الأحد 23 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

عبد القادر زاوي: المغرب وتساؤلات الخارج..

عبد القادر زاوي: المغرب وتساؤلات الخارج.. عبد القادر زاوي

ماذا يجري في المغرب ؟ إلى أين تتجه بوصلة البلاد ؟

سؤال يبادرك به كثيرون في الخارج من العرب والأجانب الذين أبدوا على الدوام نوعا من المحبة للبلد ولأهله وقيادته، وكثيرا من التقدير لسياساته الداخلية والخارجية، التي اتسمت في معظمها حسب تقييمهم بالاعتدال وبالبحث عن الحلول الوسط.

وقبل أن تهم بالإجابة يحاصرك سيل آخر من التساؤلات التي تبين بأن معظم السائلين على إلمام كبير بما يدور في المغرب، يتابعون بدقة مجريات أحداثه الداخلية، ويرصدون عن كثب تحركاته الخارجية على الصعيدين الإقليمي والدولي على حد سواء.

تختلف الأسئلة وتتقاطع، ولكنها تلتقي جميعا عند إبداء الاستغراب من كيفية فقدان المغرب تدريجيا لروح المبادرة، وانزلاق الأمور فيه بعيدا عن الاستقرار الذي ميزه، وجعله يبدو في الكثير من اللحظات الفارقة منارة ونموذجا في فضاء عربي يتسم منذ أزيد من عقد من الزمن بالاضطراب في معالجة مشاكل الحاضر، وبالقتامة في تخطيط آفاق المستقبل.

1- تنصب الأسئلة الداخلية أساسا على ماهية السيناريوهات الممكنة أو المحتملة للتعامل مع قضايا داخلية لاشك أنها ذات طبيعة اجتماعية في تمظهراتها، ولكن أبعادها أعمق من ذلك بكثير، لأنها تبدو جليا كتعبير أو انعكاس لمواقف سياسية تهم سير المؤسسات وتوزيع الاختصاصات. وأهم تلك القضايا التي تطرح:

*الاحتقان المتزايد والممتد في شكل حراكات جهوية ونقابية وجد بعضها ( حراك الريف، إضرابات جرادة وأوطاط الحاج واعتصامات العطش بزاكورة ) صدى مدويا في العديد من المحافل الدولية، ولا سيما الأوروبية.

*المقاطعة الشعبية لثلاث علامات تجارية كبرى جرى اعتبار نشاطها في السوق نموذجا سلبيا لما اصطلح على تسميته بزواج السلطة والمال، الذي يبحث عن الربح فقط بعيدا عن أي اعتبارات أخرى، حتى ولو كانت من طبيعة اجتماعية مطلوبة.

يستدرك معظم المتسائلين بأنهم لا ينتظرون أجوبة قاطعة، وإنما آراء وتحليلات شخصية إدراكا منهم بأن السلطة في المغرب نفسها ليست لديها أجوبة حاسمة، وإلا لماذا تلوذ بالصمت لحد الآن، ولا تبدي أي تحرك جدي لاحتواء هذا الاحتقانات الاجتماعية باستثناء المقاربة الأمنية، فضلا عن تأرجح المواقف الحكومية بين النقيض والنقيض من الإدانة إلى محاولات الاسترضاء، ولكن بأساليب إنشائية وعاطفية عفا عليها الزمن.

 وعلى غير العادة لا يركز هؤلاء المحاورون في حديثهم وفي تساؤلاتهم التي كانوا يقاطعون بها شرحي على قضايا حقوق الإنسان وحرية التعبير، وإنما بدوا أكثر تركيزا على أسباب المقاطعة والدوافع إليها، وخاصة عما إذا كان قرار مقاطعة منتجات شركة "سنترال دانون" بخلفية سياسية ورسالة تعبير عن سخط فئة ما عما قد يعتقدونه جديدا في سياسات الدولة الفرنسية إزاء المغرب.

يبدي بعضهم اطمئنانا نسبيا حين تؤكد له على أن المقاطعة لا تستهدف الاستثمارات الفرنسية، التي هي موضع ترحيب بالمغرب بدليل أن أحدا لم يثر موضوع مقاطعة كبريات الشركات مثل طوطال ورونو، وعلى أن الشركات التي تجري مقاطعتها اختيرت باعتبارها صاحبة أكبر حصة من السوق في المجال الذي تنشط فيها، وعدت بذلك شركات محتكرة ومستفيدة من تواجد أصحابها في موقع القرار.

ومع ذلك يعود هذا البعض للتساؤل غير المباشر من خلال استعراض ما يراوده من أفكار ترى، كما يقول، بأن المقاطعة أكبر من تذمر من غلاء المعيشة وجشع التجار، وإنما قد تكون رد فعل يدين من جهة خططا اقتصادية وأوراشا إنمائية حققت نسب نمو محترمة، ولكنها لم تحقق التنمية المنشودة، فهي خلقت ثروة لم يصل حتى رذاذ ثمارها لكافة الفئات الاجتماعية. كما يدين من جهة أخرى ممارسات سياسية تراكمت مع المدة فأحبطت كل الآمال التي عقدت سنة 2011 على الدستور الجديد، الذي يجري تدريجيا إفراغه من محتواه.

كان مربط الفرس لدى أحدهم أن يصل إلى مناقشة الدستور والغوص بعض الشيء في مقتضياته. وفي تقديره أن التوسع في فصول هذا الدستور وأبوابه أفقده من الناحية الشكلية القيمة السامية التي يجب أن يتحلى بها كوثيقة مرجعية وعقد اجتماعي جديد لمغرب ما بعد الربيع العربي.

وفي شرحه لهذا التوسع كان حريصا على التذكير بكثرة المؤسسات والمجالس التي استحدثها الدستور، ولم يحسم بما يكفي في اختصاصاتها، بل أحيانا ما تعمد تضمين نوع من الغموض حول تلك الاختصاصات ؛ الأمر الذي جعل عددا من هذه المجالس والمؤسسات تبدو شكلية، وتمثل عبئا على الدولة.

اكتفيت في معرض الرد عليه بالإشارة إلى أن دستور 2011 في رأيي هو دستور إطفاء وليس دستور بناء. أطفأ جذوة حراك، وامتص شحنات الغضب التي تولدت آنذاك، ولكنه لم يضع لبنات صلبة لإمكانية بناء عقد اجتماعي جديد. وقد جاءت مضامين عدد من القوانين التنظيمية لبعض مقتضياته لتجهز على ما تبقى من آمال فيه. ويكفي كمثال على ذلك القانون التنظيمي للجهات، الذي منح للمواطنين حق الاختيار المباشر لممثليهم، من دون أن تكون لديهم الكلمة النهائية في اختيار رئيس الجهة، الذي ترك للمناورات والمساومات بين الأعضاء.

وفي سياق هذه المعطيات الدستورية التي سبق وأن أنتجت إثر انتخابات سنة 2016 ما سمي بـ"البلوكاج السياسي"، الذي عاشت معه البلاد لمدة أزيد من ستة أشهر في ظل حكومة تصريف أعمال، والذي لم يحسم إلا بعد أن تم تغيير المكلف بتشكيل الحكومة، من الطبيعي أن يجري النظر للمقاطعة الاقتصادية الراهنة على أنها دليل استفحال أزمة للثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وأنها صرخة مجتمع يرفض أن تدار أموره بطرق تقليدية وفي كواليس المساومات السياسية بعيدا عن مراقبته ومشاركته، لكأن الناس لها فقط حق الانتخاب، ولم يصل نضجها السياسي بعد إلى مستوى حق التقرير.

ولذلك، فإن الخسارة من عملية المقاطعة ليست تجارية واقتصادية بحتة، وأن الخاسر منها ليست هي الشركات الثلاث المستهدفة فحسب، وإنما خسرت معها كل المؤسسات الوسيطة بين الدولة والمواطن مصداقيتها واتضحت ضحالتها سواء أكانت مجالس برلمانية وجهوية ومحلية أو أحزاب سياسية ومنظمات نقابية. بل حتى الإعلام في قوالبه التقليدية المرئية والمسموعة والمقروءة انكشف أمام الرأي العام، وظهر متجاوزا ومقصرا في تغطية الحدث، مفسحا المجال أمام وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة التي بدت خير مؤطر للحملة وناقل لأخبارها.

