لا يمكن الحديث عن العلاقات المصرية – المغربية بدون استحضار خصوصية كلا البلدين ضمن مجالهما “الجيو- سياسي” و “الجيو – ستراتيجي” عربيا، إفريقيا، آسيويا ومتوسطيا، بما يمنحه لهما ذلك من مكانة ضمن منظومة “الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”. المكانة التي تجعل طبيعة تلك العلاقات تكون مؤطرة بعمق تاريخهما الوطني كل على حدة، وكذا بوزن إمكانياتهما الذاتية المعتبرة، وأخيرا بغير قليل (طبيعيا) من “الندية الإيجابية والبناءة” بينهما.
لقد منح القدر ل “الجماعة البشرية المصرية” ول “الجماعة البشرية المغربية”، كما تشكلتا عبر التاريخ منذ قرون، أن تقعا معا عند مفترق طرق حضاري، صنعه موقعهما الجغرافي بين قارتين وثقافتين , بين القارة الإفريقية والقارة الآسيوية وبين الثقافة المتوسطية والثقافة الإفريقية بالنسبة لمصر، وبين القارة الإفريقية والقارة الأروبية وبين الثقافة العربية الإسلامية الأمازيغية الإفريقية والثقافة المسيحية الغربية بالنسبة للمغرب.
بالتالي، فإن ما يحكم التجربتين البشريتين معا (المصرية والمغربية) هو تراكم تجربة حضارية صنعها الإنفتاح والإحتكاك مع تجارب حضارية مختلفة بحكم ذلك الموقع الجغرافي الإستراتيجي، ساهم في صناعة نموذج للفرد المصري وللفرد المغربي مجبولان على مكرمة الإنفتاح على الآخر وعلى مكرمة تقبل الإختلاف.. ولا يمكن إدراك سر التواشج والتواؤم والتوافق التاريخي بين المزاج المصري والمزاج المغربي بدون استحضار هذين المعطيين الجغرافيين والحضاريين, أي إن ما جعل العلاقة تسلسل دوما بين الذهنية المصرية والذهنية المغربية (شعبيا) هو صدورهما عن تجربة للحياة تكاد تكون متطابقة.
مثلما لا يمكن تمثل طبيعة العلاقات بين الدولتين اليوم، بدون استحضار لتشابه التحديات التي تواجههما ضمن محيطهما الجيو – سياسي والجغرافي والإقليمي. فكلاهما مطوق بمحيط جهوي سلبي (مناهض)، حيث القاهرة مطوقة بتحديات من الجبهة الشرقية ، مثلما أنها مطوقة بمجال متوتر خطير في ليبيا وبأزمة مركبة أمنيا في السودان وبعداء مقلق يرتبط بحقوق شعبها في الأمن المائي والسيادة المائية للنيل من قبل إثيوبيا . فيما المغرب مطوق بأزمة مركبة مع الجزائر (أقدم حدود مغلقة في العالم منذ 1994) وبتحديات أمنية لمواجهة مخاطر الهجرة السرية من إفريقيا جنوب الصحراء، ومواجهة التطرف الديني في دول الساحل وشبكات دولية للتهريب والمخدرات والإتجار بالبشر صاعدة من غرب إفريقيا آتية من أمريكا اللاتينية.
إن الخلاصة الأولية هنا هي أن البلدان يواجهان معا تحديات مقلقة تفرض عليهما معا (وجوبا) دفتر تحملات متشابه ضمن مجال التأسيس لعلاقاتهما المشتركة, وهو دفتر تحملات لا يمكن إغفال ما يمتلكانه معا من دور محوري ضمن منظومة سلاسل الإنتاج التجارية عالميا بحكم امتلاكهما لمعبرين محوريين حاسمين بين الشمال والجنوب والشرق والغرب هما معبر مضيق جبل طارق مغربيا وممر قناة السويس مصريا.
إن بعض الجغرافية نعمة أكيد، لكنها يمكن أن تتحول إلى نقمة إذا كانت الدول ضعيفة على مستوى بنائها الوطني والقومي والأمني. وهو الأمر ولله الحمد غير المتحقق مع مصر والمغرب، حيث تشكل دربة تجربة الدولة في كليهما نقطة ارتكاز حاسمة لتحويل نعمة الموقع الجغرافي (في قمة القارة الإفريقية شرقا وغربا) إلى رأسمال حاسم يهب للورقة المصرية والمغربية أن تكون مؤثرة وحاسمة ضمن منظومة العلاقات الدولية..
ها هنا ما نقصده من أن البلدان يمتلكان أسباب ندية ضمن مجال تحركهما إفريقيا ومتوسطيا وعربيا وإسلاميا (من ضمن فضاء “الجنوب المعولم”). وأن آليات تعاونهما يؤطرها وعيهما الأصيل معا بقوة مكانتهما وقوة إمكانياتهما.
ها هنا أيضا نفهم كيف تطورت آلية التعاون بين القاهرة والرباط لترتقي منذ 1988 إلى تأسيس “لجنة عليا مشتركة بين الدولتين” (28 ماي) تجتمع دوريا في كلا البلدين برئاسة رؤساء الحكومتين، وأن تتطور إيجابيا لتصبح “لجنة عليا” يترأسها رئيسا الدولتين منذ سنة 1997 (وهي حالة فريدة في كل أشكال التعاون المماثلة ضمن محيطهما الإفريقي والعربي والإسلامي). أضيفت إليها آلية ثانية أقوى منذ سنة 2011 تتمثل في ” آلية التنسيق السياسي والحوار الاستراتيجي” (5 يناير). وهي الآليات التي حكمها تطور تراكمي إيجابي مؤطر ضمن اتفاقية للتبادل الحر بين البلدين (1998) ومعزز ب “اتفاقية أكادير” التي تشمل المغرب ومصر والأردن وتونس (2004).
سيكون أيضا من المفيد تحليليا الإقرار على أن طبيعة العلاقات بين مصر والمغرب على عهد الملك الحسن الثاني والرئيس حسني مبارك مختلفة عن طبيعة العلاقات على عهد الملك محمد السادس والرئيس عبد الفتاح السيسي. ففي المرحلة الأولى كانت هوية العلاقات ذات بعد سياسي أكثر من خلال التعاون بين البلدين ضمن ملفات حيوية كالملف الفلسطيني والملف الإسرائيلي والملف العراقي والملفات الخليجية والملفات المغاربية والملفات الإفريقية وملف العلاقات مع المجال الأروبي، تؤطرها مرجعية ما يمكن وصفه ب “خطاب سياسي براغماتي عملي هادئ”. بينما في المرحلة الثانية أصبحت هوية العلاقات مؤطرة من داخل منظومة اقتصادية أكثر، مؤسساتية على المستوى التعاوني، تؤطرها منظومة قانونية بمرجعية قوانين التعاون الدولي. بدليل أن مستوى أرقام التبادل التجاري في المرحلة الثانية قفزت بنسب عالية (تتجاوز 35 %) إذا ما قورنت بالمرحلة ما قبل 1998 تاريخ وفاة الملك الراحل الحسن الثاني وتولي الملك محمد السادس الحكم. الأمر الذي يجعل مقاربة طبيعة العلاقة بين البلدين ملزم باستحضار أن منطق التدبير مختلف بين المرحلتين، لعل من أبرز عناوينه أن زيارات الدولة بين رئيسي البلدين كانت أبرز في المرحلة الأولى وهي أقل في المرحلة الثانية، لكن زيارات العمل التعاونية والتنظيمية بين مسؤولي الحكومتين في كافة القطاعات والمجالات في المرحلة الثانية هي أكبر وأبرز وأكثر فعالية مؤسساتيا (هناك معدل 30 زيارة بين وزراء الحكومتين في المرحلة ما بين 2000 و2025).
إن التعاون الاقتصادي والتجاري والمالي والأمني بين القاهرة والرباط اليوم جد مهم، وأنه تعاون يتم بالعمل الملموس في الواقع الملموس بعيدا عن الخطابة السياسية أو “خطب النوايا”. بدليل المستوى المتقدم لحضور المنتجات الإستهلاكية المصرية بالسوق المغربية والمستوى الوازن لحضور المنتجات الإستهلاكية المغربية بالسوق المصرية. دون إغفال تطور حضور رؤوس أموال البلدين ضمن المناطق الحرة سواء في مجال قناة السويس بمصر أو مجال الميناء المتوسطي بطنجة بالمغرب. مع تسجيل تدقيق أكبر في التعاون القضائي والتعاون الأمني والتعاون البنكي وفي مجال التأمينات.
هنا يبرز سؤال محوري هام:
ألا يفرض المستوى المتقدم للتعاون الاقتصادي والتجاري والأمني المتحقق في جغرافية العلاقات المصرية المغربية أن يتوج بلقاء مؤسساتي رسمي رفيع بين البلدين يدشن لآلية تعاون جديدة أكثر تقدما مؤسساتيا بأفق استراتيجي جديد؟
إن علامات ذلك كثيرة منذ شهور وليس فقط منذ أسابيع.
إن الزيارة غير الرسمية التي قام بها العاهل المغربي محمد السادس إلى مصر منذ أسابيع (المعروف بمنهجيته العملية في التدبير السياسي لشؤون الحكم بعيدا عن الخطابة)، تعطي مقدمات لذلك أكيد , وما هو متوقع تحليليا أن تطورا مؤسساتيا بأفق استراتيجي سيتحقق بين البلدين بخلفية قوة ووزن موقعهما كل في مجاله الحيوي بشرق وغرب إفريقيا. وأن ذلك كله مندرج ضمن رؤية أكبر لواقع التطورات المتسارعة لمنظومة العلاقات الدولية التي تقدم ما يكفي من الأدلة على أن هناك إعادة بناء مختلفة لموازين القوة في العالم.
بصيغة أكثر دقة، إن دفتر تحملات منظومة العلاقات الدولية اليوم (ملامح نظام عالمي جديد) أصبحت تفرض على القاهرة والرباط إعادة موضعة أكثر تقدما مؤسساتيا لعلاقتهما الثنائية بأفق شمال إفريقي، متوسطي، عربي وإسلامي. أي إعادة تدقيق لبنية هذه العلاقات التاريخية الراسخة بين الشعبين والدولتين بشروط القرن 21. وهذا أفق لا تحسن قراءته سوى الدول المالكة لتراكم في الدربة السياسية والكفاءة البشرية والقدرة على التأثير والمبادرة كما هو متحقق لمصر والمغرب.





