الأربعاء 21 نوفمبر 2018
سياسة

الحبيب المالكي: العالم العربي في حاجة إلى عقل جديد لمواجهة تصحره الفكري

الحبيب المالكي: العالم العربي في حاجة إلى عقل جديد لمواجهة تصحره الفكري الحبيب المالكي

على هامش المؤتمر الثالث والعشرين للاتحاد البرلماني العربي، أجرى الحبيب المالكي، رئيس مجلس النواب، لقاء صحفيا بالقاهرة مع قناة On Live Tv المصرية ضمن برنامج "نقطة تماس"، وهو برنامج حواري يتناول الشأن العربي والدولي والقضايا المرتبط بمصر، يشرف عليه ويعده الإعلامي يوسف الحسيني.

سؤال: في رأيكم كيف يمكن النهوض بدور الجامعة العربية وتفعيل قراراتها؟

الحبيب المالكي: ينبغي القيام بإصلاح عميق وهيكلي على أساس حد ادني من التوافق بين جميع البلدان العربية الأعضاء، والزمن الذي نعيشه اليوم يتطلب منا حدا أدنى من الجرأة، بدون جرأة لا يمكن أن نحرك من الماء الراكد الذي أصبح غير قابل للشرب، والذي قد يتحول إلى مستنقع متعفن يضر بالجسم العربي.

سؤال: أنا أتذكر أنه منذ قرابة عشر سنوات، أصبحت هناك بعض الدعوات التي ترى أنه لا حاجة لنا بالجامعة العربية وأنه قد تكون هناك حاجة للتجمعات الإقليمية؟

الحبيب المالكي: نحن في حاجة إلى الجامعة العربية، لكن بصيغة وبصلاحيات جديدة، وبأدوات عمل وبآليات متجددة، لاتخاذ القرارات الجيدة كذلك.

سؤال: هل القرارات في الجامعة العربية في حاجة إلى قوة عسكرية على سبيل المثال، القوة العربية المشتركة، هذه القوة التي حلم بها الكثير من الزعماء والقادة، ولم تفعل حتى هذه اللحظة؟

الحبيب المالكي : هذه القوة العسكرية التي تتحدث عنها مرتبطة بالقوة السياسية أولا، هناك جدلية في العمل، لذلك لا بد من إصلاح عميق للجامعة العربية حتى تصبح ذات مصداقية ومؤثرة في القرار إقليميا ودوليا.

سؤال: الأنظمة العربية على مدار عقود كثيرة عرفت تشنجا مع بعضها البعض، وأحيانا كانت تدخل في حروب باردة ما بين بعضها البعض حتى على مستوى التصريحات "المستترة" في بعض الأحيان. هل تعتقد أن الأزمات الكثيرة التي مرت بها المنطقة على مدى سبع سنوات مضت، قد تؤدي إلى المزيد من النضج العربي، ونضج العقل السياسي العربي؟

الحبيب المالكي: العالم العربي في حاجة إلى عقل جديد، فالتصحر في المجال الفكري هزم العقل، وأضعف المنطق وأصبحنا نعيش حروبا صغيرة بدون رهان، حيث أصبحنا عاجزين عن مواجهة التحديات؛ تحديات العولمة، وتحديات الوجود، ووضع استراتيجية في المجال الاقتصادي، في المجال الثقافي، في كل المجالات التي تحافظ وتساعد على كرامة المواطن العربي كيفما كان البلد الذي يعيش فيه. نحن أصبحنا خارج التاريخ، ولم نكن في الموعد رغم إمكاناتنا في المجال الديمغرافي، والاقتصادي، لم نستغل إمكاناتنا كموقع جيوسياسي، أصبحنا لا نتحكم حتى في مصيرنا، بمعنى آخر أن العامل الزمني لا ندبره بأيدينا بل يدبر لنا، وهذا وضع مؤلم جدا.

أنا لست متشائما، لكن علينا أن نستدرك ما ضيعناه زمنيا. وإذا كانت هناك رجة، وكان هناك طموح، وجرأة في اتخاذ القرارات، ونظرة بعيدة لما ينبغي أن نكون عليه سنة 2050 على سبيل المثال، فأنا متأكد من أن العقل العربي سيصبح هو الحكم، وهو الفاعل والمؤثر.

سؤال: أصبحنا نرى أن هناك دعوات انفصالية شرقا وغربا وجنوبا، ووقفنا نتفرج جميعا حتى انفصل جنوب السودان وصار جمهورية مستقلة. هل سنشهد جمهوريات جديدة تنفصل عن الكيانات العربية لتشكل دولا مستقلة والمزيد من التفتت؟

الحبيب المالكي: تاريخ مصر تاريخ وحدوي، هناك مبادرات متعددة، وتاريخ المغرب كذلك تاريخ وحدوي. وقد قمنا بعدة محاولات في هذا المجال، لكن تأثير العوامل الخارجية وقوة القرار الخارجي أثر كثيرا على مجرى الأحداث داخل عدد من البلدان العربية. والقوى الأجنبية وطموح إضعاف باقي مكونات العالم وفي مقدمتها العالم العربي، لذلك فالجواب على وحدة الصف هو استقلالية القرار، الجواب هو تجديد العقل العربي، وإصلاح كل أدوات التدخل التي تساعد على توحيد كلمة الشعوب العربية. هذا هو الجواب الحقيقي، ولن يتم ذلك إذا استمرت الأوضاع بهذا السوء. إن هذه الأوضاع هي التي جعلت من عد متزايد من الشباب يحلم بالحياة خارج وطنه .

سؤال: الشباب يتحججون دائما بأن الحكومات لا تلبي طموحاتهم ولا تساعدهم في صياغة أحلامهم، وإذا كانت اغلب حكوماتنا مراقبة برلمانيا، فيصح لنا أن نستفسر عن دور البرلمانات العربية؟

الحبيب المالكي: المؤسسات البرلمانية هي مرآة لمستوى تطور مجتمعاتنا. علينا أن نقوي دورها، ونوسع صلاحيتها وأن نجعل منها مرآة للمستقبل. وهذا يتطلب دمقرطة المجتمع. كما يتطلب دمقرطة الدولة أيضا وجعل الشباب فاعلا رئيسيا، إذ لا بناء ولا تنمية خارج إشراك الشباب، هذه هي المعادلة الرئيسية التي تكتسي بعدا مستقبليا وحيويا.

البنية الديمغرافية لمجتمعاتنا بنية شابة، وبدون توظيف هذه البنية الديمغرافية الشابة من الصعب جدا أن نفكر في المستقبل .

سؤال: البرلمانات العربية تلتقي وتتلاقى من حين لآخر أو في اجتماعات دولية فهل هي تتعاون بالفعل؟

الحبيب المالكي: كل المجالات التنسنيقية من أجل التواصل والبحث عن حلول مشتركة لا يمكن إلا آن نساندها، والاتحاد البرلماني العربي يقوم بهذا الدور منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي، وهناك مواضيع توحد البرلمانات العربية بالأساس وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ومحاربة الإرهاب. هذه مواضيع أعتبرها نقط التقاء ونقط إجماع بين كل البرلمانات العربية، لكن البرلمان في حد ذاته هو أداة مرحلية في مسلسل البناء الديموقراطي، وبرلماناتنا الآن مرآة للمرحلة الانتقالية. فالنضج الديموقراطي لا يمكن آن يأتي من الفوق، إنه تفاعل مع الأحداث وانبثاق من تربة المجتمع .

سؤال: أليس هذا التدرج بطيئا نوعا ما، عندما نقارنه بالعالم من حولنا ؟

الحبيب المالكي: الديموقراطية ليست وصفة جاهزة قابلة للتطبيق، أنا أؤمن بالخيار الديموقراطي الذي اعتبره اختيارا مجتمعيا، إذ لا يمكن آن نستمر بدون ديموقراطية، لكن في الوقت نفسه لابد من مراحل انتقالية.

إنني ممن يؤمنون بهذا الطرح والتصور، بغض النظر عن وتيرة البناء الديموقراطي البطيئة في عالمنا العربي نظرا لبعض التفاعلات السلبية، لكن ينبغي أن نؤمن حقا أن هذه التوترات والأزمات لا يمكن تجاوزها إلا بالبناء الديموقراطي السليم .

سؤال: للمغرب تاريخ طويل في دعم حق الشعب الفلسطيني، وفي عروبة القدس بالأساس، وخصوصا في الأزمة الأخيرة الخاصة بقرار دونالد ترامب في تفعيل مسألة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والبرلمانات العربية الآن لديها انشغالات فلسلطين / القدس، والإرهاب ، فماذا نحن فاعلون بخصوص القدس في ظل قوة تعطل قرار مجلس الأمن لا تعتد بقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ؟

الحبيب المالكي: القضية الفلسطينية تضررت أساسا لأننا أصبحنا سجناء مواقف نعتبرها مبدئية ولا تقبل المناقشة، حتى أصبحت هذه المواقف دون مصداقية بالنسبة لشعوبنا. لقد حان الوقت لاتخاذ قرارات ملموسة. وهذا لا يمكن ان يتم ويؤثر على مجرى الأحداث إلا إذا تحركت الجامعة العربية واتخذت مواقف جريئة في هذا المجال.

نحن نعتبر أن قرار إدارة ترامب خطير جدا ويناقض الشرعية الدولية وكل ما قررته الأمم المتحدة. لقد حان الوقت لتتخذ الجامعة العربية بعض القرارات في المجال الدبلوماسي والاقتصادي، بدون ذلك لي اليقين بأن القضية الفلسطينية ستصبح نقطة خلاف بيننا لا نقطة توحد الصف العربي، وهذا خطر جديد يهدد الجامعة العربية، ويهدد مستقبل بلداننا. إذا لم نجد حلا جريئا للقضية الفلسطينية، أنا متأكد من أن المنطقة كلها ستعيش تراجعا كبيرا جدا في كل المجالات.

سؤال: قرارات جريئة تتخذها الجامعة مثل ماذا؟

الحبيب المالكي: أنا لست عضوا في الجامعة العربية، لكن للجامعة العربية ما يكفي من تجربة لتتخذ ما يجب اتخاذه .

سؤال: هل هي مواقف مبدئية أم أطروحات قديمة راسخة في عقول معينة بعضها يحمل تاريخا غير جيد، وبعضها يحمل تاريخا أكثر من جيد؟ هل هي متعلقة بالمبادئ أم أنها متعلقة بشخصنة الأمور؟

الحبيب المالكي: أولا ينبغي أن نعمل جميعا كجامعة عربية لتوحيد أشقائنا الفلسطينيين وهذا شيء ضروري، فالمنطلق هو وحدة الصف الفلسطيني، وأنا متأكد أن وحدة الصف الفلسطيني ستساعد وستساهم في وحدة الصف العربي، فالشعب الفلسطيني في حاجة إلى الأمل وإلى متنفس جديد. وهذه الآمال مرتبطة بقدرة العالم العربي على اتخاذ القرارات الضرورية للجواب عن الاستفزاز الكبير كنتيجة لقرار الإدارة الأمريكية الحالية.

سؤال: الاستفزازات ستظل موجودة، وستظل القرارات الأمريكية مع الأسف الشديد فاعلة ، طالما هناك تياران يتصارعان على السلطة أو يختلفان، وهناك خلاف آخر "فتح وحماس"، ثم إن هناك ما تفضلتم بوصفه بخلافات عربية حول القضية، هل يعقل أن هذا الإقليم الثري وصاحب المهمة الجيوسياسية والذي يقع في موقع استراتيجي تجاري وتكنولوجي، أن يكون بهذا الضعف الشديد لدرجة أنه يصل في أحايين إلى تسول قرار أمريكي، لماذا؟

الحبيب المالكي: لأن الأوضاع العربية أوضاع متأزمة كل واحد ينفرد بأخذ مواقف معينة إزاء قضايا مشتركة، لذلك، فالتوقيت ليس بريئا من طرف الإدارة الأمريكية ، في ظل أزمة يعيشها العالم العربي، أزمة متعددة الأبعاد. اتخذ القرار لأن الإدارة الأمريكية تعلم بانه سوف لا يكون هناك أي رد فعل قوي.

لقد قام الملك محمد السادس كرئيس لجنة القدس، بما ينبغي أن يقوم به كرئيس لهذه اللجنة، لكن ليست هناك مبادرات قوية تجعل من القرار الأمريكي منطلقا لتصور جديد لمستقبل وطننا العربي، هذا هو بيت القصيد.

سؤال: هل بعض المصالح العربية الأمريكية تحول دون اتخاذ مواقف عربية أكثر قوة أو أكثر جذرية لو صح التعبير؟

الحبيب المالكي: ما يتحكم الآن في أوضاعنا الداخلية، هو العوامل الخارجية.

سؤال: تفضلتم بالقول في منتصف الحوار "أنا لست متشائما"، ولكن هل لديكم قدر من التفاؤل يقول إننا سنرى أن التحكمات داخل المنطقة العربية وفي قراراتنا ليست خارجية؟

الحبيب المالكي: من يؤمن بالعقل يظل متفائلا.