الخميس 15 إبريل 2021
كتاب الرأي

عبد القادر زاوي: محاربة داعش.. احتمالات الفشل

عبد القادر زاوي: محاربة داعش.. احتمالات الفشل

منذ اللحظة الأولى لتشكيل التحالف الدولي لمواجهة الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" أعلنت الإدارة الأمريكية، صانعة التحالف، أن المعركة ستطول، وأن هزيمة التنظيم الذي أصبح خلافة إسلامية غير ممكنة بالعمل العسكري وحده. لقد كان المنسق الأمريكي للتحالف الجنرال جون آلن صريحا في اجتماع ممثلي الدول الأعضاء في بروكسيل يوم 3/12/2014 حين دعا إلى استغلال هذه الفرصة الفريدة لتجمع هذا العدد من الدول لاتخاذ ما أسماه الإجراءات المناسبة لمعالجة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأساسية التي ساعدت إيديولوجية "داعش" السامة والمدمرة على الازدهار، مؤكدا أن النجاح في مهمة كونية كهذه من شأنه أن يضع الأسس لعالم أكثر تسامحا وأكثر أمنا.

وحسب ما تداولته الأوساط الدبلوماسية، فإن المسؤول الأمريكي بدا أكثر إلحاحا في كل مداخلاته على:

- ضرورة استمرار التعبئة العسكرية والضربات الجوية المكثفة والمباغتة لاستنزاف التنظيم وبعثرة قواته بالموازاة مع الإسراع في تجهيز القوات البديلة التي ستؤمن سلامة الأراضي التي سيخليها مقاتلو التنظيم. وفي المعلومات، فإن الجيش العراقي يحتاج لسنوات كي يكون جاهزا للبدء في استعادة الأراضي العراقية التي استولت عليها "داعش"، فيما لا تزال عملية بناء حرس وطني من أبناء العشائر السنية في غرب العراق مجرد فكرة لاصطدامها برفض من جهات شيعية نافذة ومؤثرة في قرارات حكومة بغداد.

ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للجيش السوري الحر، الذي لم تبدأ بعد عمليات تدريبه لمهمة كهذه، في الوقت الذي تكابد فيه القوى الكردية في كل من العرق (البشمركة) وسوريا (وحدات الحماية الكردية) الأمرين للدفاع عن مناطق الأكراد فقط، وتخوض حربا مفصلية بدعم من أكراد العراق والجيش السوري الحر من أجل استعادة مدينة كوباني (عين العرب) الواقعة على الحدود مع تركيا كاملة وتطهيرها من فلول داعش.

- أهمية العمل الدؤوب من أجل تجفيف منابع تمويل التنظيم إن كانت محلية ذاتية في إشارة إلى استيلائه على العديد من آبار النفط في سوريا وبيعه عبر وسطاء من جنسيات متعددة في السوق السوداء بأسعار زهيدة أو كانت خارجية من خلال ما يتلقاه من تبرعات عبر تحويلات بنكية تبدو معقدة للغاية، بشكل يجعل عملية اقتفاء مصدرها الفعلي غير متيسرة، رغم الادعاءات الرائجة على نطاق واسع بأن معظم المصادر من متعاطفين أفراد بالخليج.

- البعد المصيري لمحاربة التنظيم على مستوى الفكر والعقيدة وآليات نشرهما عبر مختلف وسائل التواصل الحديثة والوسائط الاجتماعية المختلفة لقدرته الفائقة على استخدامها لتجنيد آلاف المتطوعين، الذين ثبت أنهم لا يأتون فقط من بيئات حاضنة عربية وإسلامية، وإنما أيضا من فضاءات غربية أوروبية وأمريكية ازدادوا وترعرعوا فيها، ويفترض أنهم تشبعوا بقيمها الحداثية والديمقراطية.

