الخميس 15 نوفمبر 2018
مجتمع

فاس: كيف اغتالها مهندسون حوّلوها إلى مدينة دميمة!

فاس: كيف اغتالها مهندسون حوّلوها إلى مدينة دميمة!
لا أحد يذكر مدينة فاس من دون أن يذكر دقة هندسة معمارها القديم، وعتاقة أسوارها، وفتنة مبانيها الحاملة لعبق التاريخ والحضارة. فاس كتاب مفتوح من التاريخ والمجد.. زقاقها.. أروقتها.. رياضاتها.. أسواقها.. مساجدها.. زواياها.. مدارسها.. كل طوبة حجر تكاد تنطق بأن فاس كانت مدينة فاتنة، وسر فتنتها هو تلك الهندسة الجميلة وذاك المعمار الذي ظل صامدا لقرون والذي أنتج لنا أكبر فضاء للراجلين بالعالم المتمثل في الأزقة والممرات الملتوية بالمدينة القديمة والتي تناهز مساحته (فضاء الراجلين) 20 هكتار، وهو فضاء غير صاح بأي مدينة بالعالم. سر سحرها هو تلك الصروح والقباب الهندسية التي تحدت الزمن. حتى عندما جاء الفرنسيون استطاع مهندسوها ان يضيفوا إليها تلك اللمسة الأوربية، ويضعوا قواعد وأسس مدينة أوربية بالمعايير العصرية والأبعاد الهندسية الحديثة.
ورث المهنسون المغاربة تركة ثقيلة سواء من أسلافهم المهندسين المغاربة أو من المهندسين الفرنسيين، حيث استفادت فاس من هذا التداخل المعماري بين مدينة تاريخية تحرسها بواباتها العتيقة ومدينة أوربية متمططة. لكن هناك من لم يصن ويقدر قيمة هذه التركة، وتعمد زرع البشاعة سواء في الطريق المؤدية إلى إيموزار أو في كل المداخل التي تقود إلى فاس سواء من مولاي يعقوب أو من مكناس، فلا تجد هناك إلا عناوين البشاعة والغباوة الهندسية. فما هو سبب هذا الانحطاط الهندسي الذي جعل فاس خلال 20 سنة الأخيرة مدينة بلا هوية عمرانية؟ هل هو انحطاط نابع من توقف ملكة الإبداع لدى مهندسيها أم أن للسياسيين الذي تعاقبوا على التسيير المحلي والتحالفات الحزبية والمعارك الانتخابية هي التي جعلت فاس تدفع ثمنها غاليا، بدليل هذه البشاعة التي تكاد تنطق؟ أم أن المسؤولية مشتركة بين المهندسين والسياسيين؟ أم أن السلطة المركزية لم تصلها رسالة اليونيسكو بتصنيف فاس "تراث عالميا"؟
هي ألغاز وأحجيات نحتاج إلى من يفك طلاسمها، نحتاج إلى من يشرح لنا ما يحدث هنا بمدينة السلاطين العلويين والمرينيين والوطاسيين والسعديين، نحتاج إلى أن يخرج المهندسون بفاس من قواقعهم وشرنقاتهم ليقدموا تفسيرا للمغاربة وتبريرا لهذا الانحطاط الهندسي.
يكفي أن أكبر رسالة وعنوان على هذا الانحطاط أن مقر مدرسة المهندسين بفاس توجد اليوم في بناية "مشوهة" خالية من أي مسحة من الجمال والإبداع. من هنا تنتصب مفارقة كبرى: المهندس الذي ننتظر منه أن ينتج الجمال يدرس في فضاء قبيح!! ربما هي جواب عن الأسئلة التي طرحناها أعلاه، فكيف لمن يدرس في هذا "الخمّ" ننتظر منه أن يزين فاس؟
فمنذ 15 سنة الماضية قدم العديد من المهندسين بفاس أوراق اعتمادهما وولاءهما المطلق إلى ديناصورات فاس وسياسييها وأعيانها وبرلمانيين الذين أصبحوا يتحكمون حتى في الانتخابات المهنية لهيأة المهندسين، ويختاروا المهندس حسب درجة ولائه لمخططاتهم السياسية وأطماعهم الانتخابية، وانصياعا لأوامرهم وتعليماتهم، والدليل أن هذه البشاعة الهندسية الطافحة التي تعيشها فاس هي جزء من بشاعة سياسييها والصراعات الناشبة بين أعيانها، وها هي نتيجة هذه البشاعة تظهر بشكل جلي في ما نراه اليوم، وانعكست على المعيش اليومي لسكان فاس التي أصبحت تتصدر أخبار الجرائم.
السياسة هي الوجه الأكبر والعنوان الأبرز لهذا الطوفان من البشاعة، وإليكم الدليل: 
- فقبل مجيء مرسوم قانون الصفقات عام 2014، كانت فاس موزعة على كمشة من المهندسين الذين كانوا يتحكمون في الانتخابات المهنية ويحركون خيوطها ويرسمون سيناريوهاتها، علما بأن جهابذة مهندسي فاس ينتمي غالبيتهم إلى حزب الاستقلال، ويسيطرون على معظم صفقات المدن ككل. وتشير أصابع الاتهام إلى مهندس نافذ بهيأة المهندسين بفاس وصاحب مجموعة من الشركات، استطاع بفضل شبكة علاقاته مع سياسيين بارزين ووزراء وشخصيات بمراكز القرار، أن يحرك خيوط اللعبة ويتحكم في قرارات الهيأة، وأصبح بفضل هذه القوة يؤثر على قرارات هيآت المهندسين على الصعيد الجهوي.
- كعكة مشروع تأهيل المدينة الاقتصادية في فاس تم تقسيمه بين مهندسين فاسيين، والمثير أنهم لم يقتصروا على فاس لوحدها، بل طمعوا حتى في مشروع تأهيل هضبة مكناس. ويا للمفارقة! ويا للعار! كل هذا اللهاث والجشع ومطاردة المشاريع والاستفراد بالقرارات والأموال التي تحصدها وهيأة المهندسين لم تكلف نفسها إصلاح بيتها الداخلي "القبيح"، ومازالت تدرس طلبتها فوق نادي للكراطي.
- بعد تشكيل المكتب الوطني الجديد لهيأة المهندسين منذ ماي 2017، أبلغ المكتب الجديد جميع جهوياتها تجديد هياكل مكاتبها، بحثا عن الانسجام ورغبة في العمل بصورة موحدة مع بداية ولايته الانتخابية. هذه الرسالة لم تلتقطها هيأة المهندسين بفاس، حيث وقعت خروقات شكلية في انتخابات تشكيل المجلس الجهوي لفاس في 14 يناير 2018، انتهت بإلغائها من طرف المكتب الوطني وإصدار قرار إعادة الانتخابات، لكن هذا القرار لم ترحب به المجموعة التي كانت تسيطر على هيأة فاس. 
والسؤال المطروح: من أين يستمد مجلس جهوي مطعون فيه من طرف المجلس الوطني لهيأة المهندسين شرعيته وقوته في الاشتغال، في تحد صارخ للسلطات وللقانون المنظم لهيأة المهندسين؟ وعنوان هذا التحدي ما يفرزه بعض الأعمال الهندسية بفاس من بشاعة بعض التي دخلت إلى الردار العالمي، شأنها في ذلك شأن كل المدن التراثية التي اختارتها منظمة اليونيسكو. لكن المهندسين في فاس، وكل من يتسترون على بشاعتهم، لا يقدرون قيمة أن تكون فاس سفيرة للمغرب بأعلى منظمة تقدر نفائس التاريخ والكنوز التراثية. اليوم كل من يتواطأ على خيانة فاس ليحولها إلى مدينة دميمة عليه أن يحاكم أمام محكمة الشعب، لاسيما وأنها مدينة تجر معها قرونا من عبق ومجد التاريخ الذي يفتخر به كل مغربي.