الأحد 16 يونيو 2019
كتاب الرأي

محمد منير: العدل والعدالة الاجتماعية

محمد منير: العدل والعدالة الاجتماعية

العدالة والإنصاف والاستقامة معاني سامية كانت ومازالت هي الغايات التي خلق الله من أجلها الإنسان، والأمة الإسلامية مندوبة إلى إقامة العدل في الأرض لإحقاق الحقوق وأداء الواجبات وبناء الحياة الكريمة الحرة.. فالعدل هو الامتثال للقوانين، والعدالة قيمة سلوكية لا تنفك عن صاحب النفس الفاضلة فهو محقق للعدل باستعماله في وجوهه دون تفريط أو إفراط ولو على نفسه وأهله. قال الله تعالى: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ.. سورة الرحمن). وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله منهم الإمام العادل". والواقع أن الناس مختلفون في تصور العدل والعدالة، فالعدل مرتبط بمجموعة من القيم الكونية الإلهية السليمة، والعدالة هي سلوك الإنسان في حال انضباطه بالإنصاف والمساواة، وهو الوحيد القادر على إحاطة نفسه بما يحقق له السعادة في الحياة والتي لا مناص له عنها .

وبالرغم من المكانة التي يحتلها الخطاب الديني في مجتمعاتنا عن العدل والحقوق، فإن أبرز ما يميزها هو العجز التام في فهم هذه الدعوة وربطها بالواقع الذي يتسم بتدني القيمة الإنسانية والاستهتار بالحقوق والكرامة، فأصبحت تحتل مراتب متقدمة في امتهان المواطن وانعدام حمايته من ظلم المجتمع والدولة. قال الله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.. سورة النحل". والسنة جاءت على غرار ما جاء به القرآن، ولا تكاد تجد أديبا أو مفكرا أو فنانا إلا ويلهج أو يتغنى بالقيم الإنسانية وخصوصا العدل. يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه :

لا تظلمن إذا ما كنت مقتـدرا *** فالظلم لا يأتيـك إلا بالنـدم

تنام عينيك والمظلوم منتبهاً *** يدعو عليك وعين الله لم تنمٍ

وهذا الخلل أدى إلى التخلف عن الركب الحضاري وأعطى صورة مشوهة أمام الأُمم الأخرى وشكّل انطباعات سيئة عن ديننا وثقافتنا، أما حين يصير التطبيع مع ظواهر العجز العقلي عبر المؤسسات أو الأبناء وظواهر الإحباط في السلوك العام فحدث عن كارثة مجتمعية واقعة لا محالة، فإن ذلك يدعونا إلى مراجعة جذرية للخطاب وإعادة قراءة جديدة للنصوص قراءة عميقة بما يلازم متطلبات العصر وتطلعات الناس .

العدل هو خلاف الظلم والجور وفي لغة العصر هو ضد التعسف والصلف والقمع.. ولقد كان الفيلسوف والمؤرخ العربي "ابن خلدون" محقا عندما انتقد الظلم في كتابه "المقدمة" منذ أكثر من ستة قرون حين قال: "إعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها.. فإذا قعد الناس عن الاكتساب تذمرا وتصدعا وانقباضا للنفس بسبب الحيف ذهبت الهمم وضعفت الأجساد على التكسب وانقلبت ضدا على ظلم الظالمين، حل الخراب وهلك الحاكم والمحكوم وحالت البلد إلى موات، إذ لن يتوقف هذا الصدع عند الرفض وعدم الحركة والنشاط، بل تعداه إلى ما لا تحمد عواقبه". وأضاف "واغتصاب الأملاك على العموم ظلمة ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها لذهاب الآمال من أهله". وأجمع العلماء والفلاسفة والمفكرون على ضرورة الاستفادة من التاريخ لمن أراد أن يعتبر ويستلهم منه مادته الخام أو المصاغة لصناعة مجتمع الحقوق والاستقرار مجتمع العمل والإنتاج والعمران والخير والزيادة في الأرزاق. ولعل الوقوف على أسباب الظلم هي المقاربة الفلسفية الإسلامية العميقة لتجاوز جميع أشكاله فهما وتنزيلا صحيحين.. قال تعالى: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ.. سورة الحديد". ولا يخفى على ذوي الألباب والعقول أن عواقب المخالفة أذان بالخراب كما قال ابن خلدون: "إن الظلم مؤذن بخراب العمران".

- العدل أساس الملك "ابن خلدون"

الشعوب أمانة الله للحكام استخلفهم عليهم لإدارة شؤونهم ورعاية حقوقهم بما آتاهم الله من قوة الملك والسلطة والمال وألا ينزعوا بهم نزوع الجور والاستبداد والإكراه على ما لا يطيقون. قال تعالى: "اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى.. سورة المائدة". وتتجلى العدالة عبر مؤسسة القضاء باحترام القانون وأخلاقيات المجتمع واعتبار الفوارق بين الناس بقدر المسؤوليات والمناصب، فكلما كانت المسؤولية عظيمة كان الثواب والعقاب عليهما عظيما وربط المسؤولية بالمحاسبة التي تورث لدى المواطن حاكما ومحكوما الخوف من المسؤولية وعدم استيفاء شروطها، وأن لا أحد معصوم من العقاب ولا أحد يعلو على الآخر إلا بالحق في امتلاك ما يؤهله للتفوق بما ينفع البلاد.

ويعتقد كثير من الناس أن العدل هو المساواة بين الصالح والطالح المنتج والبطال العالم والجاهل، بالطبع لا يستوون وإنما العدل هو تكافؤ الفرص لكل مواطن وأن توفى الحقوق على قدر الكفاءة والجودة وبقدر الإتقان يقدر الأجر والمكافأة على المزيد من العطاء والإنتاج، وإنما تنجم الاعتراضات وعدم التوافق عند وقوع الحيف على حق من لهم الأهلية في منصب أو تعويض ما دون مراعاة قيم الإنصاف.. وقد يتفاقم الوضع فيتحول إلى تذمر ثم رفض فتحدث خصومة عنيفة وخصوصا إذا أسندت الأمور إلى غير أهلها.. وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: "يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْـمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا".