الأربعاء 14 نوفمبر 2018
فن وثقافة

"صقر" فن العيطة الشيخ عمر الزيدي يحكي سفره الفني في جغرافية عبدة الساحرة (07)

"صقر" فن العيطة الشيخ عمر الزيدي يحكي سفره الفني في جغرافية عبدة الساحرة (07) صورة مركبة للقاء الزميل فردوس الصحفي حول العيطة وعلاقته بالفروسية

 

في ثلاث ليالي متتالية من النبش والنقاش، خرجت "أنفاس بريس" بانطباع يعزز مكانة الشيخ عمر الزيدي التماني، ليتم تصنيفه صقرا من صقور تراث فن العيطة، بكل تفرعاتها، بعدما قلبت صفحات ذاكرته الفنية والطربية والغنائية.. كيف لا يكون "صقرا" وهو الذي ترعرع واشتد عوده في "عش الفن" بحي مولاي الحسن القريب من سيدي عبد الكريم وواد الباشا وجنان الشقوري، تلك الفضاءات التي تعتبر مفاتيح أبواب ومعالم مجال جغرافية عبدة الساحرة لولوج عاصمة السمك والفخار مدينة أسفي. من هذا المغرس والمنبت حلق الصقر بجناحين متوازنين نحو الأفق الرحب مسجلا مساره الفني رفقة العديد من الشيوخ والشيخات، كاتب كلمات وملحن وعازف وضابط إيقاع ومغني وحفاظ للقصائد "الشعبية" بمختلف أصنافها ومواضيعها. ضمن هذه السلسلة من سفرنا الفني مع صقر فن العيطة نقدم للقراء الحلقة السابعة:

التوابل والأعشاب "البلدية" المحضرة بها النصوص الغنائية العيطية، والممزوجة بالموسيقى الشعبية الطربية، التي أُعد بها الطبق الباذخ والشهي بمهل على نار العشق عبر السنين، والذي ينهم منه صقر العيطة الشيخ عمر الزيدي التامني، تفوح رائحتها الجميلة من مجالات عبدة الساحرة، والتي أتبت الزمن أن صدور رجالاها ونسائها المرصعة بنياشين النجومية في ميدان تشياخت وفن العيطة، هي التي صنعت الرجل/ النموذج، من جهة ولقحت مساره الفني كنموذج منفرد ومتفرد في عالمها الجميل السهل والممتنع، وشكلت هويته الفنية والروحية.

فحنين صقر العيطة لأصوات الزمن الخالدة، يجعله يستحضر دائما معلميه من شيوخه الكبار الذين جالسهم، ورافقهم في مشوراهم الفني، من أمثال الثنائي الشيخين الخماري ولبيض، والسي محمد الدعباجي، والشيخ عبد الحق الحلاوي، وشيوخ آخرين من كبار "لمعلمين" و "صنايعية" مدينتي أسفي و الدار البيضاء الوافدين من مختلف مجالات جغرافيا المغرب، فضلا عن احترامه الكبير للنساء الرائدات، والإيقونات من شيخات ذات الزمن الجميل. وتقديره لهن نظرا لشخصيتهن المتميزة والمتكاملة في "الصنعة " على مستوى الحضور الأخلاقي والإنساني و الفني والإبداعي صوتا وأداء، واللواتي يذكر منهن الأحياء والأموات (فاطنة بنت الحسين / عيدة / عائشة بوحميد / حفيظة الحسناوية / خديجة مركوم / سعاد البيضاوية / الجرارية عائشة / خديجة بوصوف / البوعنانية .... وأخريات).

من جهة أخرى تفاعل عشقه وتمثله أثناء حكيه لسيرته الفنية الذاتية، مع الإرهاصات الأولى لبوادر تشكل التراث الغنائي لفن العطية من خلال محطات مواسم ومهرجانات فرسان الخيل والبارود التي تستقطب آلاف المتفرجين المهووسين والمنتشين بإيقاع "سنفونية" سنابك الأحصنة والجياد داخل محرك الفرح والألق (شكون الدايزْ ف لمْراحْ مولْ البركي والسناحْ) / (كيفْ البرْكي سنْحو مولاهْ وداهْ لجْماعةْ يتعنى بيهْ). على هذا الأساس يؤكد صقر العطية في هذا الصدد أن "للخيل والفرسان حضور قوي في أغاني العيطة والموروث الثقافي الغنائي الشعبي بتنوع روافده ومجالاته وخصوصياته (مول الجدع الطرفاني في يدو لعشارية). حيث نجد في تراثنا الشعبي ـ حسب قوله ـ وصفا دقيقا لاستعمالها (الخيول) ومرافقتها للإنسان سواء في أيام الحياة العادية أو أثناء السفر (بابا لعبادي بعد ركبوا ومشاو مشاو اليوم). أو خلال مواكب الصيد والحركات، وكذا الغزوات الجهادية والدفاع عن حوزة الأرض والإنسان".

ويضيف قائلا "يتضمن تراث ألعابنا الشعبية، ورقصنا الجميل، وأعراسنا المغربية التي مازالت تحافظ على طقوسها في العديد من مناطقنا البدوية بالجبل والسهل (خيل لعشية فاقوا في السروية). أجمل الحركة والصور الرائعة للخيل والفرسان، ويرسم نظم الأشعار البدوية وغناء الماية النسائية، ونصوص العيطة، ملامح وملاحم بطولاتنا الخالدة، (خيل لعشية فاقوا في السروية / سعدي ملي ركبوا ركبوا كعمة علموني). وهذا التراكم الأخاذ مليء بوصف الفارس والفرس سواء على صهوته، أوخلال المواقف الشجاعة أيضا، التي كانت تقتضي الانخراط في الدود عن الوطن (شوفوا سيدي حتى من علامو كاسي عودو) / (خيل عبدة كعمة تهدا / خيل الخنوفة جات مخطوفة / خايل الشاوية جات ليك هدية / خيل بني خيران شادة لمان / خيل دكالة دايرة حالة ...).

بفعل هذا الصبيب القوي للغناء العيطي وتراث الفروسية تقوت أنسجت وخلايا شخصية صقر العيطة السي عمر الزيدي، وانتعشت شرايين قلبه، لتضخ في مساره الفني أوكسجين الانتماء لتراث الوطن حيث يقول أنه "كلما وجدت نفسي أمام الخيل والبارود يقشعر بدني، وينتابني شعور وحماس بالانطلاق في الغناء، وتتشكل أمامي أبيات الشعر الغنائي التي تمجد و ترفع من شأن الخيول وفرسانها الشجعان، لأن إيقاع الخيل والبارود يطربني جدا". هكذا يعتبر الشيخ عمر أن الفروسية و العيطة فرعان أصيلان ينتميان لشجرة التراث المغربي الأصيل، الطيب والمتمر، يمزج بينهما قاسم مشترك في وجداننا وروحنا، نحس به أثناء زغاريد النساء، كلما تكامل حضورهما على مستوى الفرجة، فلا يمكن أن تصهل الخيول حسب قوله "دون أن تصدح فضاءات محرك عروض التبوريدة بأغاني فن العيطة ... وتتفاعل معها رقصات الجسد (الحصان وفارسه) المتناغمة مع حركات وطقوس الركوب، وإيقاع حافر الجياد، وتنتشي برائحة نقع الغبار...". من خلال هذا الوصف يشرح الشيخ عمر، موضحا "عشقي للفروسية نابع من كون أن أثمن جواهر قلادة العيطة، ركبت وبنيت أساساتها الغنائية على صهوات الجياد، وتناقلتها الألسن سفرا عبر الزمن برفقة الفرسان والخيول، أثناء السلم والحرب، في الأفراح والأتراح....".

إن القلادة التراثية المرصعة بلآلئ أغاني العيطة، صاغها الرواد صياغة تعكس مواضيعها شتى صروف الزمن وتقلباته، بتمرداته وهزائمه وانتصاراته، بقبحه وجماله، بيأسه وألمه وآماله، بشجعانه وجبنائه، بقحطه وغناه الطبيعي... هذه العلاقة التاريخية بينه وبين الخيل والبارود، جعلت صقر العيطة السي عمر، يشبه كل شيخ/ فنان عازف على لوتار ويترأس مجموعة غنائية، بقائد سربة الخيل والبارود، علام كتيبة الفرسان على صهوات الجياد، من المفروض فيه أن "يطوع آلته الوترية كلما امتطى صهوتها، ويحس بنبضاتها، يصغي لها، يتجاوب مع نغماتها، يزودها بالشحن العاطفي عبر أحاسيسه الفنية، يطلق لنغماتها العنان ويلجمها وقت ما شاء.. ليفسح المجال للإيقاع الذي بدونه لن يكتمل الأداء الساحر". وهذا هو مربط الفرس حسب عمر الزيدي لأن "إيقاع الطعريجة بني على إيقاع سنابك الخيل، وضابطه هو الوحيد القادر على قيادة المجموعة والسياقة بها في منعرجات العيطة الصعبة المنال....".