الأحد 23 سبتمبر 2018
سياسة

من أمر بأن يشرك مع الله الوزير خالد الصمدي؟!

من أمر بأن يشرك مع الله الوزير خالد الصمدي؟! خالد الصمدي، كاتب الدولة المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي

من المنتظر أن تشهد مدينة الرباط هذا اليوم، الأربعاء 4 يوليوز 2018، اختتام أشغال ملتقى وطني وصف بالعلمي، وذلك بعد أن يكمل يومه الثالث من النقاشات وتفكيك المحاور المقترحة على طاولة محاضري النشاط. إنما وفي الحين الذي يبدو الإخبار عاديا إلى حدود آخر كلمة، أكيد سيأخذ مجرى الإستياء المستفز عند العلم بأن موضوع اللقاء يغرق كامله في التهليل لـمسؤول حكومي "حالي" عن قطاع التعليم العالي، اسمه خالد الصمدي، بل وتقديمه كما لو لم يتخط عتبات المدارس أحد قبله، أو الشخصية التي عقرت الجامعات فور إنجابه. الأمر الذي رفع أي حرج على كثير من المتتبعين حتى ينعتوا المناسبة بـ"المهزلة"، وآخرون بـ"مغبة التملق". أما الباحث الأكاديمي، إدريس الكنبوري، الذي تنشر جريدة "أنفاس بريس" موقفه الشخصي، فاختصرها في "عبث الفضائح"، وهو يشدد على أنها:

"فضيحة بكل المقاييس في مغرب 2018. نعم، وتتزامن مع الذكرى السابعة لدستور 2011 الذي أراد أن يدخل بنا إلى عهد الشفافية فإذا به يدخلنا إلى العبث.

ندوة كبرى تنظم في مدينة الرباط، ولمدة ثلاثة أيام، كل يوم فيه أريع جلسات، كل جلسة تقدم فيها أربعة أوراق"بحثية"، يعني ثمانية أوراق في اليوم، والنتيجة هي 32 ورقة "علمية" في ثلاثة أيام. محورها الوحيد الذي تدور عليه: الدكتور خالد الصمدي، كاتب الدولة المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي في حكومة الدكتور سعد الدين العثماني.

وهذه هي محاور الجلسات وعناوينها الضخمة:

ـ تطوير المناهج التربوية في فكر الدكتور خالد الصمدي

ـ الفكر القيمي عند الدكتور خالد الصمدي

ـ إصلاح التعليم العالي والبحث العلمي في فكر الدكتور خالد الصمدي

ـ إسهامات الدكتور خالد الصمدي في مجال العلوم الشرعية

ـ الفلسفة التربوية عند الدكتور خالد الصمدي.

وطبعا في كل محور جلستان، وفي كل جلسة أربعة أوراق وأربعة متدخلين. ويفتتح الندوة رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني شخصيا.

أعرف الدكتور خالد الصمدي وأقدره غاية التقدير، والتقينا في مناسبتين جميلتين وعرفت دماثة الخلق فيه، كيف لا وهو ابن مدينة القصر الكبير الجميلة التي أنجبت العلماء والزهاد وأهل الذوق؟.

ولكنني هنا أعاتبه كل العتب وبدون لف أو دوران. ما كان عليه أن يسمح بهذه الندوة التي لا طعم لها على الإطلاق، لأنها ليست احتفالا بعطاءاته ـ التي نحترمها على كل حال ـ بل احتفال بمنصبه في الحكومة. كانت الندوة ستكون أجمل لو كان خارج الحكومة ويتم الاحتفال به لقيمته الفكرية لا لمنصبه الوزاري، بل كنت سأسعد أنا أيضا بالمشاركة فيها لو وجهت إلي الدعوة. الجميع سيقول اليوم إن السي خالد استغل منصبه الحكومي للدعاية لنفسه، ودفع الآخرين للتطبيل له، ووضع تلك العناوين الضخمة التي تسيء إليه أكثر مما تخدمه بكل صدق. وحسب علمي، لم يغامر أي وزير أو كاتب دولة في أي حكومة سابقة، حتى تلك الحكومات التي كانت تقودها ما كنا نسميها أحزاب الإدارة في الثمانينات وبدايات التسعينات وكنا نسخر منها، لم يغامر أحد بالسماح بإقامة ندوة حول نفسه، وقد مر في الحكومات السابقة باحثون جادون وروائيون وشعراء. لقد كان على السي خالد أن يغلب تواضعه المعروف عنه، وأن ينزه نفسه عن هذه السقطة التي ستلاحقه طويلا.

ولكن الذنب ليس ذنب الدكتور خالد الصمدي، بل ذنب رئيس الحكومة السي العثماني. قبل أسابيع أقيمت ندوة بكلية الآداب بالرباط تكريما للدكتور عبد الله العروي، والعروي قيمة مغربية une Valeur بحرف V كبيرة، لكن العثماني لم يحضر ولم يلق كلمة، ولم يرسل رسالة لتتلى في الندوة في حال لو كان مشغولا. وقبل أيام توفي الدكتور إدريس الكتاني، وهو أحد رموز المغرب الثقافية، وطالما وظف حزب العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح هذا المفكر الراحل مرات كثيرة وفي معارك عدة، وأنا على ذلك من الشاهدين، ولكن السي العثماني لم يكلف نفسه عناء الحضور للعزاء أو الذهاب إلى المقبرة مع المشيعين، رغم أن بيت الدكتور الكتاني لا تفصله عن مقر رئاسة الحكومة سوى بضعة أمتار، بينما هو اليوم يسافر أكثر من 300 كيلومترا لإلقاء كلمة في ندوة حول وزير في حكومته، وعضو في حزبه، بل أكثر من ذلك يشارك في الندوة بصفته الحكومية لا بصفته الشخصية. فهل وصل هؤلاء إلى هذه الدرجة من عدم الثقة بالنفس لكي يستغلوا صفتهم الرسمية؟

إنه العبث بعينه في هذا المغرب الذي نريده للجميع، بينما يريده البعض لأنفسهم. وقديما قيل في المثل: خلا لك الجو فبيضي واصفري. وقصة المثل شبيهة بما يحصل اليوم. فقد ذهب الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد يوما إلى الصيد، ونصب فخاخه لمدة أيام لكن لم يصد ولو قبرة واحدة، فجمع أغراضه وفخاخه ورحل، ولكنه عندما غادر جاءت القبرات بكثرة إلى نفس المكان، فقال: خلا لك الجوي فبيضي واصفري. ثم صارت مثلا على من يجد الفراغ أمامه فيفعل ما يعن له.

ومرة أخرى أقول: ما كان عليك دكتور خالد الصمدي أن تسمح بأن يتم العبث بك.".