقترحا يرافق عن وعي هذا الفعل الاحتجاجي وله مبرراته وأسباب نزوله النضالية، عارضه آخرون وأحيانا بعنف كبير. فبغض النظر عن طبيعة بعض ردود الفعل، التي تجاوزت أحيانا حدود الرأي والرأي الآخر وحدود أبجديات أخلاقيات النقاش، وهي الأشياء التي نتفهم جزءا من أسبابها، دون أن يعني ذلك القبول بها، بغض النظر عن هذا، فإن ردود الفعل الصادرة عن حسن نية وعن إرادة نضالية، صاحبتها وتصاحبها ردود فعل منظمة ومهيكلة وموجَّهة، تديرها "مراكز قوى" و"جهات" تَوَقَّع الموقعون تحركها.
أولا: ردود الفعل الأولية للناس وللمقاطعين التي تمت أحيانا بقوة بل بعنف
هذه ردود أفعال طبيعية جدا، وهي ردود نعتبرها أجوبة نضالية للجموع التي انخرطت في حملة مقاطعة تحس بأنها، وبفعل نجاحها، تحقق لها وحدة الكلمة في بحر من التشرذم، وتحقق لها كرامتها وموقعها كمخاطَب لا يطالب فقط، بل يضغط ويقوم بفرض احترام رأيه.
هذه ردود تؤكد قوتُها مناعةَ الناس ومناعة المقاطعين الذين يخافون أن يلتف أحد على شكلهم النضالي. بل يمكن القول إن الغير الطبيعي هو أن يتلقى الناس الدعوة لوقف مقاطعة ولو منتج واحد ولو لمدة محددة بارتياح تلقائي ويتجاوبون معه أوتوماتيكيا... لذلك، يمكن اعتبارها ردودا تنم عن مناعة المقاطعة.
طبعا، هذه الردود الأولية سيتبعها نقاش وتفكير عميق بعد أن تمر مرحلة الدهشة، وربما الصدمة، فيرجع الناس لقراءة النداء عوض اكتفاء البعض، بل الكثيرين، بقراءة التعليقات التي تحاول عمدا وبسوء نية تغليط الناس بالقول إن الأمر يتعلق بنداء لتوقيف المقاطعة عوض تعليقها لمادة واحدة هي الحليب ولمدة محددة هي 10 أسابيع، ولأسباب مذكورة في النداء وتعهدات علنية من الشركة المعنية في أعلى مستوياتها عالميا.
قلت سيتبعها نقاش حول نداء وُجِّه للمغاربة وليس نداء باسم المغاربة. نداء مطروح لأن يناقشه المقاطعون ويتداولون فيه، دون أن يمارس أي أحد أو جهة وصايتها على المقاطعين ويعتبر رأيه وردّه هو رأي الشعب، هكذا بالمطلق!!
وهذا ما يقع اليوم بالضبط. فبجانب هذه الردود الرافضة، هناك تجاوب من طرف العديد من الفاعلين المقاطعين مع المبادرة مقابل الرفض الأوتوماتيكي. وهناك حوار بين هؤلاء وأولئك مباشرة.
طبعا، نحن نتفهم أن هذه الردود الأولية تختلف حسب مستويات الناس وثقافتهم الديمقراطية ومدى تشبعهم بالحق في الاختلاف ومدى اقتناعهم بنسبية أو قطعية القناعات... وهذا تمرين بيداغوجي نتعلم من خلاله جميعا حق الاختلاف وطرق تدبيره.
ثانيا: توقعنا ردود بل هجوم بعض الأطراف الحكومية وبعض ممن يدور في فلكها
فالتجاوب ولو الجزئي لشركة واحدة من الشركات الثلاث التي استهدفت المقاطعة أحد منتجاتها، والاتجاه نحو حلحلة المشكلة معها - إن هي بلورت تعهداتها- يضع الحكومة في مأزق، لسببين:
الحكومة كانت تخيف الناس بأن شركة الحليب قد تغادر المغرب وأن المقاطعة تضر بمئات آلاف الأسر المغربية والفلاحين بسبب مقاطعة الحليب... لكن تأكيد مدير عام الشركة أنها لن تغادر المغرب مطلقا، وأنها مستعدة للتجاوب مع المقاطعين، ترك الحكومة عارية من الحجج التي كانت تستعملها لإخماد المقاطعة نهائيا دون نتائج ودون أن تستجيب حتى الحكومة نفسها لمطالب المقاطعة.
