الثلاثاء 21 مايو 2019
مجتمع

محمد سعيد: على هامش إنشاء مجلسه الوطني.. آليات التنظيم الذاتي للصحافة ومضمون الميثاق

محمد سعيد: على هامش إنشاء مجلسه الوطني.. آليات التنظيم الذاتي للصحافة ومضمون الميثاق

- بالمغرب، هناك محطتان رئيستان للتنظيم الذاتي للصحافة. ولن نجازف بالقول إننا اليوم ندخل مرحلة ثالثة مع تأسيس المجلس الوطني للصحافة.

- إذا ما تأملنا مضمون جميع مواثيق أخلاقيات مهنة الصحافة؛ نجدها تتمحور حول ثلاثة عناصر أساسية وعبرها تتفرع جميع البنود الأخرى: البحث عن الحقيقة وما يقتضيه، اقتران ممارسة الصحافة بالمسؤولية الاجتماعية؛ وكذا احترام الكرامة الإنسانية والحياة الخاصة للأفراد.

- لكل مجلس من مجالس الصحافة وضعه الخاص. فهو نتاج البيئة الإعلامية التي نشأ فيها والخاصة بكل بلد على حدى .

- من حيث المبدأ إذا كان هناك تشهير (السب أو القذف) أو المس بالكرامة الإنسانية؛ يعتبر اللجوء إلى القضاء حقا قانونيا. لكن اللجوء إلى المجلس يسقط أوتوماتيكيا هذا الحق.

-1 معايير التنظيم الذاتي للصحافة :

تختلف ممارسة مهنة الصحافة عن باقي المهن الأخرى كالطب والمحاماة مثلا لسببين رئيسيين اثنين: أولهما، لا توجد علاقة مباشرة بين ممارس مهنة الصحافة و"زبونه". والذي هو في هذه الحالة متلقي المنتوج الصحفي. فإما أن يكون قارئا لنشرة ما أو مستمع لإذاعة أو مشاهد لقناة تلفزية... الخ. وربما لهذا السبب ليست هناك أية إجراءات استثنائية يمكن فرضها على الصحافة حتى نستطيع حماية مستهلك المنتوج الصحفي. على مستوى ثان، لا يمكن أن توجد أية عقوبة زجرية أو ردعية بمعناها الجنائي في بنود ميثاق أخلاقيات المهنة. وبالتالي، لا يمكن منع ممارس الصحافة من ممارسة حقه في حرية التعبير والتي تعتبر مهنة الصحافة أسمى تجلياتها بالرجوع إلى الفصول الدستور المغربي لسنة 2011 كأسمى قواعد قانونية.

بهذا المعنى، تبقى ممارسة مهنة الصحافة مفتوحة لجميع المواطنين دون استثناء (الحديث اليوم عن المواطن الصحفي أو صحافة المواطن مع انتشار وسائل الاتصال الالكتروني حيث لا يمكن للصحفي أن يتواجد في كل الأمكنة وفي كل الأزمنة بعكس المواطن المتواجد فيهما معا). ولا يمكن تقييدها بشرط التكوين أو الحصول على الدبلوم. ولربما يصبح من الخطير جدا تقييد هذه الممارسة بخلق أو أنشاء هيأة تكون لها سلطة منع أي صحافي أو مواطن بصفة عامة من ممارسة حقه في التعبير؛ لأن هذه السلطة يمكن أن تستغل لأغراض سياسية أو اقتصادية أو ثقافية. ومن تم تصبح المزايا أو الهدف من خلق هذه الهيئة التي هي أصلا حماية مستهلك المنتوج الصحفي أو الجمهور بصفة عامة، أقل بكثير من الانزلاقات والتجاوزات التي تمكن توظيفها لتصفية حسابات أخرى .

إن دور "المراقب للشأن العام" الذي تضطلع به الصحافة يطرح اليوم العديد من الأسئلة حتى في أعرق الديمقراطيات. فكيف يمكن مثلا حماية الأشخاص والجمهور بصفة عامة من تجاوزات الصحافة دون الرجوع إلى قواعد القانون الجنائي.