ويبدو التأكيد على أهمية هذا البعد في محاربة تنظيم داعش كمحاولة للاستفادة من الحرب السابقة المعلنة على الإرهاب إثر أحداث 11 سبتمبر 2001، التي أثبتت سذاجة التورط بالحرب ضد الإرهاب من دون رؤية سياسية ومجتمعية مستقبلية واضحة المعالم، وأن حصر المعركة في استهداف أعضاء التنظيمات الإرهابية وحدهم غير فعال ما لم يترافق ذلك مع تقليص مساحة البيئات الحاضنة التي تفرخ أنواعا متعددة من التعصب الذي يقود إلى التطرف والغلو، والارتماء بعد ذلك في أحضان الجماعات الإرهابية.

ورغم أن التحالف الدولي كثف كثيرا ضرباته الجوية وأرغم التنظيم في العديد من المناطق العراقية والسورية على التراجع والانسحاب، مكبدا إياه خسائر فادحة في الأرواح، إلا أن محاربته عسكريا وعلى مستوى التزود اللوجيستي بالسلاح والعتاد وتأمين التموين المعيشي لمقاتليه تبدو صعبة للغاية، إذ بعد أزيد من 5 آلاف غارة جوية في إطار عملية "العزم التام" لا يزال التنظيم يمارس نشاطه كدولة فعلية مستفيدا من فراغ سلطوي مهول في المناطق العراقية والسورية التي سيطر عليها بعدد قليل من المقاتلين.

لقد برهن التنظيم من خلال التكتيكات المستعملة في أكثر من جبهة أنه يتوفر على رؤية عسكرية إستراتيجية شاملة في هذا المجال، كما يتوفر مقاتلوه على خبرات نظرية وعملية واسعة. وقد لاحت إرهاصات هذه الرؤية منذ سنة 2012 عندما نفذ التنظيم في غفلة من سلطات بغداد والقوات الأمريكية المرابطة آنذاك في العراق ما أسماه حينها "عملية هدم الأسوار" التي مكنته من تحرير أزيد من 600 من أعضائه كانوا محتجزين في ثمانية سجون عراقية بعضها كانت تحت إشراف القوات الأمريكية مباشرة.

وفي المواجهات الحالية يبدو أن مخططي تنظيم الدولة الإسلامية أدركوا سريعا أن الولايات المتحدة الأمريكية معنية بمحاربة داعش في العراق أكثر من سوريا، التي بدأ المقاتلين بالتوسع فيها واستخدام أراضيها ملاذا للاستراحة وإعادة التسلح أو التدريب للعودة للقتال في العراق، تماما كما كانت تتصرف عناصر طالبان التي استخدمت الأراضي الباكستانية قاعدة خلفية لها عندما كان الضغط الأمريكي يشتد عليها في أفغانستان. وبذلك بدا قصور النظرة الأمريكية المركزة على محاربة داعش في العراق واحتوائها في سوريا فقط مثلما يستشف من إصرار واشنطن على عدم تقديم أسلحة متطورة إلى فصائل الجيش السوري الحر التي تدعي الحرص على تدريبها.

وعلى المنوال ذاته، فإن معركة تجفيف منابع التمويل التي تتولاها أجهزة مراقبة واستخبارات دولية عديدة حققت نتائج تبدو دون المستوى لحد الآن. لقد أذاع تنظيم الدولة الإسلامية مؤخرا، وعلى نطاق واسع في نوع من الاستعراض والتحدي، عملية قيام أجهزته المختصة بتوزيع مداخيل الزكاة في مدينة الفلوجة بعد إنشائه ديوانا للزكاة في المناطق التي يسيطر عليها، والتي سك لها عملة للتداول التجاري والمالي تمهيدا للخروج مما أسماه إعلام داعش النظام المالي الجائر.

وبعيدا عن الطابع الاستعراضي لهذه العمليات، فإنها تثبت أن تمدد شعبية التنظيم وقدرته على استقطاب الأنصار والمتعاطفين تجد بعض أسبابها فيما يعيشه الناس من ظروف اجتماعية واقتصادية وإنسانية مأزومة تدفع بالرازحين تحتها إلى الارتماء في أحضان من لديه إمكانية تفريج كروبهم وإنقاذهم من واقع مأساوي مؤلم، وغد قاتم مظلم غير آبهين ما إذا كان هذا الارتماء يعني المساهمة في تقويض أسس الدولة التي ينتمون إليها، لأنهم باتوا غير مؤمنين بجدوى هذه الدولة، معتبرين أنها فشلت في أن تكون، كما ادعت، معبرة عن آمالهم وحاضنة لطموحاتهم.

