الجمعة 16 نوفمبر 2018
اقتصاد

د. عزيز خمريش: فشل النموذج التنموي سببه عدم توزيع الثروة الوطنية بشكل عادل

د. عزيز خمريش: فشل النموذج التنموي سببه عدم توزيع الثروة الوطنية بشكل عادل عزيز خمريش

في ظل تنامي الاحتجاجات، وتزايد مطالب الجماهير، أصبحت الحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى إلى تجاوز الإسهال في عملية التشخيص والانتقال المباشر إلى تحليل المعطيات بشكل علمي رصين في أفق إيجاد الحلول البديلة والمتاحة لإخماد الحرائق والقلاقل الاجتماعية التي تهدد استقرار البلد، ولن يتأتى ذلك إلا بخلق وإبداع البدائل الواقعية، طبعا في إطار المغرب الممكن.

تأسيسا على ذلك، وبعد أحداث الحسيمة وجرادة، أضحى الخطاب الرسمي يقر بوجود أزمة حقيقية في المغرب، بعيدا عن سياسة المراهم والمساحيق التجميلية، وهذا يحيل بالضرورة إلى أن الحركات الاحتجاجية أعادت النخب والمثقفين إلى واجهة الأحداث من أجل المساءلة لقراءة وتفكيك إشكالية العلاقة المهيكلة لطبيعة التوتر بين السياسي والأكاديمي.

من هذا المنطلق، تبدو المفارقة غريبة نوعا ما.. ففي فترة الخمسينيات والستينات أفرزت المرحلة نخبا حقيقية كانت قادرة على الجهر بالحقائق لأنها تمتلك الجرأة والحس النقدي والتصورات الاستباقية البعيدة المدى لمقاربة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المغرب.. نسوق على سبيل المثال لا الحصر بعض النماذج الدالة مثل علال الفاسي، المهدي بن بركة، عبد الرحيم بوعبيد، علي يعتة، أحمد بوستة، وآخرون.

لكن شتان بين نخب الأمس واليوم، فبعدما أصبحت فرص المعرفة متاحة للجميع من خلال تعميم الجامعات والمعاهد والمدارس العليا، رغم ذلك، صنع المشهد السياسي بنية حزبية متدهورة ونخبا سياسية عرجاء معطوبة معتمة ترفع شعار التقدمية كذريعة للانتهازية ومطلب الإصلاح كمطية للانتفاعية والتسلق.. إذ لا يمكن لعاقل أن يقارن بين علال الفاسي وبنكيران، وبين اليوسفي وشباط وإلياس العماري، لأن عناصر المقارنة معدومة أصلا شكلا ومضمونا، حسا ومعنى.. مرد ذلك أن الدولة عملت بكل الوسائل على إنتاج الخراب السياسي من خلال فبركة "روبوات" بشرية مكيفة بيولوجيا وسياسيا مدجنة على المقاس، بالإضافة إلى إفراغ التنظيمات السياسية من المفكرين والمثقفين دون أن تدري أن إضعاف الأحزاب يسهم في إضعاف الدولة.. أما تفسير أسباب فشل النموذج التنموي، فيعود بالأساس إلى الفراغ الفكري المهول الذي تعانيه معظم النخب التي تدبر الشأن العام، إذ تجد نفسها عاجزة بشكل كلي ومطلق على ابتكار الحلول وسن التدابير الكفيلة بالاستجابة لانتظارات المواطنين. كما أن كذبة محاسبة بعض الوزراء ومسرحية إعفاء بعض الولاة والعمال بشكل انتقائي انتقامي أصبحت لعبة مكشوفة لن تنطلي على أحد، لأنها غير عادلة ولا منصفة ولا ديمقراطية ولا دستورية، على اعتبار أن هؤلاء مجرد تكنوقراط أدينوا قبل محاكمتهم، على اعتبار أن الأمر يقتضي الذهاب إلى أبعد من ذلك، بمساءلة ومحاسبة السياسات العمومية ككل وفق مقاربة شمولية غير تجزيئية، من ثم يمكن التأسيس لأطروحة عميقة مفادها: أين ذهبت ثروة المغاربة؟ هل استفاد منها الجميع، أم ظلت حكرا على بعض الفئات فقط؟

السؤال الإشكالي يحمل في طياته عناصر الجواب، باعتبار أن الطبقة السائدة اقتصاديا هي المهيمنة سياسيا بوجود عائلات معدودة على رؤوس الأصابع تحكم المغرب وتستفيد من خيراته في غياب تام للعدالة، الضريبة والمساواة في تحمل الأعباء العامة، بالإضافة إلى الإجهاز على مجموعة من المكتسبات منها إغراق الصندوق المغربي للتقاعد في متاهات الإفلاس وضرب القوة الشرائية للمواطن وتدمير الطبقة المتوسطة والالتفاف على مجانية التعليم.. لذلك فإن فشل النموذج التنموي، إن كان هناك نموذج أصلا، مرده عدم توزيع الثروة الوطنية بشكل عادل واصطفاف الدولة إلى جانب وحوش العقار ولوبيات المقالع والمناجم والصيد في أعالي البحار والنخب السياسية الفاسدة التي تتاجر بهموم المواطنين على حساب الطبقات الهشة والمستضعفة، أما إشكالية ربط المسؤولية بالمحاسبة فهي الأخرى تم تغليفها بالخصوصية المغربية حتى أضحت مفهوما مشوها، من يحاسب من؟ وكأنه لا جديد تحت الشمس، باعتبار أن التعريف الدقيق لهذا المقتضى الدستوري يقتضي عدم الجمع بين الثروة والسلطة، بل إن ثروات خدام الدولة كإثراء غير مشروع بدون سبب، تبقى جد معبرة.

تبويبا لذلك، من المسؤول عن إعداد ومواكبة وتنفيذ وتقييم ميثاق التربية والتكوين والمخطط الاستعجالي الذي استنزف أغلفة مالية مهمة ولم ينتج إلا ثقافة التضبيع والضباع، بالإضافة إلى شرائح واسعة من المعطلين.. من ثم لا يمكن الحديث عن التنمية بمفهومها الشامل في ظل مخططات رهيبة تفرض على الدولة رفع يدها عن قطاعات حيوية استراتيجية، منها الصحة والتعليم استجابة لإملاءات المؤسسات المالية الدولية، مما يفضي في نهاية المطاف إلى فقدان استقلالية القرار السيادي على المستوى الاقتصادي والمالي بجعل الاقتصاد الوطني رهينة لتوجهات صندوق النقد الدولي.. لذا، فالسياسة الحقيقية هي سياسة الحقيقة، ولا يمكن رسم خط مستقيم في فضاء معوج.

- عزيز خمريش، رئيس شعبة القانون العام كلية الحقوق سطات