الثلاثاء 11 ديسمبر 2018
كتاب الرأي

محمد المرابط: حتى ينتصر حس المسؤولية في حراك الريف..

محمد المرابط: حتى ينتصر حس المسؤولية في حراك الريف.. محمد المرابط

لم يسعفني حيز مقالي السابق -"حراك الريف من جبة ناصر الزفزافي، بين منطق الوضوح والتيه"، على ترتيب خلاصات أخرى برصد تعبيرات "التصعيد" المتنامية في ملف الحراك على إيقاع الخارج. لذلك سأستأنف القول على هذا الصعيد من خلال المستويات التالية:

1- لقد دعا ناصر ريفيي المهجر إلى مقاطعة زيارة الريف هذا الصيف. وهي دعوة لم يستسغها العقلاء. ويظهر حسب دلالة السياق، أنه استوعب الخطأ، فدخل في إضراب عن الطعام. ولتصحيح هذا الخطأ، يمكن أن نجعل من التضامن مع الحسيمة عنوانا لهذه الزيارة. ويستوي في هذه الدعوة جميع المغاربة، الذين تسعفهم إمكانية إنجاز هذه الخطوة التضامنية من خلال قضاء جزء من عطلتهم في شواطىء الحسيمة وتمسمان.

في زلزال الحسيمة تداعى جميع المغاربة في الداخل والخارج للتضامن مع الحسيمة. اليوم تكفي زيارة لثلاثة أيام أو أسبوع، لتحصيل ثواب هذا التضامن، لمواجهة آثار زلزال من نوع آخر. بودي أن نرى كتابا وشعراء وفنانين ورياضيين ومسؤولين في شواطىء الإقليم وأسواقه. وأتمنى أن يتغلب صاحب الأمر على كل العوائق، بغاية وصل مقامه الصيفي بالحسيمة. وأعتقد أن فسيفساء هذا المشهد الحالم، قد يكون مفيدا في بيان قدرة الآصرة الوطنية على تجاوز معيقات سيرنا الجماعي. حيث يمكن في ظل هذه "الملحمة"، أن تتقدم عائلات المعتقلين بملتمس إلى صاحب الأمر، لتفتح صفحة صياغة التعاقدات الموصولة بالعفو العام.

من حقنا أن نحلم بكل الخير لأهلنا في الريف وعموم الوطن، رغم وعينا بأن هناك جهات تستثمر في الأزمات، لكن مع ذلك لا يجب ترك المخزن يحتكر تكييف النظرة في أجرأة ملف الحراك، بل حتى المجتمع من خلال تعبيراته ينبغي أن يبلور تقديره الخاص لذلك، مما سيفضي إلى تحكيم صاحب الأمر. وبذلك نكون كمجتمع ودولة في موقع التفعيل الفعلي لحاضنة منسوب عيشنا المشترك. وأثمن بالمناسبة تضمين بعض الأحزاب الوطنية في بياناتها المركزية أو الجهوية لمطلب إطلاق سراح معتقلي الحراك.

وعلى ناصر أن يكون من الحكمة بحيث لا ينزلق إلى"الإفتاء" في أمور تضر بمصالح أهلنا في الريف أو تزيد من تعقيد ملف الحراك، بل يفترض فيه أن يكون في طليعة الدفاع عن هذه المصالح، وتيسير سبل الحل السياسي، بكل تجرد. ما عدا ذلك ستقرأ مثل هذه المواقف المغامرة والملتبسة في أهدافها، على أنها تخدم أجندة خارجية.

2- ألتفت إلى خاتشي زليخة، شافاها الله، فأقف على فيديو لها يعلن وبعربية دارجة، دخول ناصر الإضراب عن الطعام: "تحية نضالية لجميع المعتقلين وعائلات المعتقلين. أنا أم ناصر الزفزافي المعتقل في عكاشة، ولدي دخل في إضرابه عن الماء والطعام. أنا أوجه لولدي الصمود ثم الصمود ثم الصمود حتى ينتصر الحق. وأوجه لمسؤولي الدولة المغربية، أولادهم يجلسونهم على الطابلة يأكلون الأكل الفاخر والشراب الفاخر، ونحن أولادنا يرمون في السجون. الخزي والعار للمنافقين والخونة".

هناك خلل ما في إطلالة خاتشي زليخة. لا يمكن لأي كان أن يقر المعتقلين على الإضراب المفتوح عن الطعام، فكيف لأم تطلب من فلذة كبدها الصمود على الموت؟ وحتى مضمون المقارنة الموجهة لمسؤولي الدولة يفتقد إلى الذوق. وإذا كان بالإمكان تبرير ما سبق، فإنه لا يمكن تفهم خاتمة هذا الإعلان: "الخزي والعار للمنافقين والخونة"، فمن هم هؤلاء الخونة؟ هل تنزلق بهذا عائلات المعتقلين إلى تكريس معجم السب والتخوين؟

اعتقد أن هذه اللغة غير المدروسة قد تعطي نتائج عكسية وستعجل بتكريس "الانقسامية" في صفوف الجميع، حتى في صفوف المعتقلين وعائلاتهم، وستنهي الحراك بشكل دراماتيكي، وستريح المخزن بذلك. على العكس أجد في خاتشي ارحيمو أم الأستاذ جلول- فك الله أسر الجميع- خير معبر عن معاناة أمهات المعتقلين، فلغتها المخضبة بالدموع تكسر الحجر، كم من مرة استمعت إليها، فألوذ من لهيب القسوة في البلاد بحديث المصطفى (ص): "لا تنزع الرحمة إلا من شقي".

3- ألتفت إلى اعزي أحمد الزفزافي. فكم عاتبته، وكم التمست له الأعذار، وكم طلبت منه أن ينشغل بالداخل وأن يحترس من فخاخ الخارج. وأتمنى أن يكون سعي عائلات المعتقلين لتنظيم أنفسهم مدخلا لتحرك داخلي مسؤول، يعي تعقيدات ملف الحراك ومسالك فك خيوط هذه التعقيدات.

لقد قدم اعزي أحمد في وقفة دينهاخ 21/4/2018 خطابا مغايرا، للذي قدمه ببروكسيل في 28/2/2018. وقد سبق أن أشرت لتحية ناصر المشفرة، في جلسة محاكمة فاتح مارس 2018، للجمهوريين في مسيرتهم في هذا التاريخ، والتي نسخت خطاب والده. وبذلك يكون الزفزافي الإبن يعطي من خلال اعزي أحمد رسائل حمالة أوجه، ويظهر أن اعزي أحمد نفسه قد استهوته أضواء أوروبا، فتحول إلى حراكي، أراه مندفعا كناصر. وهذا الأمر يحيلنا على موقف لعائلات المعتقلين في بيان لها في 29/4/2018، جاء فيه:"وتجاوزا لهفواتنا جميعا ومن أجل فعالية أنجع لمؤازرة معتقلينا، نناشد كل لجن وفعاليات دعم الحراك وطنيا ودوليا التنسيق والتشاور مع لجن عائلات معتقلي حراك الريف حين التفكير في استدعاء أفراد من عائلات المعتقلين لحضور اللقاءات والأنشطة الداعمة لمعتقلينا".

لينتصر إذن حس المسؤولية، أليس كذلك؟!