الاثنين 24 سبتمبر 2018
سياسة

المفكر محمد سبيلا يفكك بنية الإرهاب ويكشف عناصرها الأربعة

المفكر محمد سبيلا يفكك بنية الإرهاب ويكشف عناصرها الأربعة محمد سبيلا

لا تقابل حدة الإرهاب وعنفه غير الرحيم إلا الحيرة في تصنيفه وتدقيق مكانته الإبستمولوجية، وهي حيرة غير بريئة، لأن الكل يحاول إبعاد شبح الإرهاب عنه ونسبته إلى الآخرين؛ أفراداً أو مؤسسات أو ديانات أو ثقافات وإيديولوجيات، وكأن الإرهاب واقع، وواقع عنيف، لكن الفاعل مجهول الهوية.

هل الإرهاب ابن ثقافة معينة أو دين معين أو إيديولوجيا معينة أو دولة (أو دول معينة)؟ هل هو سليل سياسات معينة أو مؤسسات معينة؟ هل هو صناعة غربية منسوبة إلى الشرق وممسوحة فيه غصباً؟، هل هو ابن دين معين رغم أن هذا الدين يتبرأ من الإرهاب صباح مساء؟

هل الإرهاب نتيجة «أفكار» أم آراء إيديولوجية أم نتيجة أمزجة خاصة إيديولوجية؟ أم هو نتيجة أوضاع بؤس اقتصادي ويأس سياسي وألم الفقر وانسداد الأفق؟

هذه التساؤلات ليست تجديفاً أو افتعالاً وتمويهاً، بقدر ما هي تشكُّكات وتأملات نقدية في هذه الظاهرة؛ استشراء الإرهاب واستفحاله، وفي الوقت نفسه التبرؤ منه وتعتيم صورته وقصدية إخفاء مصدره؛ هل هو النص الديني أم الشرط الاجتماعي أم الشرط النفسي أم التخطيط المخابراتي أم اليأس والكلم النفسي المتجذِّر في وعي الفاعل؟

النص الديني، السياق الاجتماعي والثقافي السياسة (المخابراتية)، الأعراض النفسية المرضية، التطور الهائل لتكنولوجيا المعلومات والقدرة على التمكن منها وتسخيرها (الشبكة العنكبوتية العالمية)، توافر إمكان الحصول على أكثر أنواع الأسلحة تطوراً.

أو بعبارة أخرى، من هي الحاضنة المفرِّخة للإرهاب من بين هذا الثالوث، هل هي السياسة أم الدين (أو الإيديولوجيا الدينية) أم التقنية، وأيها هي المؤطرة للفاعل الذي هو العنصر الرابع المركزي في هذه البنية؟ وكل عنصر من هذه العناصر يتضمن ويفترض تعبئة فرد أو أفراد لاقتراف الفعل الإرهابي؛ فالفاعل هو الذي يموت أو يقبل أن يموت ويضفي على موتة القاتل هالة قدسيَّة وهمية، حيث يسمي نفسه شهيداً وبطلاً دينياً أخروياً.

السياسة (التخطيط) والدين (الثقافة) والتقنية (الأدوات) والفاعل تشكل رابوع الإرهاب. كل عناصر البنية عناصر فاعلة بما فيها الفاعل نفسه الذي ليس مجرد شاشة أو أداة أو مرآة، بل هو كيان تتفاعل فيه العناصر النفسية والإيديولوجية والدينية والتقنية وتنتظر لحظة الاقتناع والقرار بالتنفيذ. فموافقة الفاعل واقتناعه، وبالتالي التزامه بالتنفيذ عنصر أساسي في هذه البنية الرباعية، بل هو شرط اكتمالها وإنجازها.

السياسة كقرار وكقناعات فكرية أو عقدية أو إيديولوجية هي الروح المؤطرة للمشروع الإرهابي والدينامو المحرك له عبر تمويلات وتخطيطات ورسم مراحل وأهداف.

الدين والإيديولوجيا هي الطاقة النووية الثاوية في المشروع، وهي التي تعطيه زخماً وشجاعة، وترفع القتل والتخريب والإبادة إلى مستوى أهداف استراتيجية كبرى، بل إلى مستوى كونها قيماً ومثلاً عليا سامية تهون بها ومن أجلها الحياة الفردية الفانية.

فكل عناصر البنية تتكامل وتتشارط وتتلاحق أو تتجاور حسب السياقات في اتجاه الإنجاز الباهر والبطولي لفعل دنيوي مشحون ومطليّ بدلالات أخرويّة ساحرة.

إن الرؤية الموضوعية الشاملة للإرهاب بكل عناصره، وبكل مستوياته، تتطلب وتقتضي جرأة في فهمه، وذلك بتقصد ثناياه الذاتية.

لكن الوعي العربي يجد نفسه ميالاً بشكل تلقائي إلى «إنكار» التهمة عن نفسه، بقصد أو بغير قصد، تبرئة للذات ودفاعاً عن صورتها النرجسية - الثقافية عن ذاتها، وتلك هي النقطة الحرجة والمحرجة لوعي يود أن يكون راديكالياً وشمولياً. والحال أن هذا العائق الذاتي هو من القوة والتمكن بحيث يلقي ظلالاً وخيوط تمويه على الصورة.

القضاء الجذري على الإرهاب يتطلب مجاوزة العائق الذاتي وإدماجه ضمن التصور الشمولي الذي يخدم الوعي التاريخي الحاد الذي بدونه لن يخطو التاريخ أية خطوة إلى الأمام، إلا أن الوعي التاريخي هو، في عمقه، وعي نقدي، ذاتاً وموضوعاً.

(عن "الاتحاد" الإماراتية)