الأحد 23 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

عبد القادر زاوي: في العالم العربي العنف سيد الموقف

عبد القادر زاوي: في العالم العربي العنف سيد الموقف عبد القادر زاوي

بعد أزيد من سبع سنوات على اندلاع ثورات الربيع العربي واحتجاجاته، ورغم كل المجهودات المحلية والإقليمية والدولية التي سعت إلى وأد الحراكات الشعبية وإخماد جذوتها، ما تزال الشعلة متقدة تغذي الصراعات، وتفجر التناقضات بشكل أصبحت معه التوترات هي سيدة الموقف في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، منذرة بالمزيد من استشراء العنف والاقتتال في ظل غياب شامل لأصوات العقلانية والتسامح، وتهميش مقصود لكل قوى الاعتدال والحلول التوافقية؛ الأمر الذي يجعل السلام والاستقرار المنشودين مجرد سراب بعيد المنال.

ولا تلوح في الأفق أية بوادر لكسر الحلقة المفرغة من العنف والعنف المضاد التي امتدت نيرانها من بؤر معينة محدودة لتغدو شبه عامة ولو بشكل خافت في بعض الساحات؛ وذلك بسبب تضاؤل إن لم نقل تآكل هوامش المناورة لدى الأنظمة الحاكمة التي بات عليها الإفصاح عن حقيقة مواقفها دون تلميع سواء على المستوى الداخلي مع القوى المناوئة لها أو في العلاقات البينية مع غيرها من الأنظمة القائمة في المنطقة.

وما يزيد الطين بلة هو أن القوى الدولية الكبرى، القادرة إن رغبت في فرض نوع من الاستقرار عبر بعض التسويات السياسية، تبدو غير معنية بالبحث عن حلول عادلة ودائمة للمشاكل والأزمات. ومن خلال تحليل دقيق للتصرفات السياسية والتدخلات العسكرية لهذه القوى في العديد من بؤر التوتر الساخنة والملتهبة في المنطقة يمكن الجزم بأنها تسعى أكثر إلى ترسيخ أجواء الاضطراب والفوضى وتوسيع أرجائها ما أمكن، مع العمل على ضبط تطوراتها حتى تظل تحت السيطرة، ويمكن التأثير فيها وقيادتها نحو تحقيق مصالح هذه القوة الكبرى أو تلك.

ورغم اختلاف الأساليب المستخدمة من القوى الكبرى نتيجة تباين الأهداف من وراء تحركاتها، فإنها تبدو متفقة دون الإعلان عن ذلك على استراتيجية موحدة تتمثل في إبقاء أزمات المنطقة قائمة من دون أن تصل إلى وضع الانفجار الشامل، والعمل على تدبير تطوراتها سلبا أو إيجابا حسب الحالات والمستجدات أملا في إضفاء نوع من التوازن على تواجدها وبين مصالحها حتى لا تصطدم مباشرة، وسعيا بكل تأكيد إلى المزيد من استنزاف أرصدة الأنظمة الغنية واستغلال مواردها، وإغراق البعض الآخر في دوامة القروض حتى ترهن سياساتها أينما كان ذلك ممكنا.

والأرجح في سياق كهذا أن تكثر المناوشات وتتشنج المواقف وتوصد أي أبواب أمل في المصالحة والسلام؛ بل من الممكن أن تخرج بعض التوترات عن نطاقها فتتحول إلى صدامات مسلحة في ظل سباق محموم للتسلح وتكديس الأسلحة على الصعيد الإقليمي، وفي ظل تراجعات مخيفة لهوامش الحرية المحدودة أصلا على الصعيد الداخلي لكل دولة على حدة، حيث لم تعد بعض الأنظمة تستسيغ أي صوت معارض مهما كان معتدلا.

ولذلك لن يكون مستغربا إذا ما استمرت حالة التوتر والاحتقان في ربوع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. والمنتظر أن تزداد استفحالا مع مرور الوقت، وبروز مشاكل اقتصادية واجتماعية طاحنة. إن نظرة على تطورات ومستجدات العديد من الساحات الملتهبة أو الساخنة تؤكد ما سبق :

- في سوريا تبدو الحرب الأهلية المستعرة منذ أزيد من ست سنوات وكأنها قدر محتوم، تنتقل من جهة لأخرى. فما إن يتم إخماد بؤرة بقوة السلاح أو بالمصالحة كما حصل مؤخرا في الغوطة الشرقية لدمشق وعدد من ضواحيها حتى انفجرت بؤر أخرى أخطرها الآن لارتباطها بمعطيات جيواستراتيجية إقليمية هي جبهة الجنوب الممتدة بين درعا والقنيطرة على سفوح هضبة الجولان، التي تبدي السلطة المركزية في دمشق إصرارا كبيرا على بسط سيطرتها عليها، فيما تحشد الفصائل المعارضة، ولا سيما جبهة النصرة كافة قواها لمنع أي اختراق رسمي في المنطقة، ناهيك عن تلويح إسرائيل باستخدام القوة الكاسحة إن تحولت تلك المنطقة إلى خطر يتهدد أمنها.

