السبت 22 يونيو 2024
كتاب الرأي

عبد القادر زاوي: الإسلام السياسي المعتدل بين الكمون والأفول

 
 
عبد القادر زاوي: الإسلام السياسي المعتدل بين الكمون والأفول

على امتداد الخريطة العربية يراكم الإسلام السياسي الذي يرتدي الاعتدال الانتكاسات الواحدة تلو الأخرى، وذلك بعد أن كان قد اعتبر في بداية الربيع العربي أكبر مستفيد من ثورات هذا الأخير واحتجاجاته.

ففي مصر تلقى هذا التيار ممثلا بالإخوان المسلمين ضربة قاضية مزدوجة. كانت الضربة الأولى بطابع عسكري إثر تدخل الجيش في أعقاب ثورة 30 يونيو 2013، وفرضه خارطة طريق جديدة للعمل السياسي في البلاد انتهت بوصول عسكري إلى سدة الرئاسة همه الكبير هو اجتثاث الإسلام السياسي بكافة تلاوينه من الساحتين السياسية والفكرية.

أما الضربة الثانية فقد جاءت من الجماعات الإسلامية المتشددة الخارجة معظمها من عباءة الإخوان المسلمين التي ادعت صواب أطروحتها في ضرورة عدم المهادنة التي اتبعها الإخوان وهم في السلطة، مستقطبة بذلك العديد من أتباعه، محتلة مكانه في مواجهة السلطة العسكرية بلغة الحديد والنار الكفيلة في رأيها بضمان سيادة الإسلام في دياره. وتأتي على رأس هذه الجماعات جماعة أنصار بيت المقدس التي أدخلت إلى الساحة المصرية معطى جديدا يتمثل في إعلانها مبايعة الخليفة أبو بكر البغدادي زعيم الدولة الإسلامية التي أعلنتها داعش.

وتأخذ الأحداث ذات المنحى في ليبيا حاليا حيث انكفأت تيارات الإسلام السياسي "المعتدل" على نفسها، تاركة الساحة لصراع عسكري ضاري بين فلول عسكرية من بقايا نظام العقيد القذافي، وعددا من التنظيمات الإسلامية المتطرفة المنتشرة على طول البلاد، والتي قامت إحداها في مدين درنة بإعلان بيعة الخليفة الداعشي أبو بكر البغدادي، مما يعني أن الدولة الإسلامية التي سبق لداعش أن أعلنتها في المشرق العربي باتت لها جيوب في شمال إفريقيا كفيلة بمضاعفة هواجس الأمن والاستقرار في المنطقة لتصبح أفقية أيضا بعد أن كانت عمودية من خلال التنظيمات المنتشرة في منطقة الساحل والصحراء، ولاسيما شمال مالي.

وقد سجلت الصيغة اليمنية للإخوان المسلمين ممثلة في التجمع الوطني للإصلاح نفس الانكفاء على الذات إثر تلقيها ضربة قاتلة بعد اكتساح الحوثيين الشيعة الزيدية للبلاد وفرض قواعد جديدة للعبة السياسية على باقي الفعاليات بما فيها رئاسة الجمهورية باستثناء الجماعات الإسلامية المتشددة المنتمية إلى القاعدة التي تقود حربا ضروسا للاستئثار باليمن على كل الجبهات، وضد كل القوى السياسية والقبلية والدينية على حد سواء.

وفي سوريا حيث تستعر حرب أهلية مذهبية توارى طيف الإخوان المسلمين الذين قادوا لفترة الائتلاف الوطني السوري المعارض لتأخذ مكانهم في مواجهة نظام الرئيس الأسد والجيش السوري الحر أيضا جماعات إسلامية متشددة تحيي بتصرفاتها فكر الخوارج وتنفذه على الأرض ممثلة بصفة خاصة في داعش التي يعتقد أن سلطاتها تشمل ثلث المساحة السورية وجبهة النصرة المتمركزة في المناطق الجنوبية من البلاد.

ورغم أن هزيمة حركة النهضة الإسلامية في تونس كانت بالنقاط وليس الضربة القاضية، فإنها كانت الأقسى للتيار الإسلامي الموسوم بالاعتدال والأشد إيلاما، وذلك للاعتبارات التالية:

- تكرست الهزيمة من خلال صناديق الاقتراع التي أسفرت عن رفض شعبي سلمي متنامي لأطروحات هذا التيار وخياراته.

- حصلت الهزيمة بقواعد ديمقراطية للعبة السياسية ساهم هذا التيار نفسه في صياغتها، ومن المحتمل جدا أنه سعى إلى تغليب وجهة نظره فيها، لأنه كان القوة الأولى في المجلس التأسيسي الذي شرعها، وكانت لديه حقائب وزارية قادرة على التأثير فيها.

والطامة الكبرى أن الهزيمة جاءت على يد قوة سياسية حديثة النشأة هجينة التكوين والنكهة، عمودها الفقري وجوه من عهد النظام البائد كان يعتقد أنها محروقة، وغير قادرة على العودة ثانية لتصدر المشهد السياسي.

