الخميس 15 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

عبد الرحمان العمراني: خذوا الحكمة من أفواه أهل البلد البسطاء

عبد الرحمان العمراني: خذوا الحكمة من أفواه أهل البلد البسطاء عبد الرحمان العمراني

في مثل هذا اليوم من السنة الماضية، لبى داعي ربه أخي الأكبر عبد الله العمراني، عن سن التاسعة والسبعين. كان رحمه الله حكيم العائلة وحافظ شواهد تاريخ قبيلة بني كرفط بمداشرها الستة عشر. يحكي ملامح رجالاتها في مقاومة الاستعمار الإسباني، عاصر هو نفسه طفلا بعض تلك الملاحم في نهاية الأربعينيات. وحكى له  جده الشيخ عبد السلام بعضا من حكايات ذلك المجد البطولي .

من أخي عبد الله عرفت مثلا، أن جدي من جهة أمي، وكان اسمه الطيب، توفي برصاصة قاتلة في كمين نصبه قناصة الجنود الإسبان الذين كانوا يتعقبون رجال المقاومة ممن رفضوا  التسليم بالأمر الواقع. واستمروا في المقاومة الى حدود سنة 1917.. توفي شهيدا في غابات مدشر بوهاني.

عاش أخي عبد الله معظم حياته في البادية، مع فترات متقطعة عاشها في القصر الكبير والعرائش وطنجة، درازا ماهرا يتقن نسج خيوط الصوف والحكي المتأني عن منجزات عبد الناصر والقومية العربية وحلف بغداد وحرب فلسطين وحروب السويس وهزيمة 67 وفترة اختطاف الشهيد المهدي وخطاب اليوسفي في ساحة سينما، كالدوس في القصر الكبير في انتخابات 1963. ومحطات أخرى من ذلك الزمن. بالكاد كان يقرأ ويكتب مثل بعض أفراد جيله ممن ترددوا في صباهم على المسيد.

لم يجد أي حاجة إلى من يدله على الالتزام السياسي. انتمى عاطفيا للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ثم الاتحاد الاشتراكي دون بطاقة أو شكليات تنظيمية. أذكر أننا حينما غادرنا سفينة الاتحاد التنظيمية بسبب الانحرافات التي حصلت، كان يقول لنا اصبروا ولا تتركوا الساحة لمن يريد المقامرة بالتاريخ .

كان رحمه الله عقلانيا يميز بين متطلبات العقيدة وعالم السياسية والاقتصاد.. لائكي شعبي باقتناع.

أذكر، ونحن على مأدبة عشاء في مدشر بوهاني، أنه جادل أحد الحاضرين الذين بدأ من كلامهم أنه متعاطف مع الأصوليين والملتحين متأثرا بما يسمعه في القنوات المشرقية: اسمع يا أحمد راهم ما يعرفوشي يسيروا البلدان والاقتصاديات الله يهديك آحمد. ثم أضاف بلهجة جبلية جميلة: هاد الشي خصو العلم والقراية شماش تقيلك اللحية بوحدها؟؟؟!! ههههه.

أذكر أنه قال لي مرة بأكبر الجدية التي يمكن تصورها، وهو يتحدث عن أحد أعضاء مكتب فرع الاتحاد الاشتراكي بالعرائش كان بدينا: "شوف اخاي عبد رحمان ما يمكنش يكون الواحد اشتراكي وهو غليظ بزاف.. ههههههه. وحينما ألححنا عليه أن يذكر أسبابه في قوله هذا، كان رده أن التفكير في الآخرين -وهو عصب الانتماء الاشتراكي- لا يمكنه إذا كان موجودا عندك أن يتركك تغلظ.

رحمك الله أخي عبد الله وأسكنك فسيح الجنان .

كنت نموذجا لأهل بلدنا البسطاء الناطقين بالحكمة، والعقلانيين تلقائيا، والمتدينين بما يرضي الله ولا يحطم العقل.