الأحد 18 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

ميلود العضراوي: "ن والقلم وما يسطرون"...؟

ميلود العضراوي: "ن والقلم وما يسطرون"...؟ ميلود العضراوي

وجدت تدوينة مسرعة على صفحتي بالفاسبوك تقول: "ن والقلم وما يسطرون".. وأمامها كلمات ثلاث: صدق، الله، العظيم. فقلت لروحي، أنت أيتها النفس الأمارة بالسوء، أنت ممن يسطرون بالقلم؟ إذا كنت كذلك، هلا أدركت قدر وعظمة هذا القسم الجليل قبل أن تزجي بروحي ووجداني في نفقه الطويل؟ فقالت النفس متعجبة: لو كنت أعلم الغيب ما لبت في العذاب المهين، ولقفلت راجعة يوم قيل لي اهبطي لك في جسد هذا الرجل متاع إلى حين.. وحين ولجتك زاد ألمي ولم اجد فيك متعة تذكر؟

اندهشت من روحي وعرفت أنها تراوغني وتقذف بي بعيدا في مجاهيل التفكير. وأنا المسكين الذي يعرف حجم العقل وعجزه وعدم قدرته عن فك ألغاز هذا الوجود البالغ التعقيد، فقلت لها مستنكرا: والآن ما العمل أيتها النفس الأمارة بالسوء وقد حملتني أمانة  من لا يأبى ولا يشفق من ثقل الأمانة؟ فضحكت روحي مني وقالت: "لست جبلا".. ثم ضحكت ثانية كفتاة لعوب وتركتني وغابت في السحب.. غابت قليلا ثم عادت وثابة مرحة تقول: أيها الشقي، لقد قلت في البدء ليت لي قلم ودواة.. قلت قلما ودواة؛ فكان لك ما تريد... أتذكر؟

ران صمت بداخلي وعلمت أن روحي على حق... ومنذ ذلك الزمن البعيد المغيب في الأبدية وروحي مثل قلم من قصب تسوقني حيت أساق وتأخذني حيث تريد؟

كظمت غيضي عدة سنين وعدت لأقول: لو أن أحدا بين لي ثقل هذه الأمانة حينها لما اقتربت منها... قلم ودواة..؟ ما قيمة قلم ودواة؟.. تذكرت سريعا ما جاء في سورة الأحزاب (الآية 71) ولعلها الأمانة نفسها التي عرضها الله عز وجل على السماوات والأرض والجبال و"أبين حملها"، وكم أتلافى ما تبقى من الآية الكريمة لأنني لا أطيق ثقلها "وحملها الإنسان، إنه كان ظلوما جهولا" (الآية 72).

قال مصطفى صادق الرافعي في كتابه "وحي القلم": "القلم كلمة الخالق".. فهمت حينها أنني لو أدركت حجم القلم السماوي لما لمسته لمسة واحدة ولما حركته من مكانه قيد أنملة ولتحاشيت المرور من جواره أو الاقتراب منه أو حتى النظر إليه، فهو يشبه التنين النائم الذي إذا أيقظته لترى كيف يطير، احترق العالم من حولك، فمزاج القلم حاد مثل رأسه التي تقطر بالحبر وتنسخ الحروف التي تزهق الباطل وتثبت الحق فالحق ثابت لا يزول أبدا، والباطل زائل لا محالة و"قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا" سورة الإسراء الآية 81.

القلم مثله مثل الأبدية والحرف النازف منه مثل الكينونة التي خلق الله منها العالم، ولأن العالم لا يمشي على رجليه مستقيما كما نظن، بل يسير مقلوب الرأس لأنه يولد كل مرة من جديد، "كل يوم هو في شان، فبأي آلاء ربكما تكذبان" سورة الرحمان.. والأرض فيه كوكب صغير يدور دورانه الدائم على جنبه الأيسر يتقلب "كفاتا" مثل سمكة كبيرة في قعر المحيط، تصبح وتمسي على قدر، تروح وتجيئ في غيب السماوات دون ان يكون لها مستقر، قال رب العزة: "ألم نجعل الأرض كفاتا"، بمعنى دورانها على محور متقلب، تلك عناصر الملحمة الكبرى للوجود وللقلم معها موعد مستحيل .

هذه المقاربة يؤمن بها القلب ويكفر بها العقل، هذا الأخير ينهض من مربضه مثل التنين النائم وينفث النار في كل مكان، وحيث أن العالم يسير عكس نظام الحق والعدل الذي هو عقيدة راسخة بالنسبة للقلم، فإن هذا التنين المدمر هو كلبه الوفي الذي يطلق له العنان ليطارد الخارجين عن الناموس الكلي للحياة .

القلم أداة بخيسة مصدرها شجرة القصب ومصنعها سكين أو آلة حادة تهذبها وتنحتها من الجانبين وتشق في وسطها ساقية تحمل الحبر وترتبه على شكل سطور في لوح أو ورقة، هكذا علمنا الأجداد في طفولتنا البعيدة في تلك القرى الغارقة في طمي السنين والقريبة من المشاعر الوضاءة المشتعلة كحريق الشمس في عز الصيف... علمونا كيف نصنع القلم، وعلمونا كيف نبريه على اللوح ذات اليمين وذات الشمال وكيف نصقله مثل آنية البخور وكيف نغديه بالصمغ الأسود والزعفران، وكيف نكتب به الحروف والجمل وسور القرآن، فعاشرناه طويلا حتى صار لنا رفيقا وألفناه حتى صار لنا طريقا ومن يقف دوننا وإياه تصبه لعنة الكاتبين... إن كانت الأولى فنعم... أما إن كانت الثانية، فتبا للقلم وما يسطرون؟

عدت وسألت روحي: ما بوح القلم حين يداري ما بوحه حين يجاري ما بوحه حين يتخفى كاللص بين النقط والحروف ولا يعلن الحقيقة وضاءة جلية ولا يقول للحق أنت حق وللظلم أنت ظلم وللظالم لك يوم أيها الظالم؟ ما بوح القلم حين لا يكتب ما تخفيه أسراره في نونه وألفه وداله وصاده وضاده وعينه وغينه وميمه وحاؤه ولامه وقافه وشينه وشينه وباؤه وياؤه وتاؤه وهمزه ولمزه؟ قالت روحي: أصبت إنها الحقيقة، ما جدوى ما يسطره القلم إذا لم يكتب ليصير العالم مركبة آمنة يستقلها الناس نحو النور وطريقا مستويا يقود إلى السعادة؟ دعك ممن يأخذه القلم كل مأخذ ويسيح به في كل واد ويقول كلاما ملغزا لا يشبه شيئا، ودعك ممن يستعمله ليقضي به حاجته ومن يستعمله ليسترزق به رغيفا.. فهؤلاء يبيعون كل شيء من أجل ذلك.. فحذار من صنف الكاتبين الذين يكتبون ولا يكتب لهم شيء، يملؤون الورق بكلام الزور الذي تنقضي صلاحيته سريعا ويملؤون جيوبهم بالدنانير الصفراء.

قلت لروحي: ألا يا روحي وقد شهدت على، لو تطاوعيني خذي أقلامي وحبري واطوي الصحف كطي السجل للكتاب، باكرا (شحال هادي) امتلأت الساحة بأدعياء الكتابة وبالشعراء الحواة والمغامرين بالكلمات والمهرجين ودعاة الرداءة من كل صنف وفصيلة.. لقد جفت الأقلام وطويت الصحف، فغادري الساحة واذهبي وحلقي بعيدا.. بعيدا في السماء...؟