وإذا أضفنا إلى ذلك أن منطقة شرق نهر الفرات لا تزال عصية على النظام، ويجري فيها بناء أسس كيان كردي مستقل تحت قيادة ما يسمى قوات سوريا الديمقراطية وبدعم أمريكي آخذ في التوسع تحت ذريعة التحسب لأي عودة محتملة لداعش، وللإبقاء على أوراق مؤثرة في رسم مستقبل سوريا؛ وأن منطقة إدلب في أقصى الشمال الغربي لسوريا ما تزال خاضعة لنفوذ ميليشيات مرتبطة بتركيا، سيتضح أن استقرار الوضع السوري يبقى لحد الآن مجرد حلم بعيد المنال، بل إنه مرشح للاشتعال أكثر إذا ما تواصل الاحتكاك الإيراني الإسرائيلي المباشر، وإذا ما استمرت التعثرات التي تشهدها عمليات التفاوض المتنقلة دون جدوى بين عاصمة كازاخستان وجنيف مرورا بسوتشي الروسية.

- على غرار ما يجري في سوريا تتأرجح الأزمة اليمنية بين واقع يتسم بتزايد حدة الصراع وتشعبه وبتصعيد عسكري غير مسبوق؛ وبين محاولات إيجاد تسوية سياسية لا تزال خجولة تقودها الأمم المتحدة بواسطة مبعوث لأمينها العام تغير ثلاث مرات دون أن يتمكن من تحقيق أي اختراق يذكر. أكثر من ذلك فإن الأزمة تحولت إلى صراع اقليمي لا يقل ضراوة عن مثيله في سوريا، إن لم يكن أشد بسبب الحدود المشتركة لليمن أو التداخل الكبير له مع فاعلين أساسيين في أزمته وهم: السعودية والإمارات العربية المتحدة من جهة وإيران وحلفائها في ميليشيات حزب الله اللبناني من جهة أخرى. ولعل ما يغلب توجه هذه الأزمة هي الأخرى لمزيد من التفاقم هو بروز صراعات فرعية في قلب معسكريها الرئيسيين وذلك كما يلي :

+ جاء اغتيال الرئيس السابق علي عبد الله صالح على يد الميليشيات الحوثية لينهي تحالفا بين الطرفين استمر  أزيد من ثلاث سنوات منذ اندلاع عاصفة الحزم، وليعلن عن بدء فصل جديد من الاقتتال والثأر بين الطرفين؛ الأمر الذي ستكون له لا محالة انعكاسات سلبية على الأوضاع الميدانية للحوثيين في أكثر من منطقة بما في ذلك العاصمة صنعاء، وخاصة إذا ما انضم أنصار الرئيس السابق إلى الحكومة الشرعية وتعاونوا مع قوات التحالف العربي.

+ رغم اعتراف وتقدير الحكومة اليمنية الشرعية بأهمية التضحيات التي تبذلها قوات التحالف العربي بقيادة السعودية، فإن ذلك لم يمنع حصول احتكاكات ومناوشات معها، سيما مع القوات الإماراتية كما وقع في جزيرة سقطرى وفي ضواحي مدينة عدن. ورغم احتواء تلك المناوشات، فإنها أحيت لدى قوى يمنية عديدة مخاوف من مناورات قد تكون جارية لتقسيم البلاد ثانية وشرذمتها إلى إمارات لطوائف متناحرة كل واحدة منها تحت نفوذ قوة إقليمية ما.

ولا شك أن استمرار هذه الهواجس وما تختزنه الذاكرة الجماعية من ثارات يبقي الأيادي على الزناد لدى الجميع، خاصة في بلد ظل أهله يعتبرون السلاح زينة الرجال؛ الأمر الذي سيعيق كثيرا أي محاولة للوصول إلى تسوية سياسية تستوعب الجميع وفق ما تبشر به مقتضيات قرار مجلس الأمن رقم 2216.

- لا تشذ الأزمة الليبية عن قاعدة سابقاتها من الأزمات إذ هي الأخرى تتراوح بين آمال باهتة في إمكانية الخروج بالبلاد إلى بر الأمان عبر محاولات سلام يقودها مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة من خلال ما أسماه "خطة العمل الجديدة من أجل ليبيا" وبين واقع متشرذم يتجسد في تناحر مستمر لعدد من التشكيلات المسلحة ومؤسسات كل واحد تدعي الشرعية لنفسها، وتريد لوحدها بسط هيمنتها وفرض كلمتها في أي مسار مستقبلي للعملية السياسية، ما ينذر بتزايد العقبات أمام كل محاولات التسوية بشكل يجعل تصاعد ذروة الصراع أمرا يسيرا.

إن هذا الاستنتاج الذي ينحو في اتجاه التشاؤم تزكيه مجموعة من المعطيات برزت من خلال تعثر المراحل الأولية في خطة المبعوث الأممي رغم كل الضمانات التي تلقاها من الأطراف المتناحرة، ومن عدد من القوى الإقليمية والدولية. ويتجلى ذلك التعثر فيما يلي :

1ـ ما تشهده مشاورات تعديل اتفاق الصخيرات من مناورات، واستمرار الخلافات الجوهرية حول طبيعة وصلاحيات المؤسسات الدولتية بين كل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.

