الخميس 25 إبريل 2019
كتاب الرأي

د. عبد الوهاب تدمري: قراءة في دلالات الحراك الاجتماعي وفي أسباب تغول الدولة

د. عبد الوهاب تدمري: قراءة في دلالات الحراك الاجتماعي وفي أسباب تغول الدولة د. عبد الوهاب تدمري

بعد كل ما شهدناه ونشهده من تحولات تهم النسيج الاجتماعي المغربي، وما يتمثله من وعي جمعي يقطع مع انماط التفكير والعمل السياسي  التقليدي، وما نشهده من تصاعد لوتيرة الاحتجاجات الشعبية التي ارتفعت وتيرتها بشكل كبير مقارنة مع السنوات الماضية، التي فاقت 6 آلاف حركة احتجاجية في النصف الأول من سنة 2017. وهي في غالبيتها ذات بعد اقتصادي واجتماعي وثقافي، كما أنها في أغلبها حركات منفلتة عن الدولة والأحزاب والنقابات، التي عادة ما كانت هي من يؤطر هذا النوع من الاحتجاجات بأبعادها السياسية والاقتصادية. بل إنها أصبحت الآن في موقع الاتهام والتخوين والتواطؤ من طرف القيادات الشبابية لهذه الحركات التي أصبحت أكثر إصرارا وعنفوانا، استعدادا لتقديم التضحيات، خاصة وأنها ليس لديها ما تفقده من مصالح وامتيازات، ولا ترى في المؤسسات المنتخبة أو الحزبية إلا تكريسا لواقع الفساد العام الذي يعيشه المجتمع المغربي.. ولنا في حراك الريف نموذجا وتعبيرا صارخا عن ما سبق ذكره، وليس استثناء كما تريد النخب المركزية المسماة حداثية أو المنحدرة من التركيبة المخزنية العتيقة تسويقه لعموم المغاربة .

لأن الأسباب الموضوعية وراء اندلاع هذه الاحتجاجات الاجتماعية لا تخص الريف وحده، بل تهم كل جهات الوطن، بحكم أنها نتاج سياسات عمومية  فاسدة وفاشلة في شقها الديموقراطي والتنموي، كما أن هذه الأسباب ما فتئت تتفاقم في غياب رؤية استراتيجية للحل الشامل تروم إلى الوقوف بالجرأة اللازمة  على مكامن الخلل في مسار التجربة السياسية والتنموية لدولة ما بعد الاستقلال. وأن اللجوء الممنهج للمقاربة الأمنية، وتغول الدولة واستقواءها علي مواطنيها ومواطناتها، ليس الية مضمونة لضمان استقرار الدول والمجتمعات، وليس آلية فضلى لحل وتدبير الأزمات الاجتماعية والسياسية. بل إن الحوار المجتمعي العقلاني الشامل هو السبيل إلى إيجاد مفردات العقد والحل عندما تشتد الأزمة التي يمكن أن تعصف بالدولة والمجتمع معا كما هو حال المغرب حاليا .

- في الخطاب والاليات.

إننا ومن خلال رصدنا لطريقة تدبير وتأطير هذه الحركات الاحتجاجية من طرف نشطائها وقادتها الميدانيين، وما أفرزته من خطاب سياسي جديد، في ظل غياب وتراجع أدوار المثقفين العضويين، وهي الخطابات التي حتى وإن بدت سطحية وبسيطة في تحليلاتها لواقع الأزمة، إلا أنها مصيبة في تشخيصه إلى حد كبير. أو حتي مهاجمة ومعادية لكل ما له علاقة بالدولة ومؤسساتها ومبخسة للأحزاب والحكومة والبرلمان وحتى المثقفين، إلا أنها ناجحة في إقناع شرائح واسعة من المجتمع، خاصة الشباب منهم بعدم جدواها، بل ومسؤوليتها فيما يعيشه المجتمع من أزمات اقتصادية واجتماعية.. أو حتى غير منظمة ومعادية للتنظيم، وتفتقد إلى التجانس في خطاباتها بحيث تكون جامعة لمواقف قد تصل حد التناقض،  إلا أنها كانت موفقة في استعمال الرموز الثقافية  والتاريخية وما تختزنه الذاكرة الجماعية بما تتميز به من خصوصيات محلية علاقة بقيم التحرر والمقاومة من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية .

كما أن هذه الحركات الاحتجاجية، حتى وهي تتسم بنزعة عدائية، وفاقدة للثقة تجاه  الجميع، إلا أنها متميزة وناجعة، سواء اتفقنا او اختلفنا حول ما شاب بعضها من خطابات شعبوية وغوغائية، إلا أنها أبدعت علي مستوي الاشكال والآليات، أابانت عن قدرة هائلة على التعبئة والتواصل مع شرائح واسعة من المجتمع التي تتقاسم في ما بينها نفس الاهتمامات ونفس الأوضاع، والتي تعتبر في غالبيتها غير مؤطرة بفعل تراجع الأحزاب والمثقفين عن وظائفهم وأدوارهم التاريخية، و فاقدة للتجربة السياسية، إلا أنها راكمت في ما بينها نفس اللغة السياسية البسيطة المستمدة من وعي حسي مشترك.. ونفس الخطاب الشعبي الذي توحده نفس المعاناة رغم ما صاحبه من شعبوية زائدة في بعض الحالات.. وذلك من خلال وسائل ووسائط منفلتة عن رقابة الدولة التي طالما أرهقت وحاصرت بها هذه الاخيرة، من اعتبرتهم خصومها السياسيين، خاصة الشبكات العنكبوتية وشبكات التواصل الاجتماعي التي أصبحت في متناول الجميع خاصة  فئات الشباب الذين هم خير من يحسن استعمالها بكل ما تتيحه لهم هذه الوسائط من انفتاح وتواصل مع بعضهم البعض ومع  العالم الخارجي.

إن هذه الحركات الاحتجاجية قد بدأت فعلا في رسم مسارات خاصة بها بعيدا عن الإيقاع والإطار العام المنظم لها، والذي كانت الدولة قد رسمته لها منذ عقود بكل ما يمثله هذا الإطار العام  من  مسارات ومن نماذج جاهزة للممارسة السياسية والنقابية التي أطرت الفعل السياسي والاجتماعي بالمغرب لمرحلة طويلة طبعتها التوافقات السياسية التاريخية بين اقطاب الحركة الوطنية والقصر، والتي كانت من نتائجه حصيلة ثقيلة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان، وغياب الديموقراطية، وتدجين الأحزاب وفشل لكل شعارات التنمية لدولة ما بعد الاستقلال.

إنه واقع جديد يفرض علي الدولة كما على النخب الفكرية الجديدة، وعلي أي فاعل سياسي مستقبلا، مراجعات جذرية وعميقة لمجموع تصوراته المذهبية والسياسية والتنظيمية.

- في فهم تغول الدولة وارتكانها إلى المقاربة الأمنية

من أجل فهم تغول الدولة تجاه هذه الحركات الاحتجاجية وما صاحبها من انتهاكات ممنهجة وصارخة لحقوق الانسان وعدم جنوحها إلى الحوار من أجل ايجاد الحلول للمعضلات المتعددة التي يشهدها المجتمع المغربي، كان لا بد من استحضار الاطار العام الذي يمكن أن يساعد على فهم أسباب هذا التغول الذي إن استمر على حاله، سيعصف لا محالة بالاستقرار والسلم الاجتماعي بالمغرب. إنه الإطار الذي، يستند في فلسفته السياسية على مبدا الوصاية الذي مارسته ولا زالت تمارسه النخبة المركزية على الشعب والمؤسسات، والذي يبقى دائما قاصرا وغير مؤهل للإشراك في تقرير مصيره الاقتصادي والاجتماعي والسياسي حسب اعتقادها، وهو كذلك ما ينتفي ومبدأ الحوار، الذي يستند في فلسفته على مفهوم الأخوة، والذي يعتبر آلية تشاركية تروم الى إشراك المجتمع في تقرير وصناعة السياسات العمومية التي تهم مستقبله ومصيره على كافة المستويات، وبالتالي العمل على إيجاد آليات قانونية ودستورية لملء الفراغات التي هي من نتاج ما "يسمى بالديمقراطية  التمثيلية" التي أصبحت هياكلها من احزاب ومؤسسات منتخبة جزءا من الأزمة وفاقدة للمصداقية، وغير قادرة على مسايرة التطور المجتمعي ومتطلباته من الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والتنمية. وذلك بدل التعنت والرهان علي المقاربة الأمنية، أو ما تختزنه الدولة من بنيات ومؤسسات فاشلة ومرفوضة من طرف المجتمع، والتي هي في حاجة إلى مراجعات وتغييرات جذرية.

بعد كل هذه التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي، التي تظهر مدى الهوة التي ما فتئت تتسع بين الدولة من جهة، والمجتمع من جهة أخرى، والتي تبين أن النموذج السياسي والتنموي الذي قامت عليه الدولة منذ الاستقلال إلى الآن، لم يعد مستقطبا ولا جاذبا لنخب سياسية جديدة، وذلك بعد أن استهلك كل منظومته الفكرية والثقافية والسياسية التي عمل علي استنزافها بشكل ممنهج من خلال ما قامت به الدولة من تضييق للمساحات والهوامش الديموقراطية، واحتواء كلي للمؤسسات المنتخبة والأحزاب والجمعيات، بالشكل الذي لم تعد فيه هذه الاخيرة قادرة علي تجديد نخبها السياسية والفكرية، وأفقدها كل مصداقية أمام الشعب والمجتمع  من جهة. كما أنها لم تعد قادرة على تطعيم النظام السياسي القائم بما يكفي من النخب، كما كان الشأن سابقا، من أجل تجديد هياكله من جهة أخري. ولنا في تبوء أمثال اتلاتي ومنار السليمي الخ… واجهة الدفاع عن الأطروحة الرسمية للدولة وتصدره لواجهة الإعلام الرسمي وشبه الرسمي، حتى أصبح موضوع ومجال سخرية تتناقله شبكات التواصل الاجتماعي، خير دليل على الانحطاط الفكري والثقافي للمنظومة السياسية المخزنية، والوهن الذي بدأ يصيب بنياتها والركائز الفكرية التي أحكمت من خلالها سيطرتها علي المجتمع لعقود من الزمن،  وهو ما يفسر كذلك  ارتكاز هذه الاخيرة علي المقاربة الأمنية في غياب نخب قادرة على إبداء مقترحات حلول لحالة الاحتقان التي يمر بها كل من المجتمع والدولة .

إن استمرارية الدولة المخزنية في نهجها القائم على مفهوم الدولة الأمنية بعد أن استنزفت كل مواردها الفكرية والثقافية والسياسية، يؤشر بما لا يدع مجالا للشك علي فقدان امكانية استمرارية تحكمها اقتصاديا وسياسيا، بعد أن عجزت علي تجديد بنياتها الفكرية والسياسية، بل أصبح هذا النموذج السياسي والاقتصادي والتنموي الفاشل، مصدر طاقة دافعة لرقعة الغضب والسخط التي ما فتئت تتسع وتتصاعد لدى شرائح واسعة من المجتمع من كل الفئات والأعمار، خاصة لدى الشباب منهم. إنه الفشل الذي تدل عليه كل المؤشرات الاقتصادية والتنموية التي خلصت إليه تقارير الكثير من المعاهد الدراسية الدولية ذات الصلة، وهو ما أقر به كذلك رئيس الدولة في خطاب افتتاح الدورة البرلمانية الأخيرة. وهو من يوفر ما يكفي من الأسباب الموضوعية لاستمرارية وتوسع رقعة هذه الاحتجاجات، ولدينا فيما عاشته زاكورة من غضب شعبي عارم، وما تعيشه منطقة جرادة من سخط واحتجاجات جماهيرية بخصوصياتها المحلية، خير دليل على أن المقاربة الأمنية  لن تكون ذات جدوى أمام  ما يشهده المجتمع المغربي من فساد شامل، وارتفاع منسوب الحقد والكراهية اتجاه الدولة والمؤسسات، خاصة أمام اوضاع اقتصادية وسياسية كارثية تدفع بشكل مستمر بفئات واسعة من الشباب المؤهل والغير المؤهل منهم إلى أتون البطالة بعد أن استقالت الدولة من مسؤولية التوظيف إعمالا لتوجيهات البنك الدولي، وتراجع الاستثمار الاقتصادي الذي يساهم في إنعاش سوق الشغل، في مقابل انتعاش الاستثمار المالي والاقتصادي الفاسد الذي يضخ ارباحه من المالية العامة على حساب البرامج التنموية التي يمكن يستفيد منها  الاقتصاد الوطني.

إن تغول الدولة الناتج عن فقدانها القدرة علي استيعاب التحولات المجتمعية التي تحدثنا عنها  سابقا، يجد كما قلنا أسسه السياسية والفلسفية في مفهوم  الوصاية، الذي يقوم على منطق الأبوة، بدل الاخوة، الذي تمثلته الدولة المركزية والمخزنية في آن واحد. إنه المفهوم الفكري والفلسفي الذي حبذت استحضاره من أجل فهم طبيعة هذه الدولة التي تشرعن من خلاله النخب الحاكمة لسلطة الاستبداد، حتي بالتجديد الذي طرأ عليه خلال مرحلة عصر الأنوار وبداية فكر الحداثة الذي حول مفهوم الوصاية، من مفهوم يستمد مشروعيته من الحق اللاهي، إلي حق أبوي تعمل على أجرأته الدولة الحداثية عبر ترسانة من القوانين والتشريعات  .

أما ونحن نتحدث عن المغرب وبما يتسم به من نظام حكم سياسي هجين، يجمع بين الدولة المخزنية العتيقة، التي  تجعل من الوصاية حق إلاهي للحاكم  يشرعن من خلالها سلطته المطلقة علي رعاياه، وما القوانين والتشريعات بالنسبة لها إلا تنزيلا له، وتعبيرا مكثفا لإعمال هذا الحق، وبين المفهوم الحديث للدولة  الذي ورثه المغرب عن الحقبة الكولونيالية، التي أسست لقيام الدولة الوطنية القومية او الدولة اليعقوبية، التي تتنصب فيها النخب المركزية الحاكمة وصية على مصير الشعب، والتي وحدها تمتلك الحق في التفكير والتقرير نيابة عن الأمة الموحدة الغير القابلة للتعدد، وهي وحدها من يقرر ما هو مناسب أو غير مناسب لها، وذلك من خلال ما يتيحه لها مفهوم الوصاية، في ظل نظام  الحكم المركزي، من تحكم في مفاصل الدولة والمجتمع، عبر قوانين وضعية (دستورا ومراسيم قوانين). وبالتالي تصبح الوصاية في بلد كالمغرب إشكالية مركبة تثقل كاهل الشعب المغربي وتشل قدراته الابداعية والتنموية. اشكالية  تجمع بين نخب مركزية تتمثل الحداثة الموروثة من الحقبة الاستعمارية، بمعني انها لم تأتي في سياق تطور طبيعي ثقافي وحضاري للمجتمع المغربي وهو ما يتمظهر في السلوك، ونمط العيش والانتخابات والمؤسسات الدستورية، والاحزاب، الخ.. وذلك بالشكل والطريقة المشوهة التي نعيشها الآن، وبين نخب مخزنية تقليدية موروثة من العهد القديم.

إشكالية تعتبر فيها مسألة الوصاية على المجتمع والتفكير بدلا عنه مسألة مركبة ومصلحة مشتركة، تعمل على تأبيد مصالح النخب المخزنية التقليدية والنخب المسماة حداثية .

إن هذه السياقات التاريخية لتشكل الدولة المخزنية الحديثة، وما تتمثله من مفهوم معتوه ومشوه لمبدأ الوصاية، الذي تجاوزته الكثير من المجتمعات من خلال انتقالها من الدولة الوطنية القومية إلى الدولة الديمقراطية، التي تستند علي مبدأ الديمقراطية التشاركية بدل المسماة تمثيلية، هو ما يمكن أن يفسر إلى حد ما التجانس والتكامل الحاصل بين النخب المركزية المتحكمة في مفاصل الدولة والمجتمع، حتى وإن بدت ظاهريا بعض التناقضات في ما بينها  خاصة، في مراحل معينة؛ ومحاولة استقواء بعضها علي البعض بالتقرب الي العرش، الذي يجد نفسه موزعا بين موروث تقليدي مخزني يمتد لقرون  وبين حداثة أملتها وحددت معالمها الدولة الاستعمارية الفرنسية في شخص المارشال ليوطي الذي أدخل الكثير من التحديثات علي الدولة والعرش نفسه وبين متطلبات واقع الصراع الاجتماعي والسياسي من أجل الحرية والديموقراطية والتنمية. إنه للصراع الذي يحتدم احيانا، عندما يكون المجتمع في حالة سكون وخضوع ولا يظهر ما يهدد مصالحهم المشتركة الرئيسية والخاصة. لكن وفي حالة انفراط شروط الاستقرار السياسي، وتصاعد وتيرة الصراع الاجتماعي، تنتفي التناقضات الثانوية فيما بينهم ليحل محلها التوافق والتكامل من اجل الحفاظ علي مصالحهم المشتركة التي يضمنها لهم مبدأ الوصاية  كقيمة مقدسة بالنسبة لهم، والذي تتمثله المؤسسات الدينية والسياسية والتشريعات والقوانين، وبالتالي ضمان استمرار مصالحهم السياسية والاقتصادية وتأبيد نظام حكمهم الهجين، الذي يجمع بين حداثة ليوطي وتقاليد المخزن العتيق، وهو ما يمكن أن نفسر به كذلك انتظارية الدولة في تعاطيها مع الحراك لشهور،  قبل أن تتوافق هذه القوى المتنازعة من داخل المراكز النافذة في صياغة القرار، علي ضرورة قمع الاحتجاجات التي  استشعرت خطورتها إن هي امتدت إلى باقي جهات الوطن، أو إن تم التحاور مع قادتها وتلبية مطالبهم المشروعة ، التي يمكن ان تشكل سابقة و نموذجا يقتدي به بالنسبة لباقي المناطق والجهات حسب اعتقاد هذه النخب المركزية الحاكمة في شقيها المخزني "والحداثي"، وهو ما سيهدد لا محالة امتيازاتهم ومصالحهم المشتركة وكل المنظومة السياسية والاقتصادية التي تتيح لهم استمرارية الحكم والتحكم دون أن تهمهم  في ذلك مصلحة البلاد والعباد.

- في التوصيات وبعض مفردات الحل.

لكن وأمام خطورة هذه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وأمام ما نشهده من اتساع للهوة ببن المجتمع وبين الدولة بمختلف مؤسساتها، وارتفاع منسوب الكراهية إزاءها، وفقدان الأحزاب والجمعيات لمصداقيتها ووظيفتها، والتي أصبحت توصف بالدكاكين السياسية والجمعوية من طرف الغالبية العظمي من الشعب المغربي، نظرا للأدوار التاريخية السلبية التي لعبتها من اجل إضفاء الشرعية علي نظام حكم سياسي فاسد وفاشل في اختياراته، وذلك بإقرار رئيس الدولة نفسه، خاصة ما ورد في خطابه الأخير أثناء افتتاح الدورة التشريعية في شهر أكتوبر من سنة 2017.

ألا يحق لنا أن نتساءل عن مصير ومستقبل هذا البلد؟ ألا يحق لنا التنبيه من الانزلاق إلى الفوضى العارمة، خاصة وأن هناك الكثير من القوي الدولية والحركات الأصولية المتطرفة، التي تتحين فرصة نشر الفوضى الخلاقة، داخل المجتمعات والدول، لما يمكن أن تتيحه هذه الفوضى من إعادة تقسيم مناطق السيطرة  والنفوذ، ولو على حساب استقرار وسلامة الشعوب والمجتمعات.؟

ألا يحق لنا أن نقول إنه آن الأوان من أجل الجنوح إلى الحوار بين مختلف الأطراف من أجل حل النزاعات الاجتماعية وتلبية مطالب الحركات الاحتجاجية في أفق خلق شروط حوار وطني يهم كل الاشكالات العالقة منذ الاستقلال إلى الآن، وكل القضايا التي تهم مصير الشعب المغربي وتهدد في نفس الآن السلم الأهلي والاجتماعي، بالشكل الذي يؤسس لتعاقدات سياسية واجتماعية جديدة يشكل العفو العام علي كافة معتقلي الحراك إحدى مداخلها الأساسية، وبما يتيح إمكانية صياغة دستور جديد يؤسس للدولة الديموقراطية المتعددة  التي تتسع لجميع مواطنيها ومواطنتها.؟

ألا يحق لنا أمام هذه الأوضاع أن نتساءل عن ضرورة تدخل الملك، بصفته رئيسا للدولة، خاصة بعد كل ما عبر عنه من انتقادات للأحزاب والمؤسسات والإدارة وإقراره بفشل النموذج التنموي الذي انتهجه المغرب، وذلك من أجل إطلاق واقتراح خارطة طريق محددة في الزمان للنقاشات العمومية حول كل القضايا التي تهم المجتمع المغربي، في أفق بلورة حل شامل يكون من بين مداخله إطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين  وعلي رأسهم  معتقلي حراك الريف، كإجراء حسن نية يساهم في استرجاع وتعزيز الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع الضرورية لانطلاق ونجاح الحوار الوطني الشامل، في أفق القطع مع ثقافة وتغول الدولة المخزنية ودولة حداثة المستحدثين.