بداية حلحلة المشكلة مع شركة واحدة، وهو ما قد (قد) يدفع الشركتين المتبقيتين لنهج نفس التوجه، هذا قد يجعل المطالب المتبقية، والتي لم تكن تتطلب أصلا لا موارد مالية ولا وقت، ونعني المطالب المتعلقة بالشق المؤسساتي (تفعيل مجلس المنافسة) والقانوني والسياسي (تفعيل الآليات القانونية والإدارية لمحاربة التلاعب بالأسعار ومحاربة الاحتكار والالتفاف على المنافسة)، يجعل هذه المطالب هي المطالب المسؤولة عنها الحكومة هي المعطلة، ويفضح غياب إرادتها السياسية بشكل مباشر.
ثالثا: توقعنا ردود أفعال الشركتين المقاطَعتين (المحروقات والمياه)
من المؤكد أنهما تدركان أنهما قد تبقيان هدفا للمقاطعة لوحدهما إذا ما تم إيجاد حل مع مادة الحليب. وهذا سيناريو/ كابوس بالنسبة إليهما. فهما تبيعان مواد لا تفسد أو تتلف بسرعة، وهو ما يجعل خسارتهما تنحصر أساسا في غياب الربح، على عكس شركة الحليب التي لا تشكل لديها خسارة غياب الربح سوى القسمة ربما العشر من الخسارة الكلية بسبب فساد المنتج. وبالتالي، يبدو أن الشركتين تنتظران أن يتم فك المقاطعة على الثلاثة بفعل تلاشيها أو بفعل تعاطف الناس مع الفلاحين أو بأي شكل من الأشكال، لكن دون أن تتجاوبا مع مطالب المقاطعة والمقاطعين. وهو ما يفسر أن أثمنة المحروقات هي اليوم أعلى مما كانت عليه عند انطلاق المقاطعة.
لكن حين بادرت شركة الحليب بتقديم مشاريع حلول، أحست الجهات التي تدور في فلك الشركتين وتدافع عنهما بأنه، في غياب حلول من جانب الشركتين، ليس لها من منفذ ومن منقذ سوى الهجوم على المبادرة لإفشالها. هكذا، تبقى الشركات الثلاث كلها مقاطَعةً، ويعود المقاطعون إلى نقطة الصفر وكأن شركة الحليب لم تقدم مقترحات، ويساوون بينها وبين الشركتين اللتين لم تقدما أي خطوة أو حتى نية خطوة في الاتجاه الصحيح.
علما أننا نتمنى وننتظر من الشركتين المعنيتين أن تراجعا مواقفهما وتبادرا إلى اقتراح حلول معقولة على المقاطعين، لتستأنفا عملهما بشكل طبيعي في احترام تام لقوانين السوق والعرض والطلب والقدرة الشرائية للمواطنين، واحترام كامل للمنافسة بشفافية ودون ريع أو احتكار، هما وباقي الشركات الأخرى التي تعمل في السوق المغربية. نحن نثمن أي استثمار ببلدنا ونشجعه ونرحب به، وخصوصا الاستثمار النزيه، الذي يحترم القوانين والمنافسة ويحترم المواطنين والمستهلكين وطاقتهم الشرائية. وإذا كان بهذه المواصفات، وفوق ذلك كان استثمارا وطنيا، فمن المؤكد أن المغاربة كلهم سيقدرون هذه الأشياء من خلال التجاوب معه قبل غيره.
رابعا: هناك جهات عديدة حاولت الركوب عى المقاطعة لأسباب غير مشروعة
أكيد هناك جهات تريد تحقيق أرباح مادية خاصة، تحقيق أرباح سياسية خاصة غير مشروعة... فالأسباب السياسية المشروعة التي تفيض عن المقاطعة معروفة، وهي جزء من المقاطعة نفسها: الزواج غير الشرعي بين المال والسلطة (لمحاربة التكسب غير الشرعي وعلى حساب أرزاق الناس)، تمكين المواطنين من أدوات جديدة لفرض رأيهم في المعادلات القائمة...
