الجمعة 26 إبريل 2019
كتاب الرأي

دلال البزري: العصبيات تتفوّق على النفايات

دلال البزري: العصبيات تتفوّق على النفايات

أغرب ما أضافته أزمة النفايات على الخشبة السياسية اللبنانية هو ذاك التناقض الصارخ بين مشهدين متوازيَين متزامنَين: الأول، عريق، مألوف، ترى فيه حشداً طائفياً هائلاً تحت راية الزعيم المفدّى، حول قضية من القضايا التي "تهمّ" الطائفة. والثاني جديد، عدده ضئيل، هو العدد الذي تمكّن الحِراك المدني من تحفيزه على النزول إلى الشارع من أجل قضية تهمّ جميع اللبنانيين، أي النفايات وملحقاتها من فساد معمَّم.

نبيه بري، ميشال عون، حسن نصر الله، ويمكن أن ينضم إليهم أي "زعيم" طائفي آخر من "المعسكر" المعادي... جميعهم، قبل أن يحضروا إلى المنصة ويصعدوا إلى المنبر، أبعدت "لجانهم التنظيمية" النفايات الطافحة عن جوارهم، حتى اختفتْ... جميعهم حشدوا لجمهورهم حول قضيته الخاصة؛ واحد من أجل "حقوق المسيحيين"، والثاني إحياء للإمام المغيب موسى الصدر، والثالث احتفاء بعاشوراء، أو تأبينا لـ "شهيد" سقط في سوريا.

هل هي حرارة الإيمان، هي التي جمعتهم بهذه الكثافة؟ طبعا لا. والموضوع لا يحتاج إلى فحص ضمير: يكفي الإنصات إلى كلمات زعيم الطائفة، ظل الله على الأرض، التي لا تتناول إلا قضايا سياسية راهنة، تجتمع حولها الطائفة، وتنتظم وتفكر وتعمل؛ ولكل طائفة من الطوائف، لكل نصف طائفة، قضيتها الخاصة، التي يبرع الزعيم في التعبئة حولها.

ربما عاشوراء وحدها تخرج عن المعنى السياسي الصرف، إذ تتذكر جلْجلة الحسين بن علي، ومعاني الأخلاق السياسية، أكثر من حسابات موازين القوى. ولكن تعامل "حزب الله" معها حوّلها إلى فرصة للتأكيد على مسائل غير دينية على الإطلاق، مثل الموقف من الولايات المتحدة وإسرائيل و"آل سعود"؛ والبند الأخير أضيف مؤخراً إلى دليل الأعداء "الوجوديين".

إن أكثر ما يلفت هو ذاك التفاوت الهائل بين قدرة الطوائف على الحشد من أجل قضايا سياسية مجرّدة، غير ملموسة، مثل حقوق الطائفة أو تغييب إمام، أو موقف سياسي إقليمي، أو أي قضية يمكنها أن تكون من "اختصاص" هذه الطائفة أو تلك... بين جبروت الطوائف إذن، وبين هزال التحركات التي تعالج قضايا تخصّ هذه الحشود الطائفية في الصميم، مثل النفايات، أو الكهرباء أو المياه، التي تلْتاع منها هذه الحشود ليل نهار، وتفسد حياتها على نحو قاتل، بالمعنى الحرْفي للكلمة.

كما يطرح هذا التفاوت الكثير من التساؤلات حول اللبنانيين أنفسهم، حول رؤيتهم لذواتهم كمواطنين، أو حتى كمجرد بشر: أوله، عن قدرة العصبية الطائفية الخارقة على حجب قضايا من المعيش اليومي، الملحّ، الملموس، العملي. ليس لحساب "طريقة" أخرى لحل هذه المشكلات، أو "خريطة طريق"، تفضي بنا، في زمن منظور أو غير منظور، إلى حلّ هذه الاستعصاءات الحياتية الخبيثة. كلا، هذه العصبيات، أقل ما يمكن القول عنها، أنها تفضي بأبنائها إلى الدوران حول النفس، في أفضل الحالات؛ أما في أسوئها، فإلى الموت من أجل مشروع قطب إقليمي، ليس في وارده الآن معالجة لا النفايات والماء ولا الكهرباء، إنما قضايا "إستراتيجية"، أين منها ذاك المواطن؟

تتمة السؤال: أين تكمن مصلحة اللبنانيين الآن؟ هل تجدها في مشاريع كل طائفة بطائفة؟ هل "حقوق المسيحيين"، أو تغييب الإمام موسى الصدر، أو الحرب على الشعب السوري، تحمل مصالح هذا الشق أو ذاك من اللبنانيين؟ ألا تملك المسائل التي يعايشونها يومياً، أي أثر في تفكيرهم السياسي، مع أنه مسيطر على كل ثرثراتهم السياسية وغير السياسية؟

لكن من الواضح أن مسألة النفايات، وهي، مع مثيلاتها من كهرباء وماء، من القضايا الوطنية الكبرى، تتناقض مع قضية كل طائفة بطائفتها. النفايات تخترق الطوائف، تدمّرها، تفضحها. والطوائف تتجاهل النفايات، تبعدها عن ناظريها، تتجرد منها، وتشدّ عصب أبنائها حول قضايا أخرى، تدعي أنها "وجودية". ولهذا السبب لا ينجذب إليها اللبنانيون، فالقضية الوطنية عندهم، التي تحشد الجماهير، هي قضية طائفتهم، أو نصف طائفتهم، الواقعة في مخيلتهم السياسية. أما القضايا الواقعية، اليومية، الصغيرة، غير "الوجودية"، فاعتادوا على الاكتفاء بالتنديد بمساوئها، وبمسؤولية زعيم الطائفة الخصم عنها. فيمدّدون بذلك لتفوّق العصبيات على النفايات.