(لا نتحدث هنا عن إمكانية اللجوء إلى القضاء، لأنها تبقى مفتوحة وحق للجميع. ولكن اللجوء إلى الهيأة أو التنظيم الذاتي للصحافة يعني تلقائيا التنازل عن اللجوء إلى القضاء من جهة. ومن جهة أخرى، كلما كثر اللجوء إلى القضاء في قضايا القذف والتشهير يعتبر تضييقا على حرية الصحافة في عرف المهنيين).

رغم أهمية وجود صحافة حرة، مستقلة وتعددية في مراقبة تدبير الشأن العام؛ فإن هذه الحرية تفترض وجود ضوابط وقواعد للسلوك. لذلك، على الجسم الصحفي أن ينظم نفسه بنفسه. وأن يضع قواعد للممارسة المهنية. أو على الأقل أن يتحمل مسؤوليته ويضمن الحد الأدنى من الشفافية والوضوح في الممارسة الإعلامية حتى لا تصبح ممارسة المهنة، أو ممارسة حرية التعبير بشكل عام، محل تساؤل أو تشكيك. فكيفما كانت الاحتياطات التي يمكن أن يتخذها الصحفي أثناء مزاولته لمهنته ومهما تقيد بالنزاهة والموضوعية؛ فإنه لا يمكن أن يتحكم في تأثير المعلومات التي ينشرها بين الناس.

2- آليات التنظيم الذاتي :

إن الاهتمام بالتنظيم الذاتي للصحافة يمكن أن يتخذ عدة أشكال لمأسسته. لذلك انصب الاهتمام في الأصل، وفي أغلب البلدان سباقة إلى التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة، على صياغة ميثاق لحسن السلوك قبل الشروع في التفكير في صيغة من صيغ المأسسة في شكل هيأة أو مجلس وطني للصحافة. لأن دور الهيأة أو المجلس سواء كان تحكيميا أو استشاريا، سينحصر في نهاية المطاف في تفسير بنود الميثاق بالمعنى الضيق للكلمة. والمعروف بصفة عامة عن ميثاق أخلاقيات مهنة الصحافة أنه مجموعة القواعد التي تؤطر علاقة الصحافيين بعضهم ببعض وعلاقة هؤلاء بالجمهور أو مستهلكي المنتوج الصحفي.

بعيدا عن قانون الصحافة، أثبتت تجارب العديد من الدول نجاعة اللجوء إلى مقتضيات ميثاق أخلاقيات المهنة عوض اللجوء إلى القضاء للفصل في القضايا والنزاعات المتعلقة بالتشهير والمس بالكرامة الإنسانية. وفي هذا السياق، تنبغي الإشارة إلى أن الجسم الصحفي يرفض أن تسند مهنة المراقبة لأية جهة خارج هيأة المهنيين.

2.1 - المجلس:

يرتكز التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة على دعامتين أساسيتين: المجلس Le conseil من جهة. ومن جهة أخرى، وجود ميثاق أو بنود لأخلاقيات المهنة.

بالنظر إلى تجارب العديد من الدول السباقة في هذا المجال، ينتخب المجلس من طرف هيئة للناشرين أو نقابة للصحافة على أساس أن السلطات المخولة له معترف بها من طرف جميع الصحفيين الأعضاء في هيئة الناشرين أو المنسبين لنقابة الصحافة.

وكجميع الهيئات أو المؤسسات من هذا النوع، تنحصر المهمة الرئيسية للمجلس في مراقبة مدى احترام الجسم الصحفي لبنود ميثاق الأخلاقيات، سواء تعلق الأمر بحماية الجمهور من انزلاقات الصحافة أو الدفاع عن حرية المهنة واستقلاليتها. إذن، المهمة الرئيسية للمجلس هي تفسير بنود الميثاق وملائمتها لكل حالة تعرض عليه عوض اللجوء إلى القضاء. وينبغي أن تشمل cour d’honneur هذه كل الممارسين للمهنة والذين تقع على مسؤوليتهم كل ما ينشر أو يبث من خلال وسائل الإعلام : مدراء النشر، صحفيين...الخ. حتى ولو كانوا ينتمون إلى هيئات مختلفة.