2ـ ما يعترض تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة بين الليبيين من عراقيل جعلت المؤتمر المزمع لذلك يتأجل إلى أجل غير مسمى بعد أن كان مقررا في فبراير الماضي.

لم يكن مفاجئا أبدا انعكاس هذا التعثر على عملية إقرار الدستور الليبي الجديد، الذي يواجه عدة دعاوى قضائية مرفوعة لوقف أي محاولة لتنفيذ بنوده، رغم أن المجتمع الدولي يرى فيه أساسا جديا لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية من المأمول أن تحصل قبل نهاية سنة 2018.

كل ما سبق يثبت أن فجوة عدم الثقة بين مختلف الأطراف الليبية تزداد اتساعا بدلا من أن تضيق، سيما في ظل تهديدات تصدر بين الفينة والأخرى من هذا الطرف أو ذاك بضرورة الحسم العسكري لإنهاء الأزمة، وهي تصريحات يذكي جذوتها تنافس إقليمي ودولي يحتد كثيرا فوق الأراضي الليبية.

ولعل هذا التنافس خاصة بين المحور التركي القطري الداعم للتيارات الإسلامية من جهة، والمحور المصري الإماراتي السعودي الداعم علانية أو بشكل مستتر للمشير خليفة حفتر وطموحاته هو ما دفع ببعض المراقبين إلى التذكير بالأجواء التي سادت ليبيا بعد أن رفضت بعض الفصائل الإسلاموية الاعتراف بهزيمتها في انتخابات يونيو 2014 ، محذرة من أن شبح الحرب الأهلية الشاملة قد يعود من جديد إلى البلاد.

- غير بعيد عن الساحات الملتهبة، جرى ويجري تسخين عدد من الساحات القابلة للاشتعال إن عاجلا أم آجلا، وذلك بتأجيج نيران الخلافات الكامنة فيها أو تلك التي انفجرت في شكل معارك إعلامية وقرارات سياسية واقتصادية ودبلوماسية كيدية. في هذا الإطار يمكن أن ندرج على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

1- أزمة البيت الخليجي الواحد التي أنهت سنة كاملة من القطيعة المطلقة بين أطرافها دون بروز أي بارقة أمل في انفراج قريب؛ بل بالعكس ازداد تخندق الأطراف وتعنتها حول مواقفها الأولية حيث غدت الصراعات الإعلامية أكثر شراسة وبلغت مستوى الحضيض، كما تجمدت بالمقابل كل محاولات الوساطة والمساعي الحميدة التي قادتها الكويت إقليميا، وتصنعت الولايات المتحدة الأمريكية قيادتها دوليا.

ومما لا شك فيه، فإن هذا الأمر ينذر بإمكانية انزلاق الأزمة إلى ما لا يحمد عقباه. ويتضح من التصريحات النارية المتبادلة بين الأطراف بشأن ما راج عن نية قطر اقتناء صواريخ S400 الروسية المضادة للطائرات أن نفق هذه الأزمة ما يزال مظلما وقد يزداد قتامة.

2- تأجيج الصراع المفتعل حول الصحراء المغربية من خلال سعي الطرف المناوئ للوحدة الترابية للمملكة إلى إحداث تغييرات على الأرض على أمل تحويل طبيعة الصراع، والزج به في متاهات أخرى من شأنها أن تعقد الوضع أكثر، وتعرض وقف إطلاق النار الهش لمزيد من المخاطر.

والواضح أن مجموعة عوامل تتمثل في الاستعراضات العسكرية الفجة، والاتهامات المتبادلة إضافة إلى الضغط المعنوي الذي أحدثه قرار مجلس الأمن الدولي الأخير بشأن تمديد مهمة المينورسو لمدة ستة أشهر فقط وليس سنة كما درجت العادة تدفع الأحداث صوب المزيد من التدهور الذي قد يفلت من زمام المراقبة يوما ما، وخاصة حين تدق ساعة الحقيقة، وتقرر الأمم المتحدة رفع يدها عن القضية.

خــاتـمـة :

ليس مستغربا البتة أن يغري هذا الوضع العربي المتردي العديد من القوى الإقليمية والدولية للتدخل والتأثير فيه خدمة لمصالحها. ولا شك أن هذا التدخل سيتواصل في ظل تعود الأنظمة العربية على الأزمات، وعلى التعايش معها بدلا من السعي لتسويتها. وبالنظر إلى غياب إرادة دولية لإطلاق عملية سياسية سلمية تنشد الوصول إلى حلول توافقية، فإن أزمات المنطقة الملتهبة والخافتة ستظل مفتوحة على كل الاحتمالات السلبية، وما قد تحمله من مزيد من الدمار، ومزيد من النزيف والاستنزاف والابتزاز، ورهن  مستقبل الأجيال القادمة لنزوات أجيالنا الفاشلة.