الأربعاء 12 يونيو 2024
كتاب الرأي

عزيز سعيدي: التحرش الجنسي في الواقع المغربي.. عندما يتراشق الأطراف بالمسؤوليات

عزيز سعيدي: التحرش الجنسي في الواقع المغربي.. عندما يتراشق الأطراف بالمسؤوليات

في كل مرة يُزجُّ بالمرأة في دائرة النقاش العمومي بسبب أو بآخر، إلا وتخلق الحدث وتكون في الكثير من الأحيان حدة صراع الأفكار والإيديولوجيات حولها أكبر، وتتجاوز بذلك اللباقة والهدوء اللذين يفترض أن يتسم بهما النقاش العمومي في البلاد.

مقدمة حديثي هنا عن المرأة هو هذا الصراع الذي غذاه شريط فيديو للمسمى الشيخ سار، والذي اتُخِذ كموضوع له مؤخرات المغربيات ودفاعه غير المباشر عن التحرش بهن وتحميله لمسؤولية ما تتعرض له النساء في الشارع العام من مضايقات لطريقة لباسهن التي تثير الرجال وهم يصادفونهن في كل الأماكن العمومية، وقبله موجة الفيديوهات التي تحاول جاهدة استعراض عدد المرات التي يتحرش بها الرجال بالنساء، و كذا النساء بالرجال.

وبالعودة لمضمون الفيديو، أعتقد أن حرية التعبير مكفولة لكل المغاربة بموجب الدستور والقوانين، وهذا حق لا يجب مصادرته من أحد. ولكن الشيء الذي لا أتفق معه مع ما تضمنه الفيديو هو الطريقة والأسلوب اللذين انتهجهما صاحبه وهو يسيء للنساء اللواتي أقحم صورهن في الفيديو رغم إخفائه للجانب الجسدي الذي شكل جوهر حديثه. 

بين من يتفق مع الشيخ سار في تحليله لظاهرة التحرش الجنسي، ومن يعارضه، تتواجه أفكار مجتمعية متناقضة، ويتجدد معها الصراع الذي يلازم منذ مدة تلك العلاقة التي تربط بين المرأة ومكانتها في المجتمع، وكذا تلك الحدود التي يحاول البعض وضعها في مواجهة موجات التحرر التي تعرفها قضايا المرأة في المجتمعات العربية بصفة عامة والمغربية بصفة خاصة.

إنه صراع يحاول من خلاله كل طرف الترافع والدفاع عن موقفه بتقديم مبرراته وحججه في مواجهة الطرف الآخر. 

الحديث عن تحرر المرأة غالبا ما يصاحبه التذكير بنظرية المؤامرة التي تهدد المجتمعات العربية والإسلامية وأهداف الغربيين المناهضين للإسلام والطابع المحافظ الذي تتميز به. وهنا يقدم أصحاب هذا الفكر ضرورة بقاء المرأة في مجال حدده لها الدين والأعراف كي لا تساهم بولوجها غير المقنن للأماكن العمومية في خراب المجتمع وتشتيت الأسر، وذلك بربط مصائب المجتمع كلها بالاختلاط وخروج المرأة من البيت واشتغالها وهجرها للأدوار الطبيعية التي خلقت من أجلها، ألا وهي تربية الأبناء والمحافظة على تماسك الأسرة، مع الحفاظ على وصاية الرجل الذي يجب أن يحتفظ بسلطته ومركزية دوره في المؤسسة الأسرية والمجتمع. 

وفي مقابل هذا الطرح يسطع نجم من يحاولون مساعدة المرأة على الاستقلال وتحقيق الذات بعيدا عن وصاية الرجل في مواجهة الطابع الذكوري للمجتمع الذي يهمش في نظرهم المرأة ويُقزِّم دورها ومساهمتها في تقدم وتطور المجتمعات.

أصحاب هذا التوجه لا يرون مانعا في خروج المرأة من البيت للعمل والمساهمة في بناء أسرتها، وبالتالي تقوية تماسك المجتمع الذي تعيش فيه بوقوفها إلى جانب الرجل في مختلف مراحل الحياة. وهذا التوجه بدعوته لتحرر المرأة، في إطار حريتها التي لا يجب أن تُمٓس، يعتبر أن من حق المرأة أن تتصرف بالطريقة التي تريدها وفقا لحريتها الشخصية في إطار الضوابط القانونية التي تنظم العلاقات المجتمعية، ومن بين مظاهر هذه الحرية نجد طريقة اللباس والولوج للأماكن العامة.

في خضم هذه الأفكار التي تبدو متنافرة، أن يحاول من يتعاطفون مع هذا التوجه أو ذاك الدفاع عن رأيهم وموقفهم، فهذا أمر طبيعي ومنطقي مادامت القناعات لا تُصادر ولا يجب قمع الآراء طالما التزمت بقواعد النقاش الهادئ والمثمر.. ولكن الأمر الذي لا يتقبله العقل ولا المنطق هو أن تُستغل صور النساء ومؤخراتهن للتشهير بهن والمس بكرامتهن والزج بهن في نقاش تُعرف خلفياته وأهدافه مسبقا. 

وهنا أريد أن أقول بأن المرأة المغربية ليست في حاجة للشيخ سار ولا لغيره من الجمعيات النسائية التي تحاول جاهدة إكساب نفسها الشرعية والحديث باسم نساء المغرب كلهن دون استأذانهن، ولكنها في حاجة لمن يستمع لهمومها وشكاويها التي تتعدد وتتنوع وتشتد حدة خطورة الأوضاع التي تتربص بها يوما بعد يوم بغض النظر عن طريقة لباسها وطريقة مشيها، وهي بحاجة كذلك لمن يحترم مكانتها ومركزها ويعطيها التقدير الذي تستحقه. 

فلو احترم كل واحد من الرجال نساء المغرب مثلما  يحترم أمه وأخته ونساء أسرته، وعاملهن بنفس المعاملة التي يُعامل بها أمه وأخواته، واحترم مكانتهن ومركزهن المحوري في المجتمع، واحترمن بدورهن  خصوصيتهن وخصوصية المجتمع الذي يعشن فيه، وعاد الجميع إلى أساسيات ومرتكزات ديننا الحنيف، وعمل الجميع كل من موقعه على تربية أبنائه على احترام الآخر (نساء ورجالا) وعدم المس بكرامته وحريته، لما تُرِك المجال لكل من هب ودب ليُنصّب نفسه وصيا على المغاربة، ويتحدث باسمهم، ويتفوه بما لا يرضاه عاقل لكل أبناء وطنه.