وغني عن الذكر أن تنظيم الدولة الإسلامية بفعل تنظيمه لحركة التجارة في المناطق التي يسيطر عليها وعدم توقف بيعه لشحنات من البترول باتت له مداخيل محترمة تمكنه من دفع رواتب جيدة وتأمين حدود الحياة الدنيا لمبايعيه من السكان ومقاتليه أيضا؛ الأمر الذي يساعده في المزيد من استقطاب الأتباع وتوسيع دائرة البيئة الحاضنة. وما يدلل على ذلك أن أحدا لم يسمع عن مظاهرات احتجاج من طرف سكان المناطق الخاضعة للتنظيم وبعضها مأهول كحال الموصل في العراق ومحافظة الرقة في سوريا.

في ضوء هذه المعطيات بعد حوالي 5 أشهر من بدء عمليات القصف الجوي ضد داعش، وبالنظر إلى أن هذه الأخيرة ما زالت تواصل غزواتها وتوسع الرقعة الجغرافية الخاضعة لها، وأن اندفاعة المتطوعين إلى صفوفها لم تتوقف، بل تلتها العديد من المبايعات الإقليمية لزعيمها وخليفتها في المشرق العربي وأجزاء من المغرب الكبير؛ فإن هذه الحركة الجهادية المتجددة بدأت تتحول تدريجيا كتنظيم القاعدة إلى فكرة وأيقونة للجهاد.

إن هذا التحول يجعل مواجهة داعش على صعيد الفكر والعقيدة غير  هينة على الإطلاق، لاسيما وأنها توظف بذكاء مجموعة معطيات تاريخية تدعي إحياءها مرتبطة بها كتنظيم وفكرة إضافة إلى استغلال نقاط الضعف لدى الأنظمة العربية والإسلامية القائمة التي يفترض فيها محاربة داعش على هذا الصعيد أملا في تحجيمها، وسعيا إلى اجتثاثها فيما بعد.

1/ يدعي تنظيم الخلافة الإسلامية أنه الوحيد القادر على إحياء سنن السلف الصالح، طاعنا بذلك في الشرعية الدينية والتاريخية للأنظمة العربية والإسلامية، التي يقول عنها إنها أنظمة وضعية من صنع القوى الاستعمارية، وكذا التنظيمات الإسلاموية المحسوبة على تيارات الاعتدال، ومؤكدا على أنه المؤهل وحده لقيادة الأمة الإسلامية في الصراع الحضاري الذي تخوضه منذ أن بات التوجه الإسلامي هو ملاذ الأمة إثر انحسار الفكر القومي، واندثار الفكر اليساري وتخاذل الفكر اللبرالي وكذلك الأنظمة المتبنية له، التي برهنت على هوان كبير أمام العجرفة الغربية التي فرضت على الجميع مفهومها الخاص بالإرهاب الذي أصبح مقرونا عندها بالنعت الإسلامي.

لقد جاء تشديد التنظيم على كونه الممثل الشرعي والوحيد للهوية الدينية الإسلامية بعد نجاحه في تسويق وجهة نظره في استخدام الدين لتبرير ما يقوم به من غزوات، وتمكنه من إسقاط الحواجز والحدود المصطنعة استعماريا مدغدغا بذلك عواطف الملايين ممن يحنون لزمن يرونها تليدا. ومثل هذا التبرير لا يأتي من فراغ، وإنما هو مستلهم من ممارسات مماثلة موجودة في تجارب من أديان أخرى، وسبق لمجموعات إسلامية أخرى ممارسته.

فبالعودة إلى التاريخ القريب ودون الغوص في أعماق تجارب البشر في الماضي السحيق، تبرز واضحة للعيان في إطار التبرير الديني تجربة تيودور هرتزل منظر الدولة العبرية، الذي عزا اختيار أرض فلسطين كمكان لإقامة "الدولة اليهودية الموعودة" إلى أهميتها كأسطورة جبارة قادرة على بعث الحنين اليهودي وإذكاء جذوته. وها هي إسرائيل الحالية تحاول بالابتزاز مقايضة انخراطها في عملية السلام في الشرق الأوسط بضرورة الاعتراف بهويتها كدولة يهودية لدرجة باتت الفكرة جوهر علاقاتها الدولية.

وفي ذات الإطار لا يمكن التغاضي عن أن الرئيس جورج بوش الابن اعتبر غزوه للعراق سنة 2003 وإطاحة النظام البعثي حربا صليبية جديدة، مؤكدا لأحد القادة العرب الذي حاول إثناءه عن الغزو في اللحظات الأخيرة بأن ما سيقوم به هو نداء إلهيWhat I will do is a divine call، ما يؤكد أن محورية الهوية الدينية في السلوك والتصرف السياسي لا يختص بها الإسلام وحده.

ومن هذه المحورية تنبثق فكرة التميز التي يحاول تنظيم داعش تسويق نفسه على أساسها، خاصة وأنه تميز فعلا عن سابقيه من التنظيمات الإسلامية بإحيائه الخلافة الإسلامية التي لم تجرؤ أي جهة عربية وإسلامية إعلانها منذ إلغاء الخلافة العثمانية سنة 1923. وقد ازداد هذا التميز بإعلان التنظيم أنه بعد توطيد أسس الخلافة سينطلق نحو تحرير فلسطين، محاولا بذلك تفنيد الادعاءات التي تحاول تصويره دمية في يد الدولة العبرية، التي لم يعد قادتها يخفون خشيتهم من أن التنظيمات الإسلامية قد تكون خطرا عليهم انطلاقا من الجولان حيث بدأت هذه التنظيمات في التمركز، وذلك بعد إنهاء مهمتها في دمشق.

الجدير بالذكر في هذا الصدد أن فكرة التميز ليست من اختراع داعش، وإنما استعارتها من العديد من التنظيمات الإسلامية التي تفننت كل واحدة في ممارستها وفق ما تراه مناسبا لظروفها. إن تجربة جماعة الإخوان المسلمين على هذا الصعيد هي الأكثر ثراء. لن نعود أبدا إلى العصور التي كانت تتأرجح فيها الجماعة بين تسويق نفسها تارة كجماعة للمسلمين، وتارة أخرى كجماعة من المسلمين. تكفي الإشارة في هذا السياق إلى الفترة التي أعقبت ثورة 25 يناير 2011 في مصر، إذ مباشرة بعد الإعلان عن تنحي الرئيس مبارك بدأت الجماعة في التحرك منفردة عن باقي القوى الثورية في ميدان التحرير. بدا ذلك جليا في جمعة 29/7/2011 التي أرادها الثوار جمعة وحدة الصف، وسمتها الجماعة جمعة الحفاظ على هوية مصر الإسلامية، ما حدا بالبعض لتسميتها بجمعة قندهار؛ ثم تأكد ذلك التميز والتفرد بالملموس عند وصول مرشحها الرئيس محمد مرسي للسلطة.

2/ من واقع الحياة السياسية العربية يبدو أن فكرة التميز ظاهرة عامة تمارسها أيضا الأنظمة العربية والإسلامية القائمة تحت مسميات وتعابير متعددة تتفنن في استحداثها، حيث يتحدث البعض عن "Xأولا"، وآخر عن الريادة وثالث عن الاستثناء وهلم جرا. ومن المسلم به في ضوء هذه المعطيات ألا تسمح هذه الأنظمة لداعش بمزاحمتها في هذا المجال وبزها فيه استنادا على ما تستثيره من عواطف وتعاطف في العديد من الأوساط الشعبية من وراء جرأتها على مواجهة الغرب "الكافر" وصلافته، وقدرتها على القيام بأعمال تؤشر على استعداد لاسترداد الكرامة المهدورة.

وفي المعلومات المتاحة أن هذا المعطى كان أحد الحجج التي وظفتها الولايات المتحدة الأمريكية لاستمالة العديد من الدول العربية والإسلامية للانضمام إلى تحالفها، معولة عليها في المواجهة على صعيد الفكر والعقيدة باعتبار أن البعض منها له باع طويل في هذا المجال، ويتوفر على مؤسسات دينية ذات إشعاع عالمي ورصيد تاريخي وإمكانيات مادية وبشرية قادرة على النجاح في مهمة كهذه، وأن من واجبها دخول مثل هذا الصراع على أساس أن داعش تعتبرها أنظمة كافرة وغير شرعية لا بد من إنهاكها تمهيدا للقضاء عليها.

وبالفعل، فإن كافة الدول العربية والإسلامية بما فيها تلك التي كانت أو لا تزال تدعي التقدمية والعلمانية قد طورت على مدى العقود الثلاثة الماضية مؤسساتها الدينية، وحاولت تأطير الحقل الديني وإصلاحه لسحب البساط من تحت أقدام تيارات الإسلام السياسي، التي بدأت باكرا توظيف الإيمان والمعتقدات في المعترك السياسي خلطا للأوراق واستغلالا للوازع الديني لدى شرائح واسعة من المواطنين. ولم يتوان بعض هذه في استخدام شعارات وألقاب ذات حمولة دينية من قبيل الرئيس المؤمن الذي أسبغه الإعلام المصري الموجه آنذاك على الرئيس أنور السادات، وخادم الحرمين الشريفين الذي استحدثه الملك فهد بن عبد العزيز، فيما ذهب الرئيس صدام حسين إلى إضافة عبارة "الله أكبر" إلى العلم العراقي.

ومن الواضح أن في هذه السياسات الدينية المتبعة من طرف الأنظمة على اختلاف أسسها وشرعيتها يمكن إيجاد بعض التفسير لبروز وتنامي دور العديد من المؤسسات الدينية وامتداد إشعاعها خارج حدود الدول التي تنتمي إليها، استنادا على ما لهذه الدول أو المؤسسات نفسها من رصيد ديني وتجربة عبر التاريخ أو ثقل مادي قادر على توفير الأطر الكفؤة واستقطاب الأتباع. في هذا السياق لا بد من إطلالة على أبرز هذه المؤسسات:

- رابطة العالم الإسلامي الممولة من المملكة العربية السعودية، التي استطاعت أن تؤمن انتشارا واسعا للإسلام على المذهب الحنبلي في صيغته الوهابية في العديد من الأصقاع، وخاصة داخل أوساط الجاليات العربية والإسلامية في أوروبا، انطلاقا من المراكز الإسلامية المنتشرة هناك بعد أن تولى سفراؤها مجالس إدارة تلك المراكز، بعد إقصاء نظرائهم من دول شمال إفريقيا لعدم الاهتمام وأحيانا بالتواطئ.

- الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي ترعاه قطر بالمقر والتمويل مؤملة أن يمنحها إشعاعا دينيا دوليا يوازي ذلك الذي توفر لها إعلاميا عبر قناة الجزيرة، وبشكل يتيح لها مقارعة تنظيمات أخرى إسلامية مماثلة. ورغم ضم الاتحاد لفقهاء من المذهب الجعفري الشيعي ومن المذهب الأباضي، فإنه لا يخفي تعاطفه مع جماعة الإخوان المسلمين انطلاقا من رئيسه الشيخ يوسف القرضاوي الذي يعتبر مرجعا روحيا للإخوان. 

- الأزهر الشريف هو الأقدم من بين هذه المؤسسات والأكثر هيكلة لأنه مؤسسة تعليمية وتربوية متكاملة، له باع طويل في نشر الفكر الديني المعتدل، والمستفيد من إمكانيات الدولة المصرية في تمويل مدراسه وجامعاته ومعاهده، وكذا العديد من بعثاته عبر العالم. ولذلك يعول عليه النظام المصري الجديد كثيرا في محاربة الغلو والتطرف الذي فرخ على مدى الأربعة عقود الماضية العديد من التنظيمات المتطرفة التي استخدمت العنف والاغتيال لتحقيق غاياتها ونشر مفاهيمها منذ حادثة الكلية الفنية العسكرية سنة 1974 إلى الآن حيث تمثل جماعة أنصار بيت المقدس تحديا أمنيا كبيرا خاصة بعد ارتباطها بدولة الخلافة الإسلامية مرورا بمحطات مفصلية أبرزها اغتيال الرئيس السادات نفسه على يد أفراد من الجماعة الإسلامية.

ولعل جسامة التحدي المتواصل عبر ضربات موجعة للقوى الأمنية والعسكرية في مصر هو أكبر محفز على مطالبة الأزهر بضرورة العمل على تجديد الخطاب الديني وتنقيته من شوائب الفكر السلفي المتطرف المتغلغل داخل أوساط الأزهر نفسه، الذي رفض بعض فقهائه مؤخرا نعت مقاتلي الدولة الإسلامية في العراق والشام بالتكفيريين.

إن هذه المؤسسات الدينية وغيرها ممن هو موجود في دول أخرى قادر على محاصرة فكر الغلو والتطرف الذي تنهل منه الجماعات الجهادية المتشددة، وخاصة إذا ما نسقت جهودها بالتركيز على جوهر الرسالة الإسلامية المتمثل في الرحمة والعدل واحترام آدمية الإنسان والسعي لإعمار الأرض الذي يتطلب استتباب الأمن والاستقرار.

ولكن التجارب السابقة والضربات المستترة والعلنية أحيانا المتبادلة تؤكد أن مثل هذا التنسيق أمر مستبعد لاعتبارات تتعلق باختلاف سياسات وتوجهات وطموحات الدول التي تمولها الباحثة إما عن الريادة أو الزعامة أو التفرد أو الاستثناء. بل إن إمكانيات تصادمها أو على الأقل تنافسها تظل قائمة. ألا يوصف رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين المصري يوسف القرضاوي بمرشد الإرهابيين في إشارة إلى الإخوان المسلمين ومطلوب للأمن المصري بموجب مذكرة بحث دولية؟

وغني عن الذكر أن هذا التصادم قد يحصل أيضا مع توجهات دينية مغايرة تقودها مؤسسات أخرى ليست لها نزعة الريادة أو الزعامة، ولكنها حريصة على تحصين مواقعها وتأمين مجتمعاتها كما هو شأن المؤسسة الدينية في المغرب التي تقود منذ أزيد من عقد من الزمن عملية إصلاح واسعة للحقل الديني انطلاقا من وحدتها المذهبية المالكية، عارضة مساعداتها لمن يرغب من أتباع هذا المذهب فقط. لقد بدت إرهاصات مثل هذا الاصطدام عندما انتقد أحد علماء الأزهر تأخر المغاربة في الاحتفال بعيد الأضحى المبارك. صحيح أن الحادثة تم تطويقها، ولكن لا يوجد ما يمنع من تكرار تحرشات مماثلة.    

ولا شك أن تنظيم الدولة الإسلامية على وعي تام بالتناقضات الموجودة بين الدول السنية والمؤسسات الدينية التي ترعاها. ولهذا لم يتوان في أن يرفع شعار "الدولة الإسلامية باقية وتتمدد"، معبرا ليس فقط عن الرغبة في رفع معنويات مقاتليه بعد الغارات الجوية لقوات التحالف التي أجبرته على التراجع والانسحاب في العديد من المناطق، وكبدته خسائر بشرية كبيرة أحيانا، وإنما أيضا عن توجه عام لدى قيادة التنظيم بمواصلة شق الطريق في التوسع وبناء الدولة استنادا على قراءتهم الخاصة وفهمهم الأوحد للشريعة الإسلامية نصوصا وتاريخا في إطار الفقه السني على اعتبار أن الفقه الشيعي بالنسبة لديهم كفر وزندقة لا علاقة له بالإسلام؛ ما جعل أقطاب هذا الفكر الأخير يلقبون عناصر تنظيم داعش بالتكفيريين.

إن جميع القوى الدولية والإقليمية على يقين بالخطر الداهم الذي تمثله داعش وانتشار أفكارها ونموذجها عليها وعلى مصالحها، وهذا ما أجبرها على التخلي عن التردد والحذر اللذين طبعا تعاملها مع هذا التنظيم منذ أن تولى أبو بكر البغدادي قيادته سنة 2010 والخروج إلى المواجهة المباشرة في حرب غير متماثلة على الإطلاق شكلا ومضمونا. ومع ذلك فإن احتمالات فشل إستراتيجي جديد في المواجهة ضد الإرهاب كما حصل مع طالبان عقب أحداث 11 سبتمبر 2011، ومع تنظيم القاعدة في بعد غزو العراق سنة 2003، تبدو قائمة وتزداد نسبتها قياسا إلى إمكانيات النجاح.

واستنادا على وجود احتمالات جدية للفشل، ما فتئت الدول الإقليمية المنضمة إلى التحالف كدول الخليج وتركيا تطالب الإدارة الأمريكية بعدم تكرار أخطائها في أفغانستان والعراق في الماضي، وذلك بعدم تركيز الجهود العسكرية في العراق أولا، ولكن بضرورة توسيع مجال الضربات الجوية في سوريا والنظر جديا في إمكانية إقامة مناطق عازلة شمال سوريا لتكثيف تدريب الجيش السوري الحر، والوحدات الكردية هناك وإعدادهم لتأمين سلامة المناطق المحررة من داعش.

وبإجماع المراقبين، فإن إدارة الرئيس أوباما لا تبدي كبير اهتمام بهذا الموضوع، مضفية المزيد من الغموض والضبابية على ما تنوي القيام به، وكأنها تؤكد ما قاله جاك أطالي ذات يوم للرئيس الراحل فرنسوا ميتيران عندما سأله عن طريقة تفكير واشنطن بأنه منذ قرار استخدام القنبلة النووية على هيروشيما وناكازاكي الله وحده يعلم كيف تفكر أمريكا. وعلى ضوء ما يجري في المنطقة يمكن أن نضيف الله أعلم فيما تفكر أيضا.

وإلى أن تنجلي الإستراتيجية الأمريكية الحقيقية للمنطقة، فالمؤكد أن الأهداف المتوخاة من نظرية الفوضى الخلاقة تظهر تباعا الواحد تلو الآخر، وأكثرها ضراوة هو الصراع الديني المذهبي بين السنة والشيعة الذي يتفاقم أكثر فأكثر ويمتد لساحات جديدة بشكل تغدو إمكانية تجاوزه شبه مستحيلة. ومع بروز داعش وتمددها بدأ الصراع الفكري داخل المذاهب السنية المنتمي إليها أغلب المسلمين يتحول إلى صراع دموي لن يحسم سوى بالدم بعيدا عن أي حلول توافقية، تماما كما حصل مع الخوارج عبر التاريخ.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن ما تسميه واشنطن "الإرهاب السني" الذي آذاها كثيرا وضربها في عقر دارها يستحيل ضبطه نظرا لتعدد مرجعياته المتنازعة والمتصارعة فيما بينها، وله بيئة حاضنة أكبر ومنتشرة عبر العالم أكثر قياسا إلى "الإرهاب الشيعي" المنضبط تنظيميا بجهاز تحكم عن بعد موجود في طهران رغم تعدد المذاهب الشيعية وتنوع التنظيمات المسلحة داخلها، فمن النباهة ترقب المزيد من تأجيج النيران المذهبية وتوسيع دائرتها.

والخشية أن تلتهم تلك النيران الأخضر واليابس، لدرجة قد تصدق عليها نبوءة مجموعة ناس الغيوان ويسود "بلاد العربان نواح البوم".