هذه الجهات تعمل بكل الأساليب للدفع بالمقاطعة إلى الاستمرار مهما كان الثمن، ليس إيمانا بأهداف المقاطعة، ولا قناعة بوجاهة مطالبها، ولكن لاستعمالها من أجل تحقيق مآربها الخاصة. طبعا هذه الجهات تجد في أي مقترحات للحلول ونجاح المقاطعة فشلا لمخططاتها ولمشروعها...
خامسا: هناك جهات في الداخل أو في الخارج ليس من مصلحتها أن تكون بلادنا قبلة للاستثمارات
هذه الجهات لا تحركها بالضرورة الأسباب السياسية. يمكن "فقط"، ولأسباب تنافسية، أن تكون لا تريد تدفق الاستثمارات على بلادنا، إما لتوجهها لبلدان ومناطق أخرى، وإما لأنها لا تريد منافسة قوية هنا. لذلك، يهمها أن ترسل رسالة إلى المستثمرين الكبار عالميا بأن المستهلك المغربي قد يؤدي باستثمار معين إلى الإفلاس حتى وغن وجدت الحلول للمشاكل المطروحة.
هذه "المراكز" تريد تخويف رأس المال من الاستثمار في بلادنا. كل الاستثمارات تواجِه في يوم من الأيام مشاكل طارئة، وكل الاستثمارات لها توقعات وحلول وبدائل لمواجهة السوق والمستهلك. لكنهم يريدون أن يبلغوا رسالة إلى المستثمرين مفادها أن الاستثمار في المغرب محفوف بالمخاطر حتى وإن احترمتم القوانين والمساطر وتجاوبتم مع مطالب الناس، فاستثماراتكم في مهب الريح ومتعلقة على مزاج أياد مجهولة وليس على حواركم وتفاعلكم مع المشاكل الطارئة. طبعا، ليس هناك أي مستثمر يغامر بضخ رأس ماله في سوق لا يحكمها القانون أو العقل.
هذه الجهات توقعنا تجندها لمحاولة تسفيه المبادرة لإفشالها، لأنها مبادرة توجه رسالة إلى العالم بأن المقاطعين المغاربة لا يحاربون الاستثمار، ولكن يواجهون الاستثمار الذي يتلاعب بأرزاقهم ويسرق قوتهم ولا يحترم قوانين بلدهم ويمتص دمهم. ولأن المبادرة تقول للجميع إن المقاطعة ببلادنا هي مقاطعة عقلانية وحكيمة وبأهداف واضحة ومشروعة، فإنها لن تروق لمثل هذه الجهات.
فدورنا جميعا كمقاطعين، ملتزمين، مناضلين هو المساعدة على أن تحقق المقاطعة نجاحات واختراقات، لا أن نقودها إلى المجهول. ودورنا أن نفكر ونحلل ونبادر لاقتراح الأحسن على شعبنا مهما كلفنا ذلك، لأننا مناضلون ولسنا ممن يعيش من خلال جمع أكبر عدد من المعجبات والمعجبين.
وعلى عكس بعض الأصوات الشاذة التي تدعي الدفاع عن المقاطعة ولكنها تتمنى في قرارة نفسها أن لا تحقق أهدافها المعلنة لتستمر المقاطعة بأي ثمن، نحن نريد للمقاطعة أن تحقق أهدافها التي تجند المغاربة وراءها لمحاربة الاحتكار والغلاء والتلاعب بالأسعار وغياب المنافسة، و من خلالها اقتصاد الريع والزواج غير الشرعي بين المال والسلطة...
المبادرة طرحت للمواطنين وللمقاطعين، من أجل صونها وتحقيق هدافها. وهم من يناقشونها ويتفاعلون معها سلبا وإيجابا. أما باقي الفئات التي تهاجم المبادرة للأسباب التي فصَّلنا، فلن يقنعها شيء غير فشل المقاطعة كليا.