dimanche 5 avril 2026
سياسة

منعطف مدريد.. الصحراء المغربية تدخل مرحلة تنزيل الحكم الذاتي

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
منعطف مدريد.. الصحراء المغربية تدخل مرحلة تنزيل الحكم الذاتي تطوير إطار الحكم الذاتي المتكامل يضمن سلطة فعلية لسكان الصحراء ضمن الوحدة الوطنية المغربية

تمثل‭ ‬«مفاوضات‭ ‬مدريد»‭ ‬التي‭ ‬احتضنتها‭ ‬السفارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬يومي‭ ‬8‭ ‬و9‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬منعطفا‭ ‬نوعيا‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تدبير‭ ‬ملف‭ ‬الصحراء،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬النقاشات‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬بدأت‭ ‬تلامس‭ ‬الأبعاد‭ ‬التقنية‭ ‬والمؤسساتية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بكيفية‭ ‬تفعيل‭ ‬مقترح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬القانوني‭ ‬والإداري‭ ‬والمالي،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬ستكون‭ ‬مرتبطة‭ ‬بدرجة‭ ‬توفر‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬لدى‭ ‬مختلف‭ ‬الأطراف،‭ ‬وبقدرة‭ ‬الوساطة‭ ‬الدولية،‭ ‬التي‭ ‬تضطلع‭ ‬بها‭ ‬أساسا‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬على‭ ‬تقريب‭ ‬وجهات‭ ‬النظر‭ ‬وتحويل‭ ‬التوافقات‭ ‬العامة‭ ‬إلى‭ ‬ترتيبات‭ ‬عملية،‭ ‬وتنفيذ‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬(2797)‭ ‬بإيجاد‭ ‬حلول‭  ‬توافقية‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬تكون‭ ‬قابلة‭ ‬للتطبيق‭.‬


وإذا‭ ‬كان‭ ‬مقترح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬المغربي‭ ‬هو‭ ‬الصيغة‭ ‬التي‭ ‬جعل‭ ‬منها‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬أرضية‭ ‬للتفاوض،‭ ‬فإن‭ ‬التنفيذ‭ ‬يقتضي‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬دقيقة،‭ ‬يتم‭ ‬خلالها‭ ‬تحديد‭ ‬آليات‭ ‬نقل‭ ‬الاختصاصات،‭ ‬وإرساء‭ ‬ضمانات‭ ‬دستورية،‭ ‬وصياغة‭ ‬إطار‭ ‬قانوني‭ ‬واضح‭ ‬ينظم‭ ‬طبيعة‭ ‬المؤسسات‭ ‬الجهوية‭ ‬وصلاحياتها‭ ‬وعلاقاتها‭ ‬مع‭ ‬المركز،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬مرحلة‭ ‬التنفيذ‭ ‬ستكون‭ ‬اختبارا‭ ‬حاسما‭ ‬لمدى‭ ‬إرادة‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬في‭ ‬طي‭ ‬هذا‭ ‬الملف،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬سيدفع‭ ‬إلى‭ ‬الانتقال‭ ‬ببعثة‭ ‬«المينورسو» من‭ ‬مراقبة‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬إلى‭ ‬مواكبة‭ ‬تنفيذ‭ ‬الاتفاقات‭ ‬السياسية‭ ‬وتقديم‭ ‬الدعم‭ ‬التقني‭ ‬والمؤسساتي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يقتضي‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬وظيفتها،‭ ‬في‭ ‬انسجام‭ ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬طبيعة‭ ‬النزاع‭ ‬ومسار‭ ‬تسويته‭.‬


بيد‭ ‬أن‭ ‬التفاوض‭ ‬سيحتم‭ ‬الاستنجاد‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يؤكده‭ ‬المقترح‭ ‬المغربي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يخف‭ ‬استلهامه‭ ‬لتجارب‭ ‬الدول‭ ‬المجاورة،‭ ‬وهي‭ ‬تجارب‭ ‬تثبت‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬السياسي‭ ‬والمؤسساتي‭ ‬يتخذ‭ ‬صيغا‭ ‬متعددة،‭ ‬ترتبط‭ ‬بالسياقات‭ ‬التاريخية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬لكل‭ ‬بلد،‭ ‬وتتشكل‭ ‬وفق‭ ‬توازنات‭ ‬دقيقة‭ ‬بين‭ ‬مطلب‭ ‬التدبير‭ ‬المحلي‭ ‬ومتطلبات‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭. ‬


ومن‭ ‬هنا‭ ‬يتقدم‭ ‬مقترح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬المغربي‭ ‬بوصفه‭ ‬أرضية‭ ‬للنقاش‭ ‬منفتحة‭ ‬على‭ ‬أنماط‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬التي‭ ‬راكمتها‭ ‬تجارب‭ ‬دولية‭ ‬متنوعة،‭ ‬خاصة‭ ‬تجربة‭ ‬إسبانيا‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الصيغ‭ ‬تطورا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭. ‬فقد‭ ‬تأسس‭ ‬نظام‭ ‬«دولة‭ ‬الجهات‭ ‬المستقلة»‭ ‬عقب‭ ‬دستور‭ ‬1978،‭ ‬حيث‭ ‬مُنحت‭ ‬الأقاليم‭ ‬التاريخية‭ ‬مثل‭ ‬«كاتالونيا»‭ ‬و‭ ‬«إقليم‭ ‬الباسك»‭ ‬و‭ ‬«الأندلس»‭ ‬صلاحيات‭ ‬تشريعية‭ ‬وتنفيذية‭ ‬واسعة،‭ ‬تشمل‭ ‬التعليم‭ ‬والصحة‭ ‬والثقافة‭ ‬والشرطة‭ ‬الجهوية‭ ‬والتخطيط‭ ‬العمراني‭. ‬كما‭ ‬تمتلك‭ ‬هذه‭ ‬الجهات‭ ‬برلمانات‭ ‬منتخبة‭ ‬وحكومات‭ ‬محلية،‭ ‬وتشارك‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬مواردها‭ ‬عبر‭ ‬أنظمة‭ ‬مالية‭ ‬متفاوتة،‭ ‬حيث‭ ‬يتمتع‭ ‬إقليم‭ ‬«الباسك»،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬بنظام‭ ‬جبائي‭ ‬خاص‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬جباية‭ ‬الضرائب‭ ‬محليا‭ ‬وتحويل‭ ‬حصة‭ ‬متفق‭ ‬عليها‭ ‬إلى‭ ‬الدولة‭ ‬المركزية‭. ‬


أما‭ ‬التجربة‭ ‬الإيطالية،‭ ‬فتقدم‭ ‬بدورها‭ ‬صيغة‭ ‬مزدوجة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬جهات‭ ‬عادية‭ ‬وجهات‭ ‬ذات‭ ‬نظام‭ ‬خاص‭. ‬فمنذ‭ ‬دستور‭ ‬1948،‭ ‬اعترفت‭ ‬الدولة‭ ‬الإيطالية‭ ‬بخمس‭ ‬جهات‭ ‬ذات‭ ‬حكم‭ ‬ذاتي‭ ‬موسع‭ ‬لأسباب‭ ‬تاريخية‭ ‬وثقافية‭ ‬ولغوية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬«صقلية»‭ ‬و«سردينيا»‭ ‬و«ترينتينو‭ ‬ألتو‭ ‬أديجي»‭. ‬إذ‭ ‬تمتلك‭ ‬هذه‭ ‬الجهات‭ ‬صلاحيات‭ ‬تشريعية‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬العادية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬المالية‭ ‬والثقافية،‭ ‬وتحتفظ‭ ‬بجزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬عائداتها‭ ‬الضريبية‭. ‬


وتقدم‭ ‬البرتغال‭ ‬نموذجا‭ ‬آخر‭ ‬للحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬الإقليمي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جهتي‭ ‬«الأزور»‭ ‬و«ماديرا»‭. ‬هاتان‭ ‬المنطقتان‭ ‬الجزيريتان‭ ‬تتمتعان‭ ‬ببرلمانات‭ ‬جهوية‭ ‬وحكومات‭ ‬محلية،‭ ‬واختصاصات‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية،‭ ‬مع‭ ‬احتفاظ‭ ‬الدولة‭ ‬بالسيادة‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬والسياسة‭ ‬الخارجية‭. ‬


وفي‭ ‬بلجيكا،‭ ‬تتخذ‭ ‬صيغة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬بعدا‭ ‬فدراليا،‭ ‬حيث‭ ‬تحولت‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬اتحاد‭ ‬يضم‭ ‬أقاليم‭ ‬ومجتمعات‭ ‬لغوية‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تمثل‭ ‬بلجيكا‭ ‬حالة‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬تقاسم‭ ‬السلطة‭ ‬بين‭ ‬المركز‭ ‬والكيانات‭ ‬المكونة‭ ‬له،‭ ‬حيث‭ ‬توجد‭ ‬أقاليم‭ ‬مثل‭ ‬«فلاندر»‭ ‬و«والونيا»،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مجتمع‭ ‬«بروكسل»‭. ‬وتمتلك‭ ‬هذه‭ ‬الكيانات‭ ‬برلمانات‭ ‬وحكومات،‭ ‬واختصاصات‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والثقافة‭ ‬والتعليم‭. ‬كما‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬جوانب‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬المرتبطة‭ ‬باختصاصاتها‭. ‬


وهذا‭ ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬على‭ ‬المغرب‭ ‬صياغة‭ ‬عقد‭ ‬سياسي‭ ‬جديد،‭ ‬يعترف‭ ‬بخصوصية‭ ‬الصحراء‭ ‬ضمن‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية،‭ ‬ويمنح‭ ‬سكانها‭ ‬سلطة‭ ‬فعلية‭ ‬على‭ ‬شؤونهم،‭ ‬ويضمن‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬انسجام‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬السيادة،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬التجارب‭ ‬الأوروبية‭ ‬تقدم‭ ‬أمثلة‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬ابتكار‭ ‬نفسها‭ ‬دستوريا،‭ ‬عبر‭ ‬توسيع‭ ‬فضاءات‭ ‬المشاركة‭ ‬الجهوية،‭ ‬وصون‭ ‬الوحدة‭ ‬عبر‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالتعدد‭.‬

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg