الأربعاء 21 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

عبد اللطيف برادة:"معطف جوجول'' قصة قصيرة جدا ولكن؟

عبد اللطيف برادة:"معطف جوجول'' قصة قصيرة جدا ولكن؟ عبد اللطيف برادة
كلنا خرجنا من معطف غوغول هذا ما قاله فيودور ديستويفسكي، معلقا على القصة قصيرة والخالدة التي ألفها الكاتب الروسي غوغول، مستلهما من واقع المجتمع الروسي ومعاناة الطبقة الفقيرة الحاضرة في كل المجتمعات التي مهما بلغت من تحضر ورقي فدائماً نجدها تزخر بمثل هذه الشخصيات البسيطة الفقيرة المقتنعة بقدراتها المحدودة وبأحلام بسيطة لدرجة ان لا احد يكترث بها . وذكاء غوغول جعله يسلط الضوء على هدا النوع من المعاناة البسيطة مع تكثيف الكلمة والحالة والصورة مؤسسا بدلك مدرسة كاملة لكتابة الرواية
هذا ما تركه لنا الروائي والكاتب الكبير نيكولاي غوغول من خلال روايته الشهيرة (المعطف) وهو ارث غني بالأسئلة والصور عن الانسانية المقهورة في عيشها والغنية بأحلامها. فكلّ إنسان فينا يحلُمُ حسب مستواه الفكري والمعيشي، وحتى الإنسان الذي يرفض أنْ يحلُمَ، تدفعه ظروفه، غَصْباً عنه أحياناً، إلى أنْ يحلُمَ. وهذا ما حصل بالضَّبْط مع " أَكاكي أَكاكيفيتْشْ" وهو الشخصيّة الأساسيّة في قصّة " المعطف " للكاتب الروسيّ الشهير " نيقولاي غوغول" الذي قيل بناء على مدى تأثيرها على الخط الروائي انذاك إنّ الرواية الروسيّة خرجت من "معطفه"، ويُقْصَد بذلك خروجها من صفحات قصّة "المعطف"، وليس من معطفه الشخصيّ.
مزج غوغول، في هذه القصّة، بين المعطف وبطل ا القصّة "أكاكي الذي يرتديه إلى حدّ أنّ المعطف تحوّل، على يدي غوغول، الى شخصيةً نابضةً بتحوّلات مزاج البطل ".
المعطف سيرة ذاتيّة ومرئيّة لحياة "أكاكي" الرثّة، وهو موظّفٌ درجة تاسعه مسحوق بسيطُ الشخصيّة، ومهلهل العيش والمعاش، وظيفته النّسْخ، لجمال خطّه، حيث نراه يقضي عُمْرَه كلّه نسّاخاً لا تتعب أصابعه من عشرة الأوراق والأقلام، بلْ من فرْط ولعه بالنّسخ كان يأخذ ما يتبقّى له من عمل إلى بيته المتواضع ليؤنس به أمسيات عزلته الباردة. وذات مرة قرّر أحد المسؤولين، ترقيته في عمله إلاّ أنّه امتعض امتعاضاً عكّر عيشته إذ اعتبر ذلك زعزعةً لرتابة حياة ألفها أشدّ الإلف. كان قانعاً، خانعاً لمشيئته، وكان الموظّفون الآخرون يستخفّون به استخفافاً يقابله بلامبالاة فاقعة النبرات وكأنّ هذا الاستخفافَ الذي كان ينهمر عليه من أفواه زملائه يمسّ شَخْصاً آخر.
كانت الحياة بلا معطف، في صقيع روسيا، كالجحيم. وكان لـ "أكاكي" معطف رثّ أكل الدهر عليه وشرب، ومعاشه الضئيل لا يسمح له بشراء معطف آخر، فكان كلّما تمزّق منه جانب أو انفتقت قطعة يذهب به إلى الخيّاط لِرَتْيِه أو ترقيعه، إلى أنْ جاء وقت صار فيه المعطف من فَرْط تَهَلْهُلِهِ عصيّاً على الإصلاح والرَّتْق، ومع هذا كان "أكاكي" مصرّاً على إصلاحه ولكن الخيّاط رفض في الأخير حتّى مجرّد لمسه مقترحاً على "أكاكي" أنْ يخيطَ له معطفاً جديداً. هنا جنّ جنون "أكاكي" لأنّه، بكلّ بساطة، لا يملِك من المال ما يسمح له بتفصيل معطف جديد.
و بعد أنْ فقد القدرةَ على مواجهة سياط البرد اللافح، قرر أكاكي اختصار العشاء وعدم اشعال شمعة في المساء من أجل توفير مبلغ من المال لتفصيل معطف جديد عند الخياط جاره. وظلّ لعدّة أشهر يذهب، يوميّاً، بعد انتهاء عمله إلى الأسْواق لدراسة أسْعار القماش، إلى أن تأمّن المبلغ وتحققّت أمنيته.
يقول غوغول: كان أكاكي اكاكيفيتش في اشد مشاعره ابتهاجا واحتفالا يحس في كل ثانية من الدقيقة ان على كتفيه معطفه الجديد.. فيضحك بسخرية مرات عدة خلسة، من فرط سروره الداخلي...
وصف غوغول كل تفاصيل هذه الشخصية متقلبة المزاج غريبة الأطوار فاستطاع غوغول من خلال وصف متناهي الدقة ان يجعل القارئ يعيش في اجواء روحية مع اكاكي اكاكيفيتش ومع كل الفقراء على شاكلته والتي تحلم بالدفء ولقمة العيش. وبعد وصفه لنا فرحة أكاكي بعد اقتنائه المعطف ينجح وبنفس المستوى من التأثير وهو يصور لنا هذه المشاعر ولكن بشكل مغاير حين يصف احباطات هذا الانسان حين تتم سرقة هذا المعطف (الحلم): أحس كيف نزع المعطف منه.. وجهت اليه ركلة وقع على أثرها في الثلج على ظهره ولم يحس بشيء أكثر من هذا.. وبعد بضع دقائق صحا على نفسه واستوى على قدميه. ولكن لم يعد أحد موجودا لقد أحس ان الجو بارد وان المعطف غير موجود فجفل يصرخ.. ولكن بدا ان الصوت لا يبلغ أطراف الساحة فانهض يركض مستميتا دون ان يكف عن الصراخ ومات الفقير من جراء دلك ودفن كأي نكرة او حشرة في المجتمع. حتى دون ان يعلم به زملاؤه في المديرية حيث كان يعمل.
هنا خرج الكاتب عن المالوف بشئ من الخيال حين جسد حالة التمرد في روح هذا الانسان التي بقيت غير مستقرة ومعلقة بذاك المعطف .. وسيدخل غوغول بالقصة في دهاليز ومنعرجات الخيال الخلاق، ليترك مساحة شاسعة للماورائيات تفعل فعلها بلا حدود في خيال ونفسية القارئ وهي قصة تتكرر يوميا ليس فقط باحداثها بل في بعدها الإنساني والحقوقي مع ردة الفعل التي تخلق تجاه كل تلك المعاناة. فهو ادا معطف تنعطف معه المشاعر الانسانية بشيء من الرقة والخوف والحرمان. هكذا نجد انه لقرن مضى ولآخر اطل علينا ولا زال معطف أكاكي اكاكيفيتش لم يبلى ... ولم تخلو رقعه الرثة من الانسانية التي عبأت بها على مر تلك الحقبة وكل الأزمنة المتعاقبة وهذا هو سر من أسرار وعظمة هده لقصة القصيرة جدا والتي تطلعت مع شدة قصرها الى عمق كل المجتمعات وكل العصور المتعاقبة.