من جهة أخرى، من المستحب -كما تبين من خلال تجارب سابقة- أن يكون للمجلس رئيس، ومن الأفضل أن يتم اختيار هذا الرئيس من خارج الجسم الصحفي كأن يكون قاضيا أو منتميا للسلطة القضائية (مثلا حالة بعض الدول الأوروبية).

تنحصر مهمة المجلس في أن يصدر أحكاما إما بالبراءة أو بالإدانة. وأن يتم نشر هذه الأحكام وإشهارها في مختلف وسائل الإعلام. وبالأخص نشرها بالجريدة المدعى عليها. على صعيد آخر، أنشأت بعض هيئات تحرير الصحف مجالس خاصة بها. تباشر هذه المجالس استقبال شكايات المواطنين والقيام بالتحقيقات اللازمة كالاستماع إلى أطراف النزاع قبل البث في أية شكوى.

وتلعب مجالس التحرير هذه دورا محوريا في العديد من الصحف. إذ تشرح للجمهور كيفية اشتغال الصحافة بشكل مستقل. وتقترح في ذات الوقت حلولا للنزعات التي تكون أطرافها الصحف والجمهور دون اللجوء إلى المسطرة القضائية.

في هذا السياق، يفترض في أي شخص تضرر من ممارسة صحفية ما؛ وقبل اللجوء إلى مجلس الصحافة، أن يتنازل بصورة تلقائية عن مباشرة إجراءات الدعوى القضائية أمام المحاكم المختصة.

هناك العديد من الإجراءات التأديبية التي يمكن للمجلس أن يتخذها ضد أي صحفي أخل بأحد بنود ميثاق أخلاقيات المهنة. ويمكن أن تصل العقوبات في أقصاها إلى سحب بطاقة الصحافة المهنية. لكن ذلك، لا يعني بأي شكل من الأشكال منع الشخص من ممارسة الصحافة التي هي في نهاية المطاف ممارسة لحرية التعبير إحدى الحريات الأساسية لحقوق الإنسان.

2.2- الميثاق :

عندما نتحدث عن الميثاق، فإننا في الواقع نتحدث عن مجموعة من القواعد والمعايير التي تمت صياغتها من قبل الممارسين للصحافة (صحفيين وناشرين). فحرفة الصحافة كمهنة مفتوحة في وجه الجميع تجعل مسألة السلوك المهني مسألة مرتبطة بالدور الذي يمكن أن يضطلع به الصحفيون داخل المجتمع. فما هي الصحافة المؤهلة مهنيا للقيام بوظائفها في الإخبار والتربية والترفيه؟

لقد كرس الصحفيون من خلال ممارستهم المهنية بشكل تدريجي وتراكم تاريخي مجموعة من القواعد اختاروها بمحض إرادتهم ليراقبوا أنفسهم بأنفسهم بواسطتها؛ وليحموا المهنة أو الحرفة التي ينتمون إليها من كل إساءة أو انزلا قات أو سوء تدبير.

إن تعبير مدونة السلوك أو دليل الأخلاقيات (أو الآداب) أو ميثاق الشرف أو ميثاق الأخلاقيات تحيل جميعها -مهما تعددت الأسماء باختلاف الدول والمرجعيات- تحيل على عنوان واحد ووحيد "مجموعة القواعد المتضمنة للحقوق والواجبات المتفق عليها والمكتوبة من طرف ممارسي المهنة، والتي من شأنها أن تعزز مصداقية مهنة الصحافة واستقلاليتها وتجعلها بالتالي تتسم بالموضوعية والنزاهة والثقة أثناء نشرها للمعلومات بين الجمهور".

فمجموعة القواعد التي وضعها الممارسون للصحافة بأنفسهم يمكن أن تشكل مرجعا للدفاع عن حرية الصحافة. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تصبح مجموع قواعد أخلاقيات المهنة مقيدة لحرية الصحافة بل هي معززة لها.

إن موضوع السلوك المهني كان منذ القدم هما تنظيميا لعديد من الحرف. ولما نتحدث عن أخلاقيات المهنة في مجال الصحافة؛ فإننا لا نتحدث عن القيم بمفهومها الفلسفي في ممارسة مهنة كالصحافة ترتبط فيها الحرية كأصل في الممارسة بالتقييد القانوني. لذلك يقترح المهنيون بدائل لمساءلة سلوكهم المهني؛ والتي لن تكون بالضرورة نصوصا قانونية مقيدة لحريتهم والتي هي في أغلبها نصوصا زجرية.

بالمغرب، لا يمكن الحديث عن مؤشرات للتنظيم الذاتي للصحافة قبل عقد التسعينيات من القرن الماضي (ارتباط تأسيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية منذ نهاية السبعينات بإسقاط الرقابة على الصحف، تداخل ما هو نضال سياسي بالممارسة الصحفية المهنية الصرفة إلى الحد الذي لا يمكن الفصل بينهما، غياب تام للناشرين المستقلين حتى بعد ظهور بعض الدوريات والمنشورات التي ليس لها التزامات حزبية، المناظرة الوطنية للصحافة سنة 1993). على الصعيد الدولي، الانفراج في العلاقات الدولية بعد سقوط جدار برلين وما تلاه خصوصا المؤتمرات الأربع لليونسكو والتي كان أولها إعلان ويندهوك 1991 الذي جعل من 3 ماي يوما عالميا لحرية الصحافة.

بالمغرب، هناك محطتان رئيستان للتنظيم الذاتي للصحافة، ولن نجازف بالقول أننا ندخل مرحلة ثالثة مع تأسيس المجلس الوطني للصحافة.

- المرحلة الأولى انطلقت في بداية التسعينيات من القرن الماضي مع النقاش الذي صاحب المناظرة الوطنية للإعلام سنة 1993. وقد اتسمت هذه المرحلة بنوع من الاحتشام في الدفع بالمهنيين إلى تنظيم أنفسهم بأنفسهم؛ حتى لا يقال أن الدولة المفروض فيها أن تكون على الأقل محايدة، تتدخل في التنظيم المهني.

نسجل خلال هذه المرحلة، والتي انتهت عمليا سنة 2000 بتنظيم أول ورشة للتفكير في مضمون الميثاق واليات تفعيله من طرف النقابة الوطنية للصحافة المغربية بتاريخ 24 نونبر 2000، مع غياب شبه تام للناشرين لأي مبادرة للتنظيم الذاتي.

تجدر الإشارة كذلك، إلا أن هذه المرحلة الأولى تميزت بصياغة ميثاق للشرف من طرف النقابة الوطنية للصحافة المغربية. ويفيد هذا الميثاق بالتزام الصحفيات والصحفيين المنخرطين في النقابة

باحترام بنوده. كما يلاحظ تأسيس لجنة لأخلاقيات المهنة داخل النقابة. إلا أن العديد من القضايا المحالة عليها لم يتم البث فيها ولا مجال هنا لسردها بتفصيل. من جهة أخرى، لابد من الإشارة إلى مبادرة حكومة التناوب الأولى في عهد الوزير العربي المساري رحمه الله، بالدعوة في ربيع سنة 2000 إلى ندوة بالمعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط حول موضوع الأخلاقيات ( ملاحظة: الدولة تتزعم المبادرة في حقل التنظيم الذاتي). بطبيعة الحال، لم يكتب لها النجاح لم وتترتب عنها أية إجراءات عملية.

- المرحلة الثانية والتي يمكن القول أنها ابتدأت باتخاذ النقابة الوطنية للصحافة المغربية لزمام المبادرة في مجال التنظيم الذاتي للصحافة؛ في المقابل نجد غياب شبه تام للناشرين كمجموعة.

بغض النظر عن بعض المبادرات التي اتخذت داخل هيئات التحرير كمجالس التحرير مثلا والقليلة جدا. نقول أن هذه المرحلة ابتدأت عمليا في نونبر 2000 بدعوة النقابة الوطنية للصحافة المغربية العديد من الأطراف والفاعلين المهتمين بمجال التنظيم الذاتي للصحافة إلى ورشة للتفكير في مضمون الميثاق واليات تفعيله، والتي تلاها في السنة الموالية إعلان الدر البيضاء بتاريخ 7 نونبر 2001 الذي يؤكد على أن حرية الصحافة والإعلام كمبدأ لا يمكن المساس به؛ وأنه لا يمكن للصحافة أن تقوم بأدوارها "إلا إذا تعززت مصداقيتها وتمكنت من مواجهة كل التجاوزات التي تسيء إلى نبل رسالتها و ضميرها المستند على أخلاقيات المهنة وآدابها".

لقد توجت هذه المرحلة بالإعلان عن ميلاد الهيئة الوطنية المستقلة لأخلاقيات الصحافة وحرية التعبير كآلية مهنية ومرجعية لا تشكل بديلا عن السلطات القضائية. وتستمد التزاماتها من المنظمات والشخصيات المشكلة لها. مما يضمن حق المواطن في الأخبار واحترام الكرامة الإنسانية وتعزيز حرية الصحافة.

وضمت هذه الهيئة 23 عضوا من بينهم 8 صحفيين تنتدبهم النقابة الوطنية للصحافة المغربية و5 ناشرين يمثلون مختلف وسائل الإعلام الوطنية من صحافة مكتوبة، إعلام سمعي/ بصري أو إلكتروني. بالإضافة إلى شخصيات أخرى تنتدبهم المنظمات الممثلة في لجنة المتابعة.

بصرف النظر عن الطموح الذي صاحب ميلاده الهيئة؛ يمكن القول بأن الآلية المقترحة للتنظيم الذاتي ولدت ميتة. ورغم أن المبادرة جاءت من طرف هيئة تمثيلية للصحفيين وهي النقابة الوطنية للصحافة المغربية فهناك عدة أسباب لوأدها في المهد. ولعل أبرزها :

- كثرة منظمات المجتمع المدني الممثلة في لجنة المتابعة؛ مما تعذر معه إيجاد توافق حول العديد من القضايا التنظيمية المطروحة. غياب أي شكل من أشكال الدعم المادي واللوجستيكي سواء العمومي أو الخاص مما عطل عمل الهيئة. وعمليا، توقفت بشكل كلي ابتداء من سنة 2006. واستمر الوضع على ما هو عليه إلى حدود اليوم.

الآن، يمكن القول بأننا ندخل مرحلة ثالثة في مجال التنظيم الذاتي للصحافة ومؤشرات هذه المرحلة تبتدأ من مارس 2016 بنشر القانون رقم 90.13 القاضي بإحداث المجلس الوطني للصحافة بناء على رصيد تراكم طيلة 15 سنة الماضية بتشارك مع أهم المتدخلين في مجال التنظيم الذاتي هما النقابة الوطنية للصحافة المغربية وفيدرالية الناشرين المغاربة (الهيئات الأكثر تمثيلية).

الملاحظة الأساسية في هذا السياق أو هذا التطور التاريخي للتنظيم الذاتي للصحافة بالمغرب. فقبل سنة 2000، لم يكن المهنيين يهمهم مجال التنظيم الذاتي بالقدر الذي كان يشغلهم الدفاع وتعزيز حرية واستقلالية الصحافة. ولاحظنا أن الدولة هي التي بادرت إلى الدعوة إلى التنظيم الذاتي للمهنة. ما بعد سنة 2000 وإلى حدود 2007، كانت المبادرة من طرف المهنيين أنفسهم خاصة النقابة الوطنية للصحافة المغربية.

