الأربعاء 14 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

جمال المحافظ: تفعيل الجهوية المتقدمة يتطلب تغيير العقليات أيضا

جمال المحافظ: تفعيل الجهوية المتقدمة يتطلب تغيير العقليات أيضا جمال المحافظ

إن تنزيل ورش الجهوية المتقدمة باعتبارها رهانا على التنمية بمفهومها الشامل، لا يتطلب فقط إعادة النظر في النصوص القانونية والإدارية، رغم أهميتها، وانما يقتضى الأمر تغيير عقليات الفاعلين وفي مقدمتهم الأطراف المتدخلة في هذا الورش الجهوي الذي يقتضى إعادة توزيع جديد للمجال الترابي والانتقال من المقاربات الأمنية الي مقاربات ذات أبعاد تنموية متنوعة.

وهنا لن نستعرض المفهوم الدستوري والقانوني والاداري للجهوية المتقدمة، التي تعد رافعة للتنمية وللديمقراطية، من خلال عملية إعادة توزيع التراب الوطني على قاعدة 12 جهة مقابل 16 جهة، كما كان عليه الامر سالفا، ولكن سيتم التركيز على الدور الذى يمكن أن يضطلع به هذا الورش باعتباره يشكل تغييرا عميقا للدولة ورافعة للتنمية المستدامة، وذلك بالاعتماد على مخرجات الندوات الوطنية التي احتضنتها عدد من الجهات، كان آخرها التي نظمت على طيلة أول أمس الخميس بجهة بنى ملال خنيفرة تحت شعار "الجهوية رافعة للتنمية بمشاركة فاعلين مؤسساتيين ومنتخبين وخبراء واعلامين، وهي النقاشات العمومية التي اطلقت بمناسبة اصدار موسعة "دفاتر الجهوية المتقدمة" للإعلامي المخضرم الزميل محمد عبد الرحمان برادة.

وتعد الجهوية المتقدمة التي لا تقتصر على تدابير ادارية، وانما تعد ترسيخا للديمقراطية التشاركية بهدف ادخال اصلاحات عميقة، ومتواترة، ومعالجة كافة الاختلالات بعد رصدها وتشخيصها، وملائمة النتائج المحصل عليه مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية، نتيجة الثورة التكنولوجية، وهو ما يتطلب اعتماد الانتقائية في البرامج المسطرة، وفق رؤية جديدة تتغيا الرفع من القدرات التنموية ومراعاة التوازن بين الجهات 12 للبلاد، وأيضا الخصوصيات التي تميز كل واحدة منها.

غير أن هناك اتفاقا واجماعا من لدن مختلف الاطراف المتدخلة والمهتمة، على ضرورة الاسراع بتنزيل ورش الجهوية المتقدمة، لكن على أساس أن يتم ذلك وفق مقاربة تدريجية تنخرط كافة الفعاليات المنتمية الى تراب الجهة، مع توفير السلطات المركزية عنصري المرافقة والتأهيل وتوفير الإمكانيات المادية والموارد البشرية المؤهلة، حتى تتمكن هذه الجهات من رفع التحديات وربح رهانات هذا المشروع الحيوي.

فمختلف الدراسات حول الجهوية المتقدمة، تؤكد أن المشاكل بالجهات متنوعة، والخصاص كبير والفوارق المجالية متعددة، مما يتعين في المقابل ترجمة الارادة المعبر عنها على كافة المستويات والعمل على الاستفادة الفضلى والمعقلنة للمؤهلات التنموية المتوفرة بالجهات، والإنفتاح على الكفاءات والطاقات المحلية التي تزخر بها مختلف الجهات، عبر إشراك  كافة الفعاليات والشركاء خاصة منها المجتمع المدني.

ومن المفارقات التي  تعرفها الجهات يمكن إيراد مثال جهة بنى ملال خنيفرة، التي تتوفر على مؤهلات وموارد طبيعية واقتصادية ومعدنية على رأسها الفوسفاط الذى يمثل 70 في المائة من الانتاج العالمي، وتوفرها على ربع الإنتاج الفلاحي الوطني، وموارد مائية وبشرية مؤهلة في مجالات متعددة، إلا أن هذه الجهة ذات التاريخ العريق، الموارد المائية والمؤهلات الطبيعية، تسجل على المستوى الوطني أكبر نسبة من الفقر، خاصة منه متعدد الأبعاد.

ومن جهة أخرى، لا تخفى الأهمية البالغة التي يكتسيها ميدان البحث العلمي في المساهمة في تطوير ورش الجهوية المتقدمة، وهو ما يقتضى استثمار الطاقات والخبرات العلمية الجامعية بالجهات خاصة تلك التي تتوفر على بنيات استقبال أكاديمية، واحداث آليات فعالة للتعاون والشراكة والانخراط في الثورة الرقمية والتطورات التكنولوجية، بهدف تثمين المؤهلات الاقتصادية والبشرية.

كما يشكل  الارتقاء بمستوى التواصل مع الساكنة عبر جعلهم في صلب ورش الجهوية الموسعة، والذى لن يتم الا من خلال توفير الشروط المادية والمعنوية الكفيلة بانبثاق اعلام جهوي مهني لمواكبة هذا المشروع للمساهمة في تشكيل رأي عام  متابع ويقظ، ورفع تحديات التنمية المستدامة، وتسريع وتيرة الجهوية المتقدمة، والذى لن يتم إلا من خلال تناسق وتناغم السياسات العمومية والخاصة، واحداث اليات للحوار والتشاور قارة بين مختلف المكونات الترابية.

 فإقرار ميثاق اللاتمركز سيساهم في توضيح وعقلنة العلاقات بين المتدخلين على المستويين المركزي والجهوي، لرفع التحديات المطروحة وسد الخصاص الذي تعرفه العديد من المجالات، وخلق مزيد من الانسجام بين كافة المتدخلين وتكريس مبادئ الحكامة المجالية، مع ضرورة اعتماد التدرج والتحكم  في تنزيل الجهوية المتقدمة وتسلح كل القوى الحية بالعزيمة القوية من أجل ربح الرهانات المعقودة على هذا الورش الوطني الكبير.

وهذا ما يقتضى إدراج المسألة الاقتصادية في صلب رهانات الجهوية المتقدمة و العمل على تحسين نجاعة التدخلات العمومية، وذلك عبر عدة دعامات منها تطوير الاقتصاد الاجتماعي، واستكشاف المؤهلات التي تضمن إمكانات تمويل النمو، وابتكار أنشطة اقتصادية جديدة بالجهات واقتراح حلول مبدعة ومحفزة للنمو اعتمادا على آليات الذكاء الاقتصادي والنجاعة والتنمية المندمجة فضلا على إخراج مؤسسات التداول والحوار على المستوى الجهوي على غرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، تعزيزا للمقاربة التشاركية وتثمين الرأسمال الثقافي، مع الأخذ بعين الاعتبار بروز جيل جديد من المستهلكين بحاجيات مرتبطة بالاقتصاد النظيف والبيئة السليمة.

وانطلاقا من هذه الأدوار الجديدة، فإن الجهوية المتقدمة في حاجة ماسة إلى مواكبة إعلامية، لإبراز مختلف خصوصيات وقضايا الجهات، تكريسا لإعلام القرب، وهو ما يتطلب القطع بشكل نهائي مع الهواية والدعاية، مع التسلح بقواعد الاحتراف والمهنية واليقظة والفاعلية والمسؤولة الاجتماعية، والالتزام بأخلاقيات المهنة.

ولن يكون لهذا الاعلام تأثير على الرأي العام بالجهات وأداء رسالته، إلا إذا ما وضعت رهن اشارته المعطيات والمعلومات التي تهم الشأن الجهوي، وتيسير له العمل، إذ أن الصحفي الذي يشتغل بمهنية وبجدية ومصداقية، سيجد ولاشك في الجهوية المتقدمة، الامكانيات الكفيلة بتطوير أدائه في مجال إعلام القرب، وهو ما يجعل الأمل، معقود على أن يساهم هذا الورش، بالارتقاء بالعمل المهني للإعلام الجهوي الذى سيتمكن من القيام بمهامه، ليس فقط ليكون في مواكبة وخدمة مشروع الجهوية، ولكن أيضا في الاستجابة الي حاجيات الجمهور من قراء ومستمعين ومشاهدين، في الأخبار والتثقيف والترفيه. فبدون هذا لا يمكن الحديث عن أي انتقال ديمقراطي.