ولا شك أن هذه الهزيمة أعطت دفعة قوية لأطروحات الجماعات الإسلامية المتشددة التي تنشط إرهابيا على الساحة التونسية المرابضة بشكل خاص في جبال الشعانبي على الحدود مع الجزائر، معتقدة أن ثورة الياسمين قد تم اختطافها، ولا بد من تعميد استعادتها بالدم، كما ترى وتنفذ الجماعة المقاتلة التونسية بزعامة المدعو أبو عياض؛ ليجد الإسلام السياسي الذي يدعي الاعتدال في تونس أيضا من يزايد عليه في شعار الإسلام هو الحل.

ولا شك في أن توالي الضربات الأمنية على التيارات الإسلامية الإخوانية في العديد من الدول العربية ساهمت في تشجيع السلطات الأردنية على القيام بحملة شرسة على منتسبي جبهة العمل الإسلامي بإلقاء القبض على العديد من الرموز والقيادات متذرعة بعدم السماح لأي كان بتعكير صفو علاقات الأردن بدول الخليج التي تسانده ماديا ومعنويا بشكل كبير.

وحده الإسلام السياسي الموصوف بالاعتدال، الذي يقود في شخص حزب العدالة والتنمية حكومة ائتلافية هجينة في المغرب، الذي لم تتح فرصة اختبار شعبيته بعد. والاعتقاد السائد لدى كثيرين أن هذه الشعبية تراجعت نسبيا مدللين على ذلك ب:

- تزايد التوتر الاجتماعي في البلاد من جراء تدهور القدرة الشرائية للمواطنين بسبب الرفع في أسعار العديد من المواد الأساسية في حياة المواطن. وأكبر دليل على ذلك هو تزايد مظاهرات ارتفاع فواتير الماء والكهرباء، وانتشارها إلى العديد من المدن المغربية.

- إصرار حزب العدالة والتنمية على عدم العودة إلى صناديق الاقتراع عند انسحاب حزب الاستقلال من الائتلاف الحكومي الأول، مفضلا التحالف مع حزب التجمع الوطني للأحرار الذي كان قبل مدة قصيرة من تحالفهما يطالب بإحالة رئيسه على المحاكمة.

وقد رأى البعض في هذا السلوك حركة سياسية انتهازية تتناقض كلية مع شعارات الأخلاق والفضيلة ومحاربة الفساد التي ظل الحزب ذي المرجعية الإسلامية يرددها في كل خرجاته الإعلامية وتجمعاته الجماهيرية.

ولعل مثل هذا السلوك إضافة إلى الارتباك البادي في تسيير الشؤون العامة كان سندا قويا لموجة الانتقادات المتصاعدة ضد حزب العدالة والتنمية ليس فقط من القوى المعارضة له برلمانيا والمحسوب بعضها على التيار العلماني، وإنما من طرف تيارات الإسلام السياسي الأخرى التي ذهب أحدها وهو جماعة العدل والإحسان إلى اعتبار مشاركة إسلاميي العدالة والتنمية في السلطة مجرد واجهة شكلية لنظام حكم ما زال يدير شؤون البلاد بالأسلوب القديم نفسه، وأن الحديث عن التغيير في ظروف كهذه هو تعلق بالسراب وترويج للأوهام.

ولهذا فإن هذه المشاركة في السلطة إضافة للجهود المبذولة رسميا لمحاربة ظواهر التطرف والغلو الديني لم تحد كثيرا من قدرة الجماعات الإسلامية المتطرفة على استقطاب الشباب المغربي نحو تيارات العنف والتكفير والإرهاب.

فحسب أرقام منشورة تستند على معلومات استخباراتية، فإن أزيد من 1500 شاب مغربي يقاتلون حاليا في صفوف داعش وأخواتها من التنظيمات المتطرفة، بل وصل الأمر حد تباهي بعض الشباب بالإعلان عن مبايعة أبو بكر البغدادي من داخل المغرب نفسه، ما يشكل تطورا نوعيا لافتا للانتباه في انتشار الجماعات الإرهابية المتشحة بالدين، ويبرر إلى حد كبير إجراءات الأمن اليقظة التي لجأت إليها السلطات المغربية، كما يبرهن عليها المخطط الأمني "حذر" الذي شرع في تطبيقه في مدن مغربية على أن يتم تعميمه تدريجيا.

وإذا كان من السهل على تيارات الإسلام السياسي المعتدلة تبرير إخفاقاتها المتزايدة بالمؤامرات المحاكة ضدها داخليا من فلول الأنظمة السابقة، ومؤسسات وشخصيات الدولة العميقة، والعديد ممن وصفتهم بالتماسيح والأشباح السياسية والاقتصادية والمالية؛ وخارجيا من قوى دولية وإقليمية تراها حاقدة عليها وعلى تجربتها؛ فإن من الصعوبة بمكان أن تعترف هذه القوى المتأسلمة بالأخطاء وأحيانا الخطايا التي ارتكبتها هي نفسها.

لقد أثار الانتباه اعتراف أحد قادة حزب الحرية والعدالة المصري بعد الإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي بأن الحزب وجماعة الإخوان المسلمين المنبثق عنها قد وقعا في فخ الانفراد بالحكم، ولكنه اعتراف ظل يتيما ولم تتبعه إجراءات تشي بالندم.

وقد كان حريا الاعتراف أيضا بأن السلطة فتحت شهية كل التيارات الإسلامية وكأنها غنائم غزوة، ما فجر تناقضاتها مدوية حيث ظل كل فصيل يعتقد أنه الأقدر وحده على صناعة التغيير المنشود وإحداث التأثير والتحول المأمول، وأنه وحده جماعة المسلمين، وليس مجرد جماعة من المسلمين.

غير أن التناحر على السلطة والاختباء وراء الشعارات الفضفاضة المدغدغة للعواطف لم تحجب حقيقة فشل قوى الإسلام السياسي بامتياز في التجاوب مع الانتظارات التي كانت عند المواطنين وفي معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت عود الثقاب الذي أشعل ثورات الربيع العربي واحتجاجاته التي جاءت كرد فعل عفوي إزاء الحالة المعيشية المزرية لأغلبية السكان وإزاء تغول الأجهزة الأمنية وانتشار الفساد والريع وما يرتبط بهما من زبونية ومحسوبية قضت على كل إمكانية لتحقيق تكافئ الفرص.

ويعود هذا الفشل إلى أن هذه القوى السياسية المتشحة بالدين لم تقدم برامج بديلة، وأثبتت ممارساتها على الأرض عدم وجود أي فوارق بين برامجها وبرامج الأنظمة والحكومات المطاح بها. فسرعان ما لجأت هي الأخرى إلى وصفات المؤسسات المالية الدولية التي كانت تنتقد التعامل معها طمعا في الحصول على قروض وخطوط ائتمانية منها، صاغرة أمام إملاءاتها الخاصة بوقف دعم المواد الأساسية وتطبيق حقيقة الأسعار لمواجهة العجز التجاري المتفاقم وتقليص النفقات والاستثمارات العمومية لكبح عجز الميزانيات، ما أصاب الطيقات الفقيرة التي تدعي هذه الأحزاب الدفاع عنها بأبلغ الأضرار.

وقد كان لافتا للانتباه أن الحكومات ذات النفحة الإسلامية أو المنقحة بعناصر إسلامية في أكثر من بلد عربي لم تجد غضاضة في الاستعانة بأطر وكفاءات اقتصادية وتجارية وسياحية وفي التعامل مع الخارج محسوبة على الأنظمة السابقة التي كانت تنتقد في الماضي القريب سياساتها وأدائها.

في هذا السياق تبدو تجربة الإسلاميين المغاربة في السلطة أكثر تعبيرا عن هذا التوجه. فباسم تأمين الأغلبية النيابية للنسخة الثانية من الحكومة ولتقاسم مسؤولية ما تخشاه من فشل على صعيد النجاعة الاقتصادية والمالية تخلى حزب العدالة والتنمية لحليفه الجديد التجمع الوطني للأحرار عن كل الوزارات المرتبطة بالاقتصاد والتجارة والمال (وزارة المالية والاقتصاد، وزارة التجارة والصناعة، وزارة التجارة الخارجية، وزارة الفلاحة والتنمية القروية والصيد البحري) وكل الوزارات ذات العلاقة بالسياسة الخارجية (وزارة الشؤون الخارجية والتعاون، الوزارة المنتدبة المرتبطة بها ووزارة الجالية المغربية في الخارج).

إن هذه المعطيات مجتمعة تؤكد أن تيارات الإسلام السياسي الموسومة بالاعتدال لم تكن في مستوى ما عقد عليها من آمال على أساس أنها كما كان يشاع في مصر "بتاع ربنا". لقد أثبتت الممارسة السياسية لهذه الجماعات أنها عبر التاريخ كانت تفكر دائما في كيفية الوصول إلى الحكم، ولم تفكر مطلقا ولو ليوم واحد في كيفية ممارسة هذا الحكم عندما تصل إليه، معتقدة أن رفع شعار الإسلام هو الحل كاف لذر الرماد في الأعين.

ويبدو أن بعض هذه التيارات في سياق مراجعة النفس بدأ يعي أن الاختباء وراء الشعارات الفضفاضة لم يعد يفي بالغرض، وأن نهايتها إذا ما تواصل الإخفاق هو الأفول. ولذلك يحاول الكمون من خلال استبدال ذلك الشعار بالتأكيد على أن الإسلام هو الحق. وهذا قول سليم وحق، فهل المتأسلمون فيما يفعلون على حق؟