الأحد 23 سبتمبر 2018
اقتصاد

زهرو: تضارب إحصائيات الحليمي والعثماني دليل قاطع عن غياب التنسيق بينهما

زهرو: تضارب إحصائيات الحليمي والعثماني دليل قاطع عن غياب التنسيق بينهما رضوان زهرو (يمينا). والعثماني أعلى صورة الحليمي

يطرح اليوم جدل مثير حول تباين الرؤى الذي يصل إلى حد التناقض بين أرقام سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، و أرقام لحليمي، المندوب السامي للتخطيط، بخصوص نسبة النمو وتداعيات تعويم الدرهم وغيرها، الشيء التي يجعل المواطن يحتار في اختيار أصوبها. "أنفاس بريس" اتصلت برضوان زهرو، أستاذ الاقتصاد بكلية الحقوق بالدار البيضاء، وناقشت معه الموضوع في إطار الحوار التالي :

- إلى ماذا يعود التضارب في نظرك بين الإحصائيات التي تمدنا بها المندوبية السامية للتخطيط من جهة والإحصائيات الحكومية من جهة ثانية ؟

حينما تتحدث الحكومة اليوم مثلا عن الأثر الإيجابي لنظام الصرف المرن أو حتى التحرير الكامل لصرف الدرهم على الطاقات الإنتاجية وبالتالي على نسبة النمو في بلادنا، فهي لا تفسر لنا هذه العلاقة السببية، كيف تتم؛ فنسبة النمو كما أعلم تخضع لعناصر بنيوية عديدة ذات أهمية بالغة يجب توافرها، بل أكاد أقول بٱن الشكل الذي يأخذه نظام الصرف قد تكون له نتائج عكسية بالنسبة لمعدل النمو تحديدا.

إن التضارب في الإحصائيات بين المندوبية السامية للتخطيط والإحصائيات الحكومية لا يمكن أن يفسر إلا بكون المؤسستين يشتغلان من دون التقائية، ومن دون تنسيق كاف بينهما أو حتى تبادل للمعطيات والخبرات أو استثمار أو استفادة من الجهود والتجارب من كلا الجانبين؛ فلكل دراساته ولكل منهجيته في العمل ولكل بداياته ومنطلقاته ولكل إكراهاته واعتباراته ولكل تصوراته ومنظوره ومقارباته وبالتالي لكل نتائجه وتوقعاته.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن للإحصائيات إلا أن تكون مختلفة ومتفاوتة، مع العلم أن الجهاز المتخصص هنا في جمع المعطيات وتحليلها ونشر الدراسات ورسم التوقعات وكذا مساندة الحكومة في اتخاذ الإجراءات والسياسات يبقى هو المندوبية السامية للتخطيط.

هذه الأخيرة لها من التجربة المتراكمة ومن الأطر العليا ما يمكنها من العمل بكفاءة ومهنية كبيرتين؛ فهي من المفروض أنها غير مرتبطة بأجندة سياسية أو اعتبارات تتعلق بالميزانية (على غرار الحكومة السابقة مثلا التي أكد المجلس الأعلى للحسابات مؤخرا بأنها كانت تقدم لنا أحيانا معطيات ومؤشرات غير دقيقة) والتي قد تدفعها للتعامل مع المعطيات بطريقة غير محايدة وغير موضوعية. هنا يجب أن ننوه، بالدراسات المقارنة التي تنجزها المندوبية وبالندوات وحلقات التفكير التي تشرف عليها في الكثير من القضايا الاقتصادية والاجتماعية وكذلك بالتواصل المستمر مع وسائل الإعلام، وبدورية وانتظام المنشورات التي تصدرها وكل ذلك يحسب للمندوبية من دون شك وللأطر العاملة بها.

لكن السؤال الذي يبقى مطروحا هو مدى صحة وموضوعية وقيمة كل هذه المعطيات والإحصاءات ومدى استقلالية النتائج والتوقعات المترتبة عنها؟ فالمشكل لا يكمن في دقة المعطيات من عدمها؛ بل المشكل يكمن أساسا في السياسات العمومية التي تعتمد على مثل هذه المعطيات التي قد تكون غير دقيقة والتي قد تعطي الانطباع بأننا في وضع اقتصادي واجتماعي جيد، والحقيقة غير ذلك. وهنا يكمن الخطر الحقيقي وسوء التقدير الكبير؛ فلتغيير الواقع ولرسم برامج وسياسات ناجعة ومناسبة لابد من أن ننطلق من معطيات دقيقة وحقيقية وليس من أرقام ومؤشرات مغلوطة مهدئة ومنومة.

لهذا أعتقد أن خلق جهاز مستقل أو عدة أجهزة مستقلة للإحصاء، إلى جانب المندوبية السامية للتخطيط، أمر جيد بل مطلوب وأساسي، لكن هذا يتطلب التوفر على الأطر الكفأة وعلى موارد مالية مهمة ويتطلب قبل هذا وذاك استقلالية تامة عن أي جهة كيفما كانت رسمية أو غير رسمية، عمومية أو خاصة، حزبية أو سياسية نقابية أو اقتصادية. إن موضوع الاستقلالية يعتبر بالأهمية بمكان؛ فبدون استقلالية لا يمكن أن نتحدث عن معطيات مستقلة أو إحصاءات محايدة أو نتائج صحيحة وحقيقية.

- ما هو السبيل إلى كسب ثقة المواطن في الإحصائيات التي تقدمها المندوبية السامية للتخطيط والتي تقدمها الحكومة ؟

الأمر يتعلق أساسا كما سبق وأشرت إلى ذلك بسياسات عمومية وبإجراءات وبرامج وحلول يأتي بها المسئولون وصناع القرار في جميع الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أكثر مما يتعلق الأمر بالمواطن العادي الذي غالبا مالا يكثرت ولا ينتبه إلى طبيعة الإحصائيات التي تقدمها المندوبية السامية للتخطيط أو مدى صحتها أو تفاوتها مع ما تقدمه الحكومة من إحصائيات؛ فالذي يهم المواطن أكثر وبالدرجة الأولى هو أن يرى هذا المواطن أحواله تتحسن وقدرته الشرائية تتطور وأن ينعم بالأمن والاستقرار وأن يطمئن على مستقبله ومستقبل وطنه.

إن الذي يولد الثقة تجاه المؤسسات كيفما كانت طبيعتها هو استقلاليتها؛ الاستقلالية في البرامج وفي الموارد المالية وفي القرارات، لأن ذلك وحده هو الذي يضفي على هذه المؤسسات ويمنحها طابع المصداقية في كل شيء، في مؤشراتها وتحليلاتها ونتائجها وقراراتها. إن المشكل الأساسي هنا ليس هو التفاوت بين إحصاءات المندوبية السامية للتخطيط و إحصاءات الحكومة ولكن في دقة هذه الإحصاءات ومدى حيادها والتي قد تترتب عليها سياسات عمومية أو برامج تنموية قد تكون غير ملائمة.

هنا يمكن أن نتساءل عن دور المندوبية السامية للتخطيط وعن سلطتها أو على الأقل مجالات اختصاصاتها في المستقبل (وبالمناسبة، فالمندوبية بصدد إعداد مسودة قانون يعطيها صلاحيات ٱكبر) إلى جانب المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي أريد له أن يكون هيئة استشارية لمؤسسات الدولة المختلفة، تقدم المعطيات والمؤشرات والدراسات والتحليلات، بهدف رسم سياسات اقتصادية واجتماعية تناسب بلادنا؛ هذا المجلس الذي من المفروض أنه متوازن في تركيبته، ديمقراطي في قراراته، موضوعي في تحليلاته، ومنفتح على جميع الكفاءات، وما أكثرها التي تزخر بها بلادنا.

ويبقى إحداث المجلس الاقتصادي والاجتماعي بمثابة مختبر، لتحليل وصياغة القرارات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، في غياب المراكز البحثية الموازية، القادرة على إنتاج وتطوير الفكرة الاقتصادية الوطنية، وتكوين مراكز علمية للاستشارة والاقتراح، أمام صناع القرار السياسي والاقتصادي.

يشار في هذا الصدد إلى أنّ الملك محمد السادس كان قد أعلن في خطاب العرش لسنة 2003 عن نيته في إنشاء المجلس الملكي للدراسات الاستراتيجية كمركز للتفكير والتحليل الإستراتيجي، وبالفعل تمّ نشر الظهير المؤسس للمجلس في سنة 2008. بيد أنّ اختصاصات هذا المجلس بقيت محدودة، مقارنة بتلك المسنودة مثلا للمعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية المعروف بـ: "Chatham House" الذي تشمل مهامه، إلى جانب الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية، دراسة المناطق الجيوسياسية الدولية والاقتصاد الدولي والقانون الدولي...