أصدرت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان اليوم تقريراً أولياً يوثّق حصيلة الانتهاكات المرتكبة إثر الهجمات التي شنَّتها مجموعات مسلحة خارجة عن إطار الدولة مرتبطة بنظام الأسد، وتمركزت بصورة رئيسة في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة، والتي أسفرت عن مقتل 803 أشخاص خارج نطاق القانون خلال الفترة الممتدة من 6 إلى 10 مارس 2025.
وأشار التقرير إلى أنَّ سوريا شهدت في تلك الفترة تدهوراً أمنياً غير مسبوق، وصفه بأنَّه إحدى أسوأ موجات العنف التي شهدتها البلاد منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 دجنبر 2024. وقد نفّذت المجموعات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة المرتبطة بنظام الأسد هجمات منسّقة استهدفت مواقع أمنية وعسكرية تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة الانتقالية، ما دفع القوات الحكومية الرسمية إلى شن عمليات أمنية موسعة لملاحقة المهاجمين. وشاركت في هذه العمليات إلى جانب القوات الرسمية فصائل عسكرية محلية، وتنظيمات إسلامية أجنبية منضوية شكلياً تحت مظلة وزارة الدفاع دون أن تندمج معها تنظيمياً بصورة فعلية، بالإضافة إلى مجموعات محلية من المدنيين المسلحين الذين قدموا الدعم للقوات الحكومية دون أن تكون لهم تبعية رسمية لأي تشكيل عسكري محدد. إلا أنَّ هذه العمليات الأمنية لم تقتصر على ملاحقة المتورطين مباشرةً في الهجمات، بل سرعان ما تحولت إلى مواجهات عنيفة ارتُكبت خلالها انتهاكات جسيمة واسعة النطاق، اتّسم معظمها بطابع انتقامي وطائفي، وكان للفصائل المحلية والتنظيمات الإسلامية الأجنبية التابعة شكلياً لوزارة الدفاع الدور الأبرز في ارتكابها.
وأوضح التقرير أنَّ هذه الأحداث تضمنت عمليات قتل خارج نطاق القانون، شملت إعدامات ميدانية وعمليات قتل جماعي ممنهجة بدوافع انتقامية وطائفية، إضافة إلى استهداف المدنيين، بمن فيهم أفراد الطواقم الطبية والإعلامية والعاملون في المجال الإنساني. كما طالت الانتهاكات المرافق العامة وعشرات الممتلكات العامة والخاصة، متسببة في موجات نزوح قسري طالت مئات السكان، فضلاً عن اختفاء عشرات المدنيين وعناصر من قوى الأمن الداخلي، الأمر الذي أدى إلى تفاقمٍ حادٍّ في الأوضاع الإنسانية والأمنية في المناطق المتضررة.
وأوضح التقرير أنَّ تعقيد المشهد الأمني الحالي يرجع إلى تعدُّد الأطراف المشاركة في النزاع وتداخل أدوارها، ما يجعل من تحديد المسؤوليات القانونية الفردية عملية شاقة ومعقدة للغاية، ويفرض تحدياتٍ كبيرة أمام الحكومة الانتقالية في مساعيها لضبط الأوضاع الأمنية ومنع وقوع المزيد من الانتهاكات. وفي هذا السياق، أصدر الرئيس أحمد الشرع في 9 مارس 2025 قراراً بتشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق وتقصّي الحقائق حول أحداث الساحل، على أن تقدم هذه اللجنة تقريرها النهائي إلى رئاسة الجمهورية في مدة لا تتجاوز 30 يوماً.
وأشار التقرير إلى أنَّ الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان تُثمّن قرار تشكيل اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق في أحداث الساحل السوري، معتبرةً هذه الخطوة مؤشراً إيجابياً يعكس جدية الحكومة الانتقالية والتزامها بتحقيق العدالة وكشف الحقائق بشأن الانتهاكات الجسيمة التي بدأت اعتباراً من 6 مارس 2025. ومع تقدير الشَّبكة لهذه المبادرة، فإنَّها توصي بتعزيز فاعلية اللجنة وضمان شفافية عملها من خلال إشراك ممثلين عن منظمات حقوقية مستقلة، مما يُسهم في تعزيز الشفافية وضمان إدماج المنظور الحقوقي غير الحكومي في التحقيق. كما تؤكد على ضرورة إشراك أعضاء من الطائفة العلوية، وممثلين عن المناطق المتضررة التي شهدت الانتهاكات، بالنظر إلى الطابع الطائفