الأربعاء 19 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

جمال المحافظ :المجلس الوطني للصحافة واشكالية السلطة المرجعية في الديونطولوجيا

جمال المحافظ :المجلس الوطني للصحافة واشكالية السلطة المرجعية في الديونطولوجيا جمال المحافظ

يتوجه الصحفيون المهنيون وناشرو الصحف يوم الجمعة الثاني والعشرين من يونيو الجاري الى صناديق الاقتراع لانتخاب ممثليهم في أول مجلس وطني للصحافة، اعتبر احداثه يندرج في إطار تنزيل أحكام الفصل 28 من الدستور الذي ينص على أن السلطات العامة تشجع على تنظيم قطاع الصحافة بكيفية مستقلة وعلى أسس ديمقراطية، وعلى وضع القواعد القانونية والأخلاقية المتعلقة به.

ويتألف المجلس الوطني للصحافة من 21 عضوا منها 14 منتخبا، 7 منهم يمثلون فئة الصحفيين المهنيين و7 آخرين يمثلون فئة ناشري الصحف، في حين يتشكل الأعضاء الباقون ال7 أعضاء عن كل من المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، وجمعية هيئات المحامين بالمغرب، واتحاد كتاب المغرب، فضلا عن صحفي شرفي تعينه نقابة الصحفيين الأكثر تمثيلية، وناشر سابق تعينه هيأة الناشرين الأكثر تمثيلية، في الوقت الذي تعين الحكومة مندوبا عنها لديه، يعهد إليه بمهمة التنسيق بين المجلس والإدارة.

وكانت لجنة الإشراف على عملية انتخاب اعضاء المجلس المحددة مدة انتداب أعضائه في أربع 4 سنوات، قابلة للتجديد لمرة موالية واحدة، قد أعلنت الموافقة على الترشيح المقدم من لدن ثلاثة لوائح بالنسبة لفئة الصحفيين المهنيين، وهي لائحة " حرية، مهنية، نزاهة" وتمثل النقابة الوطنية للصحافة المغربية ووكيلها الصحفي حميد ساعدني نائب مديرة الاخبار بالقناة الثانية، ولائحتين مستقلتين،هما لائحة " التغيير" يرأسها الصحفي علي بوزردة، المدير العام السابق لوكالة المغرب العربي للأنباء ولائحة " الوفاء والمسؤولية” ووكيلها الكاتب الصحفي عبد الصمد بنشريف مدير قناة الاخبارية المغربية. كما وافقت اللجنة على ستة عشر ترشيحا لفئة " الباطرونا" ناشري الصحف، واستبعدت ترشيحات اخرى بنفس الفئة بدعوى عدم توفرها على الشروط المطلوبة.

ليس الهدف هنا استعراض مجمل مهام وادوار المجلس الوطني للصحافة المعلنة أو المضمرة، وان كانت تتمحور حول منطوق القانون المحدث للمجلس حول التنظيم الذاتي لقطاع الصحافة والنشر،وانما سنقتصر على تحليل اشكالات الصحافة والاعلام ارتباطا بالشرط الاخلاقي الدينطولوجي، وفق مقتضيات المادة الأولى من القانون التي تنص على انه يعهد الى المجلس بالحرص على صيانة المبادئ التي يقوم عليها شرف مهنة الصحافة وعلى تقيد الصحفيين المهنيين والمؤسسات الصحافية بميثاق أخلاقيات المهنة والقوانين والانظمة المرتبطة بمزاولتها.

فالمشرع وإن كان قد أناط بالمجلس الوطني للصحافة، اختصاصات واسعة في مجال أخلاقيات الصحافة منها وضع ميثاق لأخلاقيات المهنة، ووضع الانظمة الضرورية التي تضمن ممارسة الصحافة، واحترام قواعدها واخلاقياتها والسهر على احترام المهنيين لها، فان الالتزام التطوعي بالمبادئ الاخلاقية، يظل ناتجا عن قناعة وليس بإملاء القانون وهو السبيل الأنجع لتستعيد الصحافة مكانتها.

وإذا كانت العلاقة بين المنظومة الإعلامية ومنظومة القيم الاجتماعية والاخلاقية علاقة متداخلة، فإن أخلاقيات مهنة الصحافة تتباين في تفاصيلها من بيئة إعلامية إلى أخرى ومن مؤسسة إعلامية إلى أخرى، فضلا عن ارتباطها بواقع الممارسة الصحفية التي لا تحكمهاوتتحكم فيها فقط القوانين والتشريعات المعمول بها، مما يجعل الاتجاه الغالب في التجارب الديمقراطية الدوليةـ، يعهد فيها للصحافيين المهنيين بوضع مواثيقالاخلاقيات المهنة، تنص على عدد من المبادئ في مجال الحقوق والواجبات منها ضمان حرية الإعلام، والالتزام بقواعد الموضوعية والحياد والنزاهة والمسؤولية تجاه الرأي العام واحترام الحياة الخاصة للأفراد، والحفاظ على السر المهني، وتجنب الاثارة واعتماد قرينة البراءة.

ورغم ذلك تطرح بعض التخوفات منها أن تقييد ممارسة الصحافة، بإحداث اطار أوهيئة تتوفر على سلطة المنع من ممارسة حقالتعبير بواسطة الصحافةوالنظر في القضايا التأديبية التي تهم المؤسسات الصحفية والصحفيين المهنيين الذين أخلوا بواجباتهم المهنية، يمكن أن توظف لتحقيق أهداف ذات طبيعة سياسية، وهو ما يمكن أن يجعل هذه الهيئة تحيد عن مهامهالتطوير حرية الصحافة والنشر.

وإذا فقدت الصحافة مبادئها الأخلاقية، فتكون قد تخلت عن قِيمها، ومصداقيّتها وسبب وجودها. وهنا نتساءل، مع ايدين وايت الامين العام للفيدرالية الدولية للصحفيين لمدة 24 سنة، كيف يمكن وقاية الصحافة إذًا ؟ الجواب يتمثل في أن تعديل الأخلاقيات المهنية للصحافة بسنّ القوانين، قد تؤدّي إلى التعرّض لمخاطر الرقابة. وهو يجعلالالتزام التطوّعي بالمبادئ الأخلاقية، يظل السبيل الأفضل لتستعيد الصحافة مكانتها كما ذكرنا سابقا.

ومع ذلك فان النضال من أجل توسيع هوامش حرية الصحافة، لايعني بالضرورة إغفال الإشكاليات التي يثيرها موضوع أخلاقيات مهنة الصحافة، في ظل التباين الحاصل بشأنه، ليس فقط داخل الوسط الصحفي، ولكن بالنسبة لكافة مكونات المجتمع، من دولة وهيئات سياسية، ونقابية،ومجتمع مدني، ورأي عام، وهو ما يقتضى ربطا جدليا بين حرية التعبير وأخلاقيات المهنة، حتى لا يلغى طرفا الطرف الآخر.

وعلى الرغم من كون التحضيرات المتعلقة بانتخاب المجلس، لم تعرف حسب العديد من المهنيين والمهتمين، نقاشا واسعا داخل الوسط الصحفي، فانه يجدر التساؤل حول مدى امكانية أن تشكل مرحلة ما بعد 22 يونيو 2018 محطة تأسيسية في مسار التنظيم الذاتيلقطاع الصحافة،وتعزيز استقلالية الصحافي والمقاولة الصحافية، ويترجم بذلك الاختصاصات المخولة للمجلس الذى يتعين ان تحول الى سلطة مرجعية حقيقية تتملك القدرة والأدوات الكفيلة بالتدخل لإقرار احترام أخلاقيات المهنة والارتقاء بها واحترامها، وهو الأمر الذى يتطلباستلهام تجارب الدول الديمقراطية في هذا المجال، لمعالجة قضايا الصحافيين انطلاقا من تعهدات والتزامات يعملون بأنفسهم على احترامها، دون إتاحة الفرصة لأطراف أخرى خارج المهنة لتبرير توجهات تتناقض مع مبادئ حرية التعبير.

جمال المحافظ، كاتب صحفي باحث في الاعلام والاتصال