2- أما الأسئلة المتصلة بالسياسة الخارجية فقد اقتصرت كلها على الأبعاد الرئيسية المعتادة في التحركات المغربية وذات الصلة بقضايا البلاد الاستراتيجية والمصيرية، وهي:

أ/ بدأ الحديث بنوع من التقدير للتوجهات الإفريقية في السياسة الخارجية المغربية التي أحدثت بالانضمام إلى الاتحاد الإفريقي قطيعة مع سياسة المقعد الفارغ، وتمكنت بذلك التواجد من لجم الكثير من المناورات وإفراغ العديد من المؤسسات والقرارات من محتواها المناهض للمغرب، رغم أنها لم تستطع لحد الآن طرد أو تجميد عضوية "جمهورية المخيمات" في هذا الاتحاد.

شمل الثناء أيضا المبادرات ذات الطابع التضامني التي قام بها المغرب في العديد من دول القارة، وكذا روح المغامرة الاستثمارية في بعض المجالات وبعض الجهات حتى تلك التي تفتقد للاستقرار الأمني الكامل والمنشود عادة من طرف المستثمرين.

غير أن  حديث بعضهم عن هذا التوجه الإفريقي لم يخل من ملاحظات جاءت في شكل تساؤلات دارت أغلبها في إطار الإقليم الذي ينتمي إليه المغرب، وذلك كما يلي:

* التساؤل عن أسباب برودة العلاقات مع موريتانيا، وعدم التحمس لمشاريع مشتركة معها رغم أهمية ما تمثله كحلقة وصل في التواصل الجغرافي مع بلدان القارة جنوب الصحراء بشكل يضفي مصداقية أكبر على عملية ترسيخ البعد الإفريقي للدبلوماسية المغربية.

* ما هي الحكمة من الإصرار على دعوة الجزائر إلى الانخراط في مسلسل إيجاد تسوية سياسية لمشكل الصحراء المغربية، مع أن الجزائر هي أول من اصطنع هذا المشكل وهي المستمرة في تغذية عوامل التوتر فيه. فهل يعتقد المغرب بأن الجزائر بعد كل ما استثمرته ستأتي لتعترف بخطإ ما اقترفته ؟

* لماذا لم تبدأ مسطرة الرغبة في الالتحاق بالمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا CEDEAO بشكل تدرجي من خلال ابتكار صيغة للتقارب على شكل شراكة تجارية أو منطقة تجارة حرة أو عضوية مراقب وغيرها، وليس مباشرة بطلب العضوية الكاملة الذي أثار حساسيات لم يكن لها أي داع داخل المجموعة نفسها وفي محيطها الجغرافي المتوجس من كل تحرك مغربي.

ب/ صبت أكثر التساؤلات عن السياسة العربية للمغرب، التي توارت كثيرا، ولم تعد بالزخم المعهود فيها. كنت أعتقد أن هذه التساؤلات ستتمحور حول علاقة المغرب بالصراع في الشرق الأوسط وفي الجوهر منه القضية الفلسطينية، فإذا بها تلامس العديد من المجالات، عاكسة نوعا من الانتقادات وبعضا من التمنيات.

لم يكن الرد صعبا حول ما يتعلق بانعدام المبادرة في عملية السلام في الشرق الأوسط بالإشارة إلى أن السياسة الإسرائيلية ومن ورائها رعونة الإدارة الأمريكية قد أوصدت الباب أمام كل الحلول السلمية الممكنة على ضوء قرارات الشرعية الدولية، ولم يعد هنالك مجال للأخذ والعطاء من أي طرف عربي كان إلا إذا كانت أطروحاته للمزايدة بحثا عن مآرب أخرى. ولا يمكن تصنيف المغرب في هذه الخانة.

ورغم ذلك سيكون من باب الجحود تجاهل ما يقوم به المغرب من جهود، صحيح أنها متواضعة ولكنها ذات مدلول، في الحفاظ على ما تبقى من عروبة مدينة القدس الشريف، ودعم ساكنتها في البقاء في ممتلكاتهم وعدم الخضوع للإغراءات أو التهديدات لإفراغها؛ وذلك من خلال ترؤسه لجنة القدس، ومساهماته القيمة في بيت مال القدس الشريف المنبثق عنها.

كان محاوري الخبير في قضايا منطقة الخليج تواقا للانتقال إلى مناقشة الأحداث هناك، ومعرفة موقف المغرب من العديد منها، خاصة وأنه على اطلاع كبير بعمق العلاقات المغربية الخليجية وتشعبها، ويدرك جيدا طبيعة الحساسيات التي تعتري هذه العلاقات بين الفينة والأخرى. ولذلك جاءت تساؤلاته ذكية ودقيقة ممزوجة ببعض الخبث الذي لا بد منه في مثل هذه الحالات.

* استهل تلك التساؤلات بما هو الموقف العملي حاليا للمغرب من التحالف العربي ضمن عاصفة الحزم، هل ما يزال عنصرا فعالا في الميدان  أم أصبح مجرد حليف في المنتديات الدبلوماسية الدولية المعنية بقضية اليمن؟

* عرج سريعا بإبداء الاستغراب من إحجام المغرب لحد الآن على الانفتاح على العراق الجديد، مضيفا بأنه رغم ضبابية الموقف، فإن ما ينبغي تشجيعه في بغداد هو اتجاه أغلب الفرقاء نحو نبذ العنف كوسيلة للوصول إلى السلطة أو الدفاع عن المصالح، والتعويل أكثر على الأدوات السياسية ولا سيما العملية الانتخابية، التي أحدثت مؤخرا شرخا داخل المكون الشيعي الأغلبي في البلاد.

إن خط الاعتدال الشيعي في العراق، يقول محاوري، يستحق تشجيع كافة الدول العربية، خاصة مراجع التقليد من أصول عربية بغية إحداث نوع التوازن ولو هش مع طغيان نظرية ولاية الفقيه. كما أن من الممكن أن يكون الانفتاح على بلاد الرافدين ذا فوائد اقتصادية وتجارية جمة، سيما وأن مرحلة إعمار كبيرة يتم التخطيط لها.

* ختم بما أسماه "مرحلة فتور مستتر" تبدو واضحة في العلاقات التقليدية المغربية الإماراتية والمغربية السعودية، حيث لم نعد نسمع لا عن مساعدات ولا عن استثمارات، وإنما عن مناكفات أكثرها بروزا من الناحية الإعلامية التصويت حول استضافة كأس العالم سنة 2026.

حاولت أن أثبت لمحاوري أن المغرب لا يخلط بين المواقف في القضايا السياسية المصيرية وبين غيرها من القضايا الرياضية والثقافية بل وحتى الاقتصادية والتجارية، مؤكدا على أن المغرب ربما يكون قد أخطأ في التمهيد لعرضه الوساطة في أزمة البيت الخليجي بين قطر من جهة وكل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة أخرى؛ ولكنه ما كان ليتخلى عن موقف متوازن من هذه الأزمة لأن سياسته العربية لم تكن في يوم من الأيام انتهازية تبحث عن الربح من كافة الأطراف، وإنما ظلت في أسوإ الظروف مبدئية تقوم على لم الشمل ما أمكن وحصر عوامل الجفاء بدل توسيعها.

هل تفهم ذلك ؟ هل استوعبه ؟ لا أدري. فما استخلصته هو أن أحداث المغرب تحت المجهر وفي صلب اهتمام عربي وأجنبي كبير . وما لم تعالج بنجاعة وبأساليب حضارية ذات طبيعة ديمقراطية تشاركية، فإن كثيرين تواقون لحشر أنوفهم فيها.