الأربعاء 21 أغسطس 2019
فن وثقافة

مبايعة الكاتب محمد بهجاجي ابن حي درب السلطان.. "سلطانا" لمملكة المسرح

مبايعة الكاتب محمد بهجاجي ابن حي درب السلطان.. "سلطانا" لمملكة المسرح محمد بهجاجي مع صورة الغلاف

عن منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة (سلسلة رقم 45) صدر كتاب جامعي بعنوان "محمد بهجاجي: كاتب مسرحي في مدارات الاحتدام"، تحت إشراف د. حسن اليوسفي الذي يقول على ظهر الغلاف "إن ما ميز تجربة محمد بهجاجي في الكتابة للمسرح ونقده، هو الإيمان الراسخ بالتجربة المغربية والعمل على دعمها والانخراط الوجداني فيها، عبر واجها مختلفة منها الكتابة المسرحية والنقد المسرحي، والإعلام الثقافي.

لذا، لا نستغرب، ونحن نقرأ مواد هذا الكتاب عنه، وما تضمنه من شهادات ودراسات وقراءات لتجربته من أسماء من مختلف الأجيال التي عايشت إسهاماته الإبداعية والنقدية والإعلامية، أن يحصل الإجماع على قيمة الرجل وعلى إضافاته النوعية في مختلف أصناف الكتابة في المجالات التي ذكرتها. تنضاف إلى ذلك خصاله الإنسانية باعتباره رجلا ثابتا على المبدأ، هادئا في تعاطيه مع مختلف العوارض في العمل وفي الحياة، محبوبا من لدن أصدقائه ومحيطه الأسري الصغير والكبير.

ولعل الصورة التي ترسخت لدي شخصيا عن الرجل من خلال تفاعلي معه في سياقات مختلفة، هي صورة مبدع رزين يعيش دينامية الاحتدام الفكري والسياسي والإبداعي باستمرار، وتمتد شرارة هذا الاحتدام، بثبات وهدوء منقطعي النظير، في ما يكتبه، سواء أكان نصا مسرحيا، أو قراءة نقدية لعمل مسرحي، أو إسهاما في ترسيخ ثقافة المسرح في مشهدنا الثقافي والمغربي".

ربما، بل أكيد، أن المشاركين في الكتاب الذين تتقدمهم: (ثريا جبران، عبد الواحد عوزري، حسن المنيعي، حسن نجمي، محمد قاوتي، هبد الحق الزروالي، محمد حفيظ، عبد الحميد اجماهري، عبد الرحيم أريري، حسن حبيبي، عز الدين بونيت، المرحوم محمد سكري، سالم اكويندي، عبد النبي دشين، محمد سيف، سعيد كريمي، محمد لعزيز، محمد جلال أعراب، محمد فراح، رشيد داواني، خالد أمين، وحسن يوسفي) الأقرب إلى "قلب" و"وجدان" محمد بهجاجي، منهم من تربطهم به روابط "المسرح" كتابة ونقدا، أو الصحافة، أو الصداقة. استطاع بهجاجي أن يجمع هذه الحلقة من مختلف المشارب والحقول الثقافية المتنوعة، أن يوحد كل هذه الدوائر المتقاطعة في قلب بهجاجي "الإنسان". وهذه هي قوة الرجل الذي نجح في عقد "صفقات" صداقة مع "الممثل" المسرحي و"الكاتب" و"الناقد" و"الأكاديمي" و"الإعلامي". فمحمد بهجاجي هو كل هذه "التقاطعات" و"التجاذبات".. مفرد بصيغة الجمع، تحتدم فيه كل هذه "الشخوص". هو الإنسان/ المناضل/ الإعلامي والكاتب المسرحي والناقد المسرحي.

هو سليل حي درب السلطان بالدار البيضاء الذي صنع الفرجة مع ثريا جبران وعبد الواحد عوزري على خشبة "مسرح اليوم"، والابن الشرعي للمدرسة الاتحادية التي أنجبت حسن نجمي وعبد الرحيم أريري ومحمد حفيظ وعبد الحميد اجماهري وحسن حبيبي، والمناضل الجمعوي الذي تعرف على الكاتب المسرحي محمد قاوتي حين كان يشرف بهجاجي على إدارة جمعية اسمها "الرواد للمسرح والثقافة"، والثاني كان مديرا لجمعية السلام البرنوصي، والمواطن السياسي و"الماركسي" العنيد الذي اصطدم بصخرة في النضال والكفاح اسمها محمد حفيظ الذي تقاسم معه 30 سنة من الحياة الحزبية والإعلامية سواء في "الشبيبة الاتحادية" أو جريدتي "الشعلة" و"الاتحاد الاشتراكي"، بمعنى آخر محمد بهجاجي وبعيدا عن أضواء المسرح كان "ثائرا سياسيا" كما أطلق عليه هذا الوصف عبد الرحيم أريري الذي يعترف بأن بهجاحي، الكائن "السيزيفي"، وافق على حمل "صخرة" ثقيلة اسمها جريدة "الاتحاد الاشتراكي" رفقة مجموعة من رفاقه الاتحاديين عام 1993 على أنقاض جريدة "المحرر" التي حكم عليها بـ "الإعدام" عقب إضراب 1981. يقول أريري عن تلك الفترة "كان بهجاجي مثل "فدائي" سقى جريدة "الاتحاد الاشتراكي" بحبره ودمه ليعود إليها رمق الحياة وتسترجع توهجها وألقها، حيث تحمل مسؤولية الإشراف على الصفحات الثقافية والفنية والاجتماعية". من صخب الثائر السياسي والفدائي الذي كان "يزكي" بدمه من أجل أن يظل حزب "الكادحين" الدرع الواقي لمصالح القوات الشعبية، كان يفر من "جلد" السياسي" إلى "ظلال" المسرح، يختفي خلف "السينوغرافيا"، يلبس أقنعة "التخفي"، وينغمس في لعبة "المحاكاة"، ويخرج متجددا بعد أن يغتسل في نهر "الكاطارسيس". ما أن تجري فيه دماء المسرح وتتغوّل في داخله الشخصيات حتى يتماهى مع دور "الحكيم" لابسا عباءة "الناقد" المسرحي، شاهرا قلمه في وجه "النصوص" و"المسرحيات". ففي البداية كانت الكلمة للمسرح، أمتار قليلة على ركح من خشب كانت تصنع "الملاحم" من "الملامح".. تشخص العيون وترف القلوب، تتدفق الحيوات بلا حاجة إلى أي وسيط أو حواجز الكاميرا أو ماكياج المونطاج أو سطوة الأضواء. في المسرح تتغنى "الترانيم"، ونكتشف حرارة التمثيل، وسلطة الخيال، وشاعرية "الإنارة"... لأجل كل هذا اختار محمد بهجاجي أن يكون "سلطان المسرح"، وهذا الكتاب "ميثاق" غليظ يكتبه أصدقاء محمد بهجاجي الذين يبايعونه "كاتبا مسرحيا" في مدارات الاحتدام.