اليوم، نلاحظ أن الدولة هي التي تملك زمام المبادرة بدعوة المهنيين إلى تنظيم أنفسهم بأنفسهم.

- مضمون الميثاق :

إذا ما تأملنا مضمون جميع مواثيق أخلاقيات مهنة الصحافة، بصرف النظر عن الخصوصيات محلية لكل بلد على حدى؛ نجدها تتمحور حول ثلاثة عناصر أساسية و عبرها تتفرع جميع البنود الأخرى :

1- البحث عن الحقيقة وما يقتضيه من موضوعية ونزاهة وحياد ودقة في تقديم المعلومة أو الأخبار مع إعطاء حقي الرد والتصويب.

2- اقتران ممارسة حرية التعبير والتي من أسمى تجلياتها ممارسة الصحافة بالمسؤولية الاجتماعية. فنشر بعض المعلومات باسم الحق في الإخبار قد يكون أكثر ضررا للمواطن من إفادته (الأنباء المرتبطة بانتشار الفيروسات مثلا).

3- احترام الكرامة الإنسانية والحياة الخاصة للأفراد. فالحق في الإخبار(le droit d’informer et d’être informer)  يقف عند حدود خصوصيات الأفراد التي لا تشكل شأنا عاما يمكن لباقي المواطنين الاطلاع عليه.

يعتبر البحث عن الحقيقة من أهم القواعد التي تبنتها جل مواثيق أخلاقيات مهنة الصحافة. بل إن هذا المبدأ يعتبر أساس وجود الصحافة أصلا. فإذا كان الصحفيون يعتبرون أنفسهم سلطة رابعة في مراقبة تدبير الشأن العام؛ فإن هذه المراقبة المقترنة بالحرية ينبغي أن تتوخى الدقة والموضوعية والنزاهة.

وعلى الصحفي أن يتأكد من صحة وحقيقية الأحداث والمعلومات التي ينقلها إلى الجمهور مع إعطاء الحق في الرد والتصويب. من هذا المنطلق، يطالب الصحفيون ومعهم المجتمع المدني بالحق في الولوج إلى المعلومات خلال عملية البحث عن الحقيقة والتحري. وبذلك يلتزم الصحفي بكافة المعايير التي تعزز مصداقية الصحافة ومن أبرزها الحياد والموضوعية والاستقلالية.

على صعيد آخر، إذا كان وجوبا أن يتمتع الصحفي بالحرية حتى يمكنه القيام بمهمته في التحري والاستقصاء والبحث عن الحقيقة وترجمة الحق في الأخبار إلى واقع معاش؛ فإن هذه الحرية تصبح في بعض الأحيان أكثر ضررا مما هي نافعة (رغم انعدام أي تدخل من أية سلطة أخرى).

من هذا الباب، تقترن الحرية بالمسؤولية الاجتماعية في العديد من بنود أخلاقيات المهنة. فعلى سبيل المثال، إذا انتشر وباء فيروسي في منطقة ما، فهل باسم الحق في الأخبار والبحث عن الحقيقة نشر هذا الخبر أم حجبه عن الجمهور؟ بعبارة أخرى، هل فائدة حجب المعلومة أفضل من نشرها؟ تندرج ضمن هذا القسم من أخلاقيات المهنة العديد من البنود الأخرى كحماية القاصرين، صورة المرأة في وسائل الإعلام، حماية الضحايا خلال الكوارث الطبيعية والحروب...الخ. ومواضيع الإثارة بكل أصنافها.

في الأخير، لا يمكن تبرير نشر أخبار أو معلومات تمس بالحياة الخاصة لشخص ما، إلا إذا كانت هذه الأخبار لها علاقة مباشرة بتدبير الشأن العام. من هنا تنص العديد من بنود أخلاقيات المهنة على أنه يجب تفادي القذف والتجريح أو استعمال الألفاظ والعبارات الحاطة بالكرامة الإنسانية.