الأحد 18 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

 محمد حمزة: الإصلاحات الديمقراطية ومجتمع العلم والمواطنة

 محمد حمزة: الإصلاحات الديمقراطية ومجتمع العلم والمواطنة محمد حمزة، أستاد التعليم العالي بكلية العلوم ابن امسيك

القرن الماضي كان بحق قرن "النهضة" على جميع الأصعدة. علميا جل المفاهيم التي تساعد على رسم الكون أعيد تعريفها كالفضاء، المادة، الزمن، والحتمية....

العلم و الديمقراطية ازدادا توأمين أكثر من عشرين قرنا لتحرير الإنسانية من خوف الآلهة، "ديمقري" و"ليكريس" استغاثا بالذرات الأبدية.

يبقى غليلي رمز البحث الغير القابل للترويض عن الحقيقة العلمية بتجرئه بالقول مع "كوبرنيك" و "كبلر" بأن الشمس بدل الأرض هي مركز للكون، ضاحدا بذلك "فيزياء" أرسطو وسيجد نفسه في مواجهة الكنيسة و محاكم التفتيش التي أحرقت "جيردانو برينو" حيا .

و على خطى غليلي، فإن المعركة من أجل حرية النقاش العلمي هي التي صنعت العلم الحديث. و كان لابد من "هارفي" و باسكال" و "نيوتن" و ما ينعتوا بالتجربيين لتكتشف الإنسانية كيف تسائل الطبيعة و فهم صياغة الأسئلة، لإيجاد الأجوبة المؤقتة بدل التأملات أو الإيحالة على "السلط".

العلم و الديمقراطية ازدادا توأمين و تقدما جنبا لجنب. العلم في حاجة حيوية للحرية لأنها هي الماهية نفسها لمعرفة إعادة النظر في يقينياته و تقويم طرق اشتغاله. والديمقراطية المعاصرة في حاجة أيضا للعلم لأن هذا الأخير هو التعبير الأكثر قوة و الأكثر سخاء لروح الإنسانية و يتأسس على المساواة التامة أمام الحقيقة، و يتجاهل الحدود اللغوية و الجنسية و الدينية بين الدول، و يستبعد الغش و المساومات. العلم مدرسة للصرامة و الصدق و التسامح.

الديمقراطية محتاجة للعلم لأنه قوي و فعال. و هما معا يشكلان البناء الأنبل لإنسانية تائهة داخل هذا الكون الشاسع. فإذا كان العلم عقلنة للنشاط الذهني الإنساني و اكتشافا للواقع القائم و ظواهره كموضوع، فإنه يؤسس لواقع ممكن و محتمل، أي البحث عن حقيقة نسبية.

العلماء يتحاشون الحديث عن الحقيقة لأنها مشحونة بالأوهام. فالأساسي ليس أن يكون خطابنا حقيقة بل أن يكون منسجما و صادقا و أصيلا.

العلم معرفة إنسانية تنمو باستمرار، ساهمت في تكوينها كل الأجناس و كل الشعوب، الآشوريون و البابليون ( الكتابة )، المصريون القدامى ( العمران و الطب )، الإغريق (الفلسفة و الرياضيات ). الرومان ( الزراعة و الفنون و الهندسة )، المسلمون في المشرق و الغرب الإسلامي ( الفلك، الرياضيات الطب، الملاحة)، الغرب ( الميكانيك، الكهرباء، الفنون، العلوم الاجتماعية، الثورة الصناعية، الثورة المعلوماتية )، و ارتبط تطور العلم بتطور الحضارات و تطور المدنية .

الدولة المدنية تأسست على مركزية العلم الذي أصبح سلطة تساهم إلى جانب السلط الأخرى في توجيه المجتمع لأن المجتمعات الحداثية فيها استقلالية نسبية للحقول و الوظائف،  أما المجتمعات ما قبل الحداثة فالتراتبية فيها شرعية و المجتمعات القرسطية وظيفتها زبونية .

إن انتقال مجتمعنا إلى مجتمع العلم و المواطنة يتطلب إسقاط منظومة القيم السائدة : النزوح نحو الرأي الوحيد، الاحتراز من الاختلاف، سمو الجماعة على الفرد، سيادة مفهوم الرعية، احتقار العمل , تبدير الزمن، تبدير المال العام و الخاص، توسيع فضاء المقدس، سيادة العلاقة النفعية،  قهر المراة و الطفل،  تهميش الأقليات، سيادة الفعل الموسمي و استراتيجيات الساعة ..... و مع منظومة القيم هاته، تبقى المحددات الثقافية الإيديولوجية هي أساس العلاقة مع الآخر. أما قيم المواطنة، فتقتضي أن تكون المصلحة الموضوعية هي أساس العلاقة مع الآخر. و المنشود هو احترام الاختلاف، و مسؤولية المواطن الفرد، و تثمين العمل كقيمة محررة، وصيانة الزمن كرأسمال، و تقليص فضاء المقدس، و التدبير العقلاني للمال، و سيادة رابطة القانون، و المساواة بين الرجل و المرأة، و ضمان حقوق الطفل، و صيانة حقوق الأقليات، و تدبير و برمجة الفعل ....

المواطنة إذن انتماء فكري و قانوني إلى الدولة و ليس انتماءا عرقيا أو دينيا. و الدولة الحداثية العصرية ترى في المواطنين أعضاء متساوين يتمتعون جميعا بحقوق الإنسان بما في ذلك الحقوق الطبيعية، المدنية، السياسية و الاقتصادية تضمنها لهم الدولة .

دخول عصر الحداثة رهين بنشر الثقافة العلمية من خلال إصلاح النظام التعليمي، وتصبح التنمية بهذا المعنى ممكنة لما يصبح العلم ثقافة .

إن تأصيل " روح المواطنة " يمكن أن يعد ضمن الاعتبارات القيمية في تكوين الشباب الجامعي و يعني تأكيد حق الوطن في كل ما يتعلق برؤية الفرد و جهوده لتحقيق ذاته و مكانته، و نظرا للبعد القيمي الكامن في كل من " الكفاية " و" المواطنة " تتضح مسؤولية الجامعة في تنمية قيم المواطنة و التفوق العلمي .

يعد مفهوم " المواطنة " بمثابة المدخل الحقيقي لفهم ماهية الديمقراطية و يكفيه ممارستها، و في الوقت نفسه فإن التربية من أجل الديمقراطية لابد أن تستند على مفهوم واضح للمواطنة و الديمقراطية السياسية تعد مدخلا رئيسيا لمجتمع العلم و المواطنة.

إن حركة 20 فبراير كحركة احتجاجية مواطنة أكدت و بحق على إلغاء الميثاق الوطني للتربية و التعليم و البرنامج الاستعجالي المفتون بالنزعة التجارية و المقاولاتية.

فالمطلوب هو إصلاح شمولي للقضاء على الزبونية بكل أشكالها أي ربط إصلاح التعليم بإصلاح النظام السياسي المغربي لإرساء علائق اجتماعية خاضعة لرابطة القانون. إصلاح يشجع الكفاءة و الابتكار و ينمي الثروة الوطنية، و يقر بتساوي الفرص و يستحضر التوافق الوطني المنتج و التصور الوطني الحديث المتمركز على الإنسان و على سيادة العلم و المعرفة.

إصلاح يربط الشكل بالمضمون على الصعيد التربوي و الهدف بالوسائل على صعيد التكوين و الدمقرطة و الفعالية على صعيد البنيات.

إن دمقرطة التعليم تعد شرطا لإرساء نظام تربوي قادر على تأطير الموارد البشرية و تنميتها، للفعل إيجابا من مواقع مختلفة في تطوير المواطنة و التنمية