الاثنين 12 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

البدالي:عودة إلى قضية العنف المدرسي مرة أخرى

البدالي:عودة إلى قضية العنف المدرسي مرة أخرى صافي الدين البدالي

بعد تعنيف أستاذ ورزازات من طرف تلميذه ، مع ترويج فيديو جسد الظاهرة  على المواقع الاجتماعية، اتخذ الأمن عدة إجراءات ضد التلاميذ الذين تبث أن قاموا بتعنيف الأساتذة أو الأطر الإدارية تجلت في الملاحقة و المتابعة، و تقديم المشتبه فيهم للعدالة ، كما أقدمت بعض النقابات على تنظيم وقفات احتجاجية تنديدا بما يتعرض له  رجال التعليم من عنف بالمؤسسات التعليمية من طرف التلاميذ . لكن رغم كل  تلك الإجراءات استمر العنف ضد الأساتذة  في كل من الدار البيضاء و القنيطرة و فاس  بل دخل بعض الآباء و بعض الأمهات  على الخط  ليمارسوا العنف على الأساتذة و  الأستاذات. إذن أصبحنا أمام إشكالية معقدة عنوانها الرئيس هو  " المدرسة بين  تحدي سياسة تهميش الدولة  و تراجع الدعم المجتمعي ".

كما أشرنا في  تدوينات  سابقة ( ما ذنب أستاذ ورزازات أن يعنف ؟ و يوم رمونا بأزهار الميموزا ..)،  بأن  النظام المخزني و معه الرجعية  و أنصار التبعية للاستعمار الفرنسي  عملوا على فرض  سياسة  تعليمية  تتعارض و الاختيارات التي تبنتها الحركة الوطنية في بداية الاستقلال و التي كانت تهدف إلى  التعميم  و التوحيد و المغربة و  التكوين و البحث العلمي ، و هي اختيارات جاءت منسجمة مع السياق العام  الدولي الذي كان يعرف انتصارات  لحركات التحرر و انهزام المد الاستعماري و أيضا فورة الحماس الشعبي غداة الاستقلال  التي جاءت لدعم التمدرس  و تعميمه على جميع الشرائح الاجتماعية و في كل الأوساط الحضرية و القروية و في  البوادي و المناطق الجبلية .  لقد كان لمطلب تعميم التعليم المكانة الأولى لدى الشعب المغربي. و إن الأرقام المسجلة لدى الوزارة حول تطور عملية التعميم تبين مدى  سعي النظام المخزني، و أتباعه إلى كبح جماح الحماس الشعبي الذي تجند لبناء مدارس بالبوادي و تشجيعه  و تعبئة الأسر من أجل تسجيل أبنائم بالمدرسة،  حتى  ارتفع عدد التلاميذ من الابتدائي من 20.000 (عشرون ألف ) تلميذا و تلميذة  في عهد الاستعمار إلى مليون تلميذ في نهاية المخطط الخماسي (60 ــ  64 ). و منذ ذلك الحين  بدأ ت السياسة التعليمية تعرف منعطفات خطيرة تجلت في معاكسة الطموح الشعبي في تعليم أبنائه باتخاذ مجموعة من الإجراءات  ضد المدرسة المغربية منها عزلها عن محيطها الاجتماعي و الثقافي حتى لا تتفاعل معه  و تشكل منارا  فكريا و منهاجا علميا للتحليل العلمي لمظاهر الحياة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية  ضد سيادة الفكر الخرافي الظلامي  في  وسط  الشباب، فأصبحت المدرسة تقاوم السياسة التعليمية للنظام  من خلال أطرها و الآباء بتحديهم  لعوامل الفشل الدراسي  و لهيمنة إيديولوجية النظام  و برفضهم لتعليم طبقي. لكن  النظام  حول المدرسة من قطاع ينتج    شبابا مكونا تكوينا شموليا و مندمجا يجعله مبادرا و غيورا على هويته و على و وطنه    و صادقا و منتجا ، إلى قطاع ينتج البطالة و العقد النفسية و اليأس و الغش و الاستسلام للمظاهر السلبية في الحياة، أي الانحراف و التطرف، و ذلك عبر  عملية تمرير تربية مغلفة بأيديولوجية تهدف  إلى تكوين الشخصية وفق ما يخدم مصلحته ، أي شخصية تفتقد إلى المبادرة و إلى آليات التفاعل مع التحولات التي يعرفها المحيط الاجتماعي و أيضا التحولات التكنولوجية و العلمية على  الصعيد العالمي  بشكل إيجابي،  و عمل على تحويل الأستاذ من باحث و منظر تربوي و مبادر و منشط و من  رمز  اجتماعي إلى شخص يصارع الإقصاء و التهميش من أجل الوجود   و إلى ممرر تحت الإكراه  لبرامج و مناهج يطغى عليها الحشو و الاستنساخ لتجارب فاشلة مرت منها دول عديدة  . و في نفس الوقت تجد المدرسة نفسها  أمام مجتمع ابتعد عن المدرسة مكرها بفعل  سياسة الدولة الاجتماعية و الاقتصادية،  حتى أن غالبية الأسر أصبحت غير قادرة، و خاصة بالبوادي ، على توفير الحاجيات الضرورية المرتبطة بالتمدرس لأبنائهم، مما جعل المدرسة  أمام تحد آخر،  ألا  و هو الانتكاسة الاجتماعية و ما لها من دور على عملية التعليم  و على رجاله .

 إذن فالمدرسة اليوم، و بعد مسار طويل من الصراع بين الرغبة الشعبية و إرادة النظام  المخزني، لم تعد تنتج إلا العنف الذي ينمو بشكل متزايد  في وسطها بين المتعلم و أستاذه . و إن عودة المدرسة إلى مكانتها التربوية و العلمية التي تنتج العلاقات الوجدانية التربوية و العلمية تحتاج إلى ثورة ثقافية و اجتماعية لمصلحة البلاد و الأجيال.

  • صافي الدين البدالي، محلل سياسي، ناشط حقوقي، وقيادي  بحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي.