الخميس 13 ديسمبر 2018
كتاب الرأي

عبد الله جبار: العمل النقابي في بلاد المهجر: أية آفاق؟

عبد الله جبار: العمل النقابي في بلاد المهجر: أية آفاق؟ عبد الله جبار

لقد أصبح عالم اليوم يتسم بقدر كبير من عدم المساواة. ولا تزال التقارير الرسمية وغير الرسمية الواردة تبرز الفوارق الضخمة في التنمية عبر البلدان وداخلها، مما يؤثر على الاستقرار البشري, فالإنسان عندما تغلق في وجهه آفاق الحياة يفضل التحرك خارج بلدته أو قريته، وحتى وطنه الأصلي، ما دام الخيار الوحيد لتحسين مستوى عيشه في الحياة. وقد يؤثر هذا التنقل البشري في اتجاهين: الأول رفع مستوى دخل الشخص وتحقيق بعض الأماني والطموحات، والثاني هو عندما يجد الشخص المهاجر نفسه وحيدا بعيدا عن أسرته وأهله، بل الأكثر من ذلك عندما يحس أنه شخص غير مرغوب فيه وسط مجتمعات ينتابها الخوف من الآخرين، وأحيانا الحقد على الوافدين الجدد؛ ومن ثم لا يتمكن من الوصول إلى الخدمات التي توفر له الدعم  من أجل تحقيق ذاته أولا بالشكل الذي كان سببا في هجرته.

هذه الوضعية الاستثنائية تدفع كل من له مصلحة في التغيير وتحت تأثير التشابه أن ينضم بعضهم لبعض ويدخلوا في علاقات تفضي إلى الانخراط في هيئات محددة داخل المجتمع كبداية لإرهاصات الوعي بالعمل الجماعي المنظم. وقد استحوذت مشكلة مشاركة المهاجرين في المنظمات النقابية على اهتمام عدد كبير من الباحثين، وتعددت بهذا الخصوص أدوات التحليل، إذ نجد البعض يؤكد أنه ينبغي مقاربة الموضوع من الناحية السياسية، لأن ما يتعرض له المهاجرون، إنما هو نتاج لقوانين وقرارات تنفرد بها أحزاب تجعل من ظاهرة الهجرة مجالا خصبا للدعاية وتهييج المعادين للأجانب، ومن ثمة فالتركيز على هذا العنصر كفيل بتعبئة كل الطاقات المهاجرة، ما دامت معنية بشكل مباشر بما تصدره الحكومات من سياسات وقوانين تخصها.. وبالتالي فالمشكلة سياسية بالدرجة الأولى، لكن السؤال المطروح هو كيف يمكن إدراك هذا الهدف؟ وما السبيل لتحقيق مشاركة أوسع؟

لابد أولا من التمييز في تناول هذا الموضوع بين ثلاثة اتجاهات داخل المهاجرين: الصنف الأول، هم أولائك الذين نحوا منحى نكوصيا، حيث يرون أن الأمر جد مركب وفوق طاقتهم ويقتضي التعامل مع الواقع كما هو، بل والتعايش معه، وكأن الحق يعطى ولا ينتزع.. الاتجاه الثاني، وهو انبطاحي يتميز بالجمود، وهو اتجاه مشبع ومتمسك بالممارسات الثقافية والاجتماعية التقليدية التي ترعرع عليها في بلد المنشأ قبل الهجرة وتظل مسيطرة على تفكيره، بل الأكثر من ذلك تقويض انخراطه للدفاع عن مصالحه، حتى وإن كان التغيير قد طال بلده الأصلي. أما الاتجاه الثالث، فهم الأشخاص الذين تدفعهم مصلحة تحسين شروط عيشهم وبمنطق نفعي أساسا، الانخراط في العمل النقابي، وقد اثبتت الأحداث التاريخية في وسط وشمال أوروبا، ومند نهاية الحرب، أن النقابات كانت المؤسسة الأولى التي احتضنت المهاجرين، وساهمت من جانبها في التعريف بمعاناتهم والعمل على تسوية أوضاعهم، بل ولا تزال القناة الأكثر قبولا من لدن المهاجرين وأداة فعالة لسياسة الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، خاصة بالنسبة للأجيال القادمة المفروض فيها تطوير عمل وجودها داخل مختلف النقابات، حتى تستطيع تحصين المكتسبات الحالية والعمل على صيانة هويتها وتقليص الهوة بينها وبين المجتمعات المحتضنة لها. وهذا لن يتأتى إلا بالانخراط الأوسع والاقتراب أكثر من العمل النقابي الذي أصبح يشكو من صعوبات نتيجة التحولات المجتمعية التي لم تسلم منها الإطارات النقابية. وفي هذا السياق لابد من أخد كل المتغيرات، سواء القائمة أو المستقبلية في الحسبان، بهدف الإنجاز الناجع والفعـال لمهماتهـا وأهدافها المختلف.

فإذا كان العمل النقابي قد ارتبط تاريخيا بأفكار وقيم كبرى في مجال التغيير الاجتماعي وتحقيق العدالة الاجتماعية، وحمل هـذه الأفكـار مناضلون ضحوا بأوقاتهم وحتى حياتهم من أجلها، إلا أن أغلبيـة الناشـطين فـي مجـال مؤسسات العمل النقابي اليوم، موظفون يتوجهون لهذا المجال باعتباره أحـد مجالات العمل، لكن هذا لا يمنع من أن تستمر النقابات وأن تجد الشروط والظروف لإنضاج وتوسيع وتنويع وسائل النضال والتعبئة الجماهيرية داخل أوساط المهاجرين مركزين على القضايا الآنية واليومية كخطوة أولية لإعادة الثقة في أفق رفع منسوب الوعي لدى هؤلاء، وإشراكهم في أجهزتها كخطوة لاحقة للاستفادة من الطاقات التي تزخر بها المجتمعات المهاجرة، خاصة الأجيال الجديدة. لاسيما وأن الإحصاءات تبين الإقبال الكبير للمهاجرين على النقابات، حيث يقدرون في إيطاليا بـ 900 ألف منخرط، أي بنسبة تقارب 8 بالمئة من مجموع عدد المنخرطين في النقابات الثلاث الأكثر تمثيلا.. وتتصدر الكونفدرالية العامة الإيطالية للشغل عدد الأجانب المنتسبين لها.. ففي سنة 2015 نجد 409277 مهاجرا، أي حوالي 45.5 بالمائة من مجموع المنخرطين في هذه النقابة. ويحتل المغاربة صدارة الجاليات الأجنبية بـ 9.6 بالمائة، أي ما يقارب 87000 منخرط، وهم في ازدياد مستمر بسبب الأوضاع الاقتصادية التي يعرفها الغرب عامة وإيطاليا خاصة.

لكن السؤال المطروح اليوم هو كيفية تحويل هذه الأرقام من مجرد معطيات إحصائية إلى قوة فاعلة ومؤثرة داخل الأوساط النقابية؟
- عبد الله جبار، باحث في قضايا الهجرة، مقيم بإيطاليا