الأربعاء 12 يونيو 2024
كتاب الرأي

إدريس القري: أنقذوا سينما "فوكس" ببني ملال

إدريس القري: أنقذوا سينما "فوكس" ببني ملال

لا الأمطار الغزيرة، ولا البرد القارس، منعا ثلة من الشباب الملالي الجمعوي، وبعض أعضاء «جمعية مهرجان ثقافات وفنون الجبال»، وعلى رأسهم الشاعرة والناقدة السينمائية الجمعوية أمينة السيباري، من الحضور بداية مساء يوم السبت التاسع والعشرين من شهر نونبر الماضي، إلى قاعة «سينما فوكس» ببني ملال، للمساهمة في إطلاق نداء إنقاذ القاعة السينمائية الوحيدة بالمدينة من السقوط أو الهدم.

كانت الجمعية قد نظمت في ذلك اليوم لقاء تكريميا بهيا وحميميا مع المخرج المغربي المتميز «لحسن زينون» بدار الثقافة للمدينة، حيث تم تلك الليلة عرض فيلمه الروائي الطويل «عود الورد». أعقبت العرض مناقشة جيدة بعدما قمت بتقديم الفيلم باعتباره معالجة إبداعية لتعارض الحاجة والرغبة حد الانتحار، وباعتباره كتابة سينمائية في مفارقة حتمية الجسد البيولوجي وإرادية الحرية الإنسانية.

عندما دخلنا سينما "فوكس" جنح تخيلي، وليس خيالي، بشكل تلقائي نحو صور مراهقة ارتبطت إلى الأبد بالقاعات السينمائية المعتمة. تعلمنا في هذه القاعات، عبر صور الحكي الميلودرامي المصري والهندي والأمريكي على وجه الخصوص، نضجا متكاملا وجدانيا وعقليا واجتماعيا من خلال عمليات تمَاهٍ «مُنفلتة» من أي إدراك نقديٍّ. تعلمنا الحب والخوف، وخبرنا الشهوة والتقزز، كما اكتشفنا الغواية والمكر، ناهيك عن الحذق اللغوي الساخر منه والرومانسي.

تذكرتُ كلَّ هذا في لحظاتٍ مرَّت كالبرق عندما مَدَّ الصديق لحسن زينون يده إلى أحد الكراسي الخشبية وفتحه كما لو كان سيجلس لمشاهدة فيلم، فأحدَث الكرسي صريرًا وكأنه يشتكي من غُيبوبة قسرية أُدْخِلَ فيها عُنوة فحُرِم بذلك من دِفْء أردافٍ، نحيلة أو مكتنزة لا يهم، كانت تُشْعِرُهُ بجدوى وُجوده ومعنى أن يكون كرسيا لثلاث مرات في اليوم يتناوب فيها الشغوفون بالسينما، أو الهاربون من سياجات المجتمع دون الرغبة وتحقيقها، على التشريف بالجلوس إليه وعليه لمشاهدة «السوليما».

كثير هو المداد الذي سال من كل الجهات حول أزمة السينما بالمغرب وكيفية جعل طفرتها العشارية الأخيرة راسخة وذات فعالية وظيفية على الخصوص. والواقع أنني أعتقد بأن البعد المتعلق ببناء إحياء وإنقاذ القاعات بهدف تمتيع البلاد بشبكة وطنية كافية للسينما أساسية في معادلة استكمال بنيوية هذه الطفرة التي لم يكن المغرب يحلم بها منذ حوالي العقدين.

شبكة قاعات كافية ستمنح للسينما موارد تفعل التسبيق على المداخيل معنى، كما ستعزز وظيفية الفن والثقافة في المجتمع بخطاب أكثر جمالية وفاعلية، وستحيي من جهة ثالثة أنشطةً تطبَعُ الأجيال وتساهم في تربيتهم الذوقية من جهة، والتبادلية الحوارية المُفضِيَّة إلى التعايش وقبول الاختلاف والحق فيه اندثرت باندثار دور السينما… لذلك وفي استرجاع لذكرى الممارسة الجمعوية للثقافة السينمائية التي أعطت الكثير لهذا البلد، أنقذوا قاعة "فوكس" ببني ملال يا من بيدهم العقد والحل بالمدينة الجميلة.