الأحد 18 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

نادية التركي: الإرهاب.. والساحات المستباحة

نادية التركي: الإرهاب.. والساحات المستباحة نادية التركي

اعتبر الاستعمار، ولزمن طويل، من أبشع أشكال استغلال الشعوب والاستحواذ على أراضيها وثرواتها، وتغيير ثقافاتها وحتى أديانها.

لكن الاستعمار، وربما ترجمة الكلمة للعربية جاء فيه شيء من الإيجابية وهي جزئية "عمار"، وهذا ما حدث فعلياً إذا ما حاولنا النظر بشكل واقعي ونزعنا عواطفنا وركناها جانباً لبعض الوقت.

بمجرد النظر حولنا في أغلب الدول التي كانت مستعمرة حديثاً من طرف البريطانيين، أو الفرنسيين، والغربيين عموماً، فسنرى أن أجمل الشوارع والبنايات والتي ما زالت بخير بناها "المستعمر"، كما ترك لنا جزءاً من التحضر الذي شهدته بلاده.

ولم يبخل علينا بتصميم وبناء السكك الحديدية والقطارات والموانئ، وغيرها من البنى التحتية التي سهلت انطلاق بناء الدول التي كانت تخضع للاستعمار.

كما تركت القوى "الاستعمارية" في السابق آثارها فوق الأرض وتحتها، وحتى الجبال حفرتها لتني وتمدد العمار، خلاصة ما أردت الوصول به أننا وبعد ما نراه اليوم في المنطقة من أحداث لا يمكننا إلا أن نعيد التفكير في "الاستعمار" قديماً وحديثاً ونراجع مواقفنا منه.

أين المستعمرون القدامى وقدراتهم القتالية، ودهاء استراتيجياتهم من المتآمرين الجدد، الذين تحالفوا لنخر بلداننا العربية وبث سمومهم الأيديولوجية لتهيئة آلة بشرية بلا وعي أو عقل، بل شباب بعمر الورد تعرضوا لغسيل ذهني عميق أفقدهم صوابهم وعائلاتهم وأوطانهم.

قطر، تركيا، وإيران، الحلف الجديد على منطقتنا، لم أنجح في تصنيفه أو مقارنته بالمستعمرين سواء القدامى، أو الحالات الاستعمارية التي شهدها القرن الماضي.

وجه ثلاثي الأبعاد، لجسد همه أن يضع قدمه على أراضي العرب والمسلمين، وأن يدمرهم تماماً.

أخطبوط يمدد أذرعه لينهل من دمائنا ليكبر دولياً ويصنع لنفسه حجماً.

والمرادف لكلمة استعمار قديماً اليوم هو تخريب ودمار، والسؤال الكبير هنا إلى أين يريد هؤلاء أن يذهبوا بنا؟

وأستذكر أننا كنا قبل سنوات من الآن عندما نجلس ونقيّم أوضاع المنطقة نصل إلى أننا في عمق الهاوية، لكننا الآن، ويوماً بعد يوم، نكتشف أن هناك مناطق أعمق وأشد ظلمة، وطرقاً على شكل متاهة يحاول الإيرانيون دفع بلداننا نحوها منذ عشرات السنين، وانضم لهم الآن أردوغان، وحمد الذي يحاول أن يثبت لنفسه أنه قادر على تحدي جيرانه وإخوانه الذين سندوا قطر ودعموها لسنين.

الوجه الثلاثي الأبعاد بتركيبته الذهنية المعقدة والمركبة، والتي لا انسجام فيها بالأساس، حيث تجمع بين حلم استنساخ الثورة الإيرانية لدول المنطقة، وحلم إنشاء إمبراطورية عثمانية، زائد حلم قطري رمادي لا خطوط أو استراتيجية له، ولا آفاق مستقبلية.

تركيبة ذهنية داخل رأس واحد مشوش لن يكون مصيره بالتأكيد إلا الانهيار.

وضعف بصيرة هؤلاء الذين يسعون بتحالفاتهم لإخضاع دول المنطقة وشعوبها وثرواتها، أعمتهم عن القوى الحقيقية.

المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات وبقية دول المنطقة التي تقف صفاً واحداً، لتجابه الزحف الإيراني والأطماع التركية والتمرد القطري.

القوى الحقيقية في المنطقة التي تعمل ليلاً ونهاراً على وضع استراتيجيات ورؤى إصلاحية، وخير دليل على ذلك رؤية المملكة السعودية لـ 2030، والتي يبدو طريقها واضحاً يسير عليه الأمير محمد بن سلمان والشعب السعودي الذي يتطلع للإصلاح بقوى واثقة ثابتة.

وما حققته دولة الإمارات داخلياً والإشعاع الدولي الذي جعل من كل إماراتي في أي دولة في العالم أن يقول "إماراتي وأفتخر".

ولا يفوت التذكير هنا بما تقوم به دولة الإمارات من جهود إنسانية في مختلف الدول التي دمرها الإرهاب، الذي كشف للعالم حالياً من وراءه ومن يدعمه، وخاصة من يرعى أصحاب الأيديولوجيات المتطرفة.

ومن يريد أن يرى إنجازات الإمارات في المجال الإنساني، يكفي عليه أن يرصد ما بنته من مدارس ومؤسسات إنسانية في اليمن، والتي خلقت حباً صادقاً من الشعب اليمني تجاه الإماراتيين رأيناه في عدة مشاهد مؤثرة على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي.

حلف الظلام عمل لسنوات تحت الأرض لينخرها ويجعلها هشة ليسقط أوطاناً في مآس ستمتد لسنوات، خلق مساحات دمرها واغتصب كرامة الإنسان فيها وقيمته ليستبيحها اليوم ويطلق فيها الإرهابيين الذين دعمهم وعمل على تغذيتهم عقلياً وإجرامياً.

استغلوا الدين لخلق ممارسات لا دين ولا أخلاق ولا إنسانية فيها، ويجب أن تتواصل كل قوى العالم بالتعاون مع دول المنطقة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات لوقف هذا النزيف، خاصة بعد أن عرف الجميع من الذي أنشأه وماذا يريد.

وفعلاً قد كان الاستعمار بمفهومه القديم إعماراً مقارنة بما نراه اليوم من دمار إنساني وميداني.