الأربعاء 26 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

عبد القادر زاوي: كأس العالم من منظار الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

عبد القادر زاوي: كأس العالم من منظار الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عبد القادر زاوي
كل أنظار العالم شاخصة إلى مونديال روسيا 2018 . يشاهد الجميع نفس المباريات، يتوصل بنفس النتائج، يعرف نفس المعطيات والأرقام حول اللقاءات. ولكن التفاعل مع المقابلات وصراع الفرق والنجوم يختلف اختلافا شديدا حسب المنظار الذي يتابع به كل شخص هذه الوجبات الكروية، وحسب الخلفيات الثقافية والفكرية والسياسية وحتى الرياضية التي يتوفر عليها.
معطيات المباريات واحدة، ما يجعلها مختلفة لدى الناس هو منظار الرؤية الذي يختلف من شخص لآخر، ومن منطقة لأخرى . ففي أمريكا اللاتينية يبدو أن التوجه العام بين الناس هو لإبداء نوع من الحسرة على تواجد فريقين أمريكيين جنوبيين فقط في ربع النهاية، ممزوج بنوع من الأسف على خروج فريق الأرجنتين وأيقونته ليونيل ميسي من المسابقة ؛ وفي البرتغال وإسبانيا يجري نعي أفول كرة النجوم التي لا يستطيع تواجدها معا أن يصنع فريقا متكاملا بإمكانه الاستمرار أطول مدة في المنافسة، ما لم يكن هذا التواجد للنجوم متماسكا ومتلاحما.
وإذا كانت إفريقيا جنوب الصحراء تندب حظها العاثر في الآمال التي علقتها على دررها المتناثرة في الملاعب الأوروبية والتي خانها التركيز في اللحظات الأخيرة في عدد من المباريات ؛ فإن في شرق آسيا مزيج من الغبطة بالمستوى الذي ظهرت به اليابان، ومن الأسى في نفس الوقت للتذبذب المريع الذي شهده مستوى الكرة في كوريا الجنوبية صاحبة أكبر إنجاز كروي في القارة الصفراء (نصف نهاية كأس العالم 2002).
أما في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وبين معظم فئات شعوب المنطقة، فإن منظار رؤية المونديال واللقاءات فيه وما يدور في الأروقة فهو من طبيعة خاصة. لا شك أن هذا المنظار يعبر بشكل أو بآخر عن الشغف الكبير بالكرة في هذه المنطقة، والذي تضاعف بمناسبة مونديال روسيا بحكم وجود خمس فرق من المنطقة فيه، ثلاثة منها عن شمال إفريقيا (المغرب، تونس ومصر)، واثنتان عن آسيا (المملكة العربية السعودية وإيران).
غير أن هذا الشغف لا يترجم في تحليلات موضوعية أو في انتقادات منهجية، وإنما تطغى عليه اعتبارات تبتعد في معظم الأحيان عن الوقائع الرياضية كما حصلت في الميدان. فهذه المنطقة المثخنة بالنزاعات، والمناكفات والمشاحنات السياسية والعسكرية والفكرية، التي تفترس عقول أهلها نظريات التآمر في كافة المجالات، وتشيع بينهم التأويلات المغرضة من غير المستغرب أن يسرح الخيال بالأغلبية من ناسها بعيدا في تفسير الأحداث والنتائج الرياضية في إطارها الحصري مثلها مثل باقي المجالات وربما أكثر.
من هذا المنطلق لم يكن غريبا أن نرى وزيرا إسرائيليا (أفيغدور ليبرمان) يلوي عنق الحقائق ليفسر إخفاق ليونيل ميسي برفضه التبرك في حائط المبكى بعد أن ألغت الأرجنتين تحت ضغوط عدة ومناشدات كثيرة مباراتها الاستعدادية مع إسرائيل . كان الفشل الأرجنتيني فرصة لهذا الوزير للترويج للخرافات الدينية التي قامت عليها الدولة العبرية، متناسيا أن السبب الرئيسي لإلغاء المباراة هو نقلها من حيفا إلى القدس، وأنه لا يمكن بالتحايل دفع الأرجنتين إلى الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل.
وفي هذا السياق لم يكن مفاجئا حجم ردود الفعل المتبادلة وبذاءة الكثير منها إزاء إقدام دول عربية على التصويت ضد الترشيح المغربي لاستضافة كأس العالم 2026. تبخرت على حين غرة عبارات الأخوة والتضامن، التي تنمق الخطابات الرسمية لتحل محلها التهجمات اللفظية القبيحة، التي تقيأت ما يختلج حقيقة في الأنفس، ووصلت حد السب والقذف في الأعراض والأنساب والأعراق، واستدعيت من التراث شخصيات وعدد من الأحداث التاريخية وظفت بأساليب قدحية مذمومة.
وفي جو عام كهذا من الطبيعي أن تجد السخرية السياسية مكانا بارزا لها في التحليلات والتنظيرات الخاصة بمجرد مباريات لكرة القدم يفترض أن ينتهي الجدل حولها بانتهاء الوقت القانوني لها، سيما وأن بعضها كان في المونديال مجرد تأدية واجب وتحصيل حاصل كما كان الحال في مباراة مصر والمملكة العربية السعودية عن المجموعة
الأولى. ومع ذلك كانت السخرية لاذعة ومحملة بإيحاءات سياسية عن تسوية حدودية حصلت من قبل بين البلدين، ناهيك عن الغمز من زاوية استخدام الوفرة المالية للتأثير على المجالات الرياضية. بل إن مسؤولا رياضيا مصريا لم يتورع في تحميل جماعة سياسية دينية محظورة مسؤولية التشويش على تركيز لاعبي فريقه.
وإذا كان المغاربة والإيرانيون لم يسقطوا في فخ تصوير المباراة التي جمعتهم كأنها امتداد لصراع سني شيعي يعيث خرابا في المنطقة، ولم يؤثر على مجرى اللقاء قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، فإنهما معا اتفقا وسارعا إلى الاستنجاد بنظرية المؤامرة لتبرير إقصائهما من المنافسات.
فبالنسبة للرأي العام الذي جرى شحنه بقوالب جاهزة في البلدين لم يعد البحث عن النزاهة المثلى في التحكيم هو الدافع نحو اختراع تقنية الVAR )Vision after Replay) والاستعانة بها في العديد من اللقاءات وفق تعليمات محددة. كلا ها هنا في منطقة مجبولة على نظرية المؤامرة يجري شحن الناس بأن هذا الاختراع جاء ليكمل حلقة المؤامرة على دول المنطقة، لكأن هذه الدول كانت ذاهبة للمنافسة على إحراز الكأس، مع أن عدد مشاركاتها في العرس الكروي العالمي يحسب على رؤوس الأصابع.
وبالطبع لم يكن الهرج والمرج من ترويج أفكار كهذه إلا وسيلة لتغطية أسباب الفشل الحقيقية والتهرب من تحمل المسؤولية. ففي هذه المنطقة تعود المسؤولون على إلقاء اللوم على الغير، وقد وجدوا في هذه التقنية ضالتهم، رغم أن كل مؤسسات الفيفا اعترفت بنجاعتها في تخفيض نسبة الأخطاء التحكيمية، إذ انتقلت نسبة صحة قرارات الحكام من 95% إلى أزيد من 99%.
هكذا عندما يتولى الأمور عدم الجديرين بها لا يستغرب خلط الرياضة بأي كان وحسب الظروف السياسة أو الدين، ولكن بطريقة فجة تنم عن فشل ذريع في االرياضة وفي السياسة والدين، وكل توابل الخيبة التي تضاف إليها.