الاثنين 27 يناير 2020
كتاب الرأي

منعم وحتي: نساء على هامش الصفحة

منعم وحتي: نساء على هامش الصفحة منعم وحتي

منسيات الثامن من مارس، لا تذكرهن صالونات الاحتفالات بالذكرى، ولا تحتفي بهن رسمية البهرجة، لكنهن نساء ولدن من قلب نساء.. نساء لسن كالنساء في قاموس بعض النساء.. نساء تشد على قاعدة لا ندري أي يد آثمة وضعتها.. نساء وضعن على هامش مجتمع النساء.. وهن نساء من صُلب نساء.. فمن أحَلَّ وضع كلمات بالمؤنث، بعضها بالصفحة وبعضها على هامشها.

عاهرات منتصف الليل قسراً، يحتفظن بما تبقى من أنفتهن، رغم توحش المكان بفحولة مريضة، ينتفضن ما استطعن ضد انتهاك مهين للجسد في سوق لا ترحم.. فللروح حُرمتها، يمكن أن يتملكوا جسدا منهارا، تعلوه أصباغ المساحيق لا الروحَ، صراخهن الداخلي بملء جنبات المكان، لكنه لا يصل إلى حناجرهن، يوما ما سيَصمُّ آذان جزاري اللحم الآدمي عنوة، جزارون من طينة الذئاب.

عاملات الحقول المترامية على أطراف القرى، تحملهن الشاحنات منذ الفجر، أجساد مكدسة، يد عاملة رخيصة، ويُسْتَرْخَصُ الجسد بشكل مزدوج، حين تتربص أياد آثمة بأنوثتهن إكراها والصراخ ممنوع، وحين غروب الشمس، بعد يوم عمل منهك، تبتلعهن نفس الشاحنات، يختلط العرق بالتراب، لكن شدو أغانيهن الريفية تبدد انتهاك يوم مر وسط الذئاب.

فتيات دور الأيتام والخيريات، يقف العابر مشدوها أمام ذكائهن ونباهتهن، وتقاسيم وجوههن المبتسمة، والتي تخفي في ثناياها حزنا دفينا، شاءت الأقدار أن يفقد أحدهم آدميته ذات نزوة عابرة، ليلقي فلذة كبده على قارعة الطريق، لتُفْتَحَ باب جهنم على كل صنوف الرِّقِّ المعاصر، أجساد على مرمى كل السهام، لا يتنفسن ريح الهواء النقي إلا حين يقفزن من على سور الحديقة خارج المبنى، حذاري فالذئاب تتربص خارجا.

خادمات البيوت، ينتقلن كالفراشات، من المطبخ إلى غسيل الملابس، تأكل مساحيق النظافة أيديهن، إهانة من الصغار والكبار، فعهد القِنَانَةِ لم ينته بعد.. يظن البعض أنه آن لها أن تستريح بعد أن يأوي ساكنة القصر إلى فراشهم، لكن وحشية الليل أشد وطأة من انتهاك النهار، صمت القصور ليلا يخفي فظاعة اغتصابات مؤلمة، ويبقى الأنين حبيس جنبات امرأة، غالبا قاصرة، ورغم هزالة أجر النهار، فالليل غير مُؤَداً عنه، يقتسمه الأب والسمسار آخر الشهر، ذئاب اختلطت مع بعضها.

سجينات، نساء أيضا، فقدن حريتهن، لكن لم يفقدن آدميتهن، يبددن رطوبة الجدران وصدأ القضبان الحديدية، حين يخلقن أجواء الفرح من لا شيء، أيام السبت، حين تذكر تواريخ الميلاد والأعياد، دقات كؤوس على الأعمدة الحديدية للأسرة، وجو البهجة وحتى الأعراس تملأ المكان.. أليس لهن نصيب من الفرح أيضا، سطوة السجن والسجان تحاول نزع الانتماء إلى مجتمع النساء عنهن، ويمكن أن تصادف في الردهات والممرات المظلمة للسجن ذئبا آدميا ينتظر سقوط فريسة سهلة.

نساء أَلِفْنَ، ضرب المسافات الطِّوال، صحارٍ و جبالا، أرجل متشققة، من شدة البرد القارس وسطوة الحر، أجساد نحيفة، من أجل جرة ماء يطوين الأرض مشيا، أحزمة الحطب قوست ظهورهن، وأحيانا تشاء الأقدار أن تنضاف الأشغال الشاقة على حمل الرضيع على ظهرها كل هاته المسافة، فلا يمتص جزء من اعتصار ألم القسوة المُوَجَّهَةِ، إلا طفلها يبادلها همهماته الرائعة طول الطريق، طريق وعرة لا تخلو من ذئاب أيضا.

فلنتذكر ونحن نقتسم كعكة الاحتفال بنساء الأرض، أن هناك نساء غير النساء ومن جنس النساء، فلنحتفل حتى بالنساء اللواتي على هامش الصفحة، فقد يستحقن مكانة أرحم على واجهة الصفحة.

كل احتفال وأنتن بألف خير، فأنتن أكثر من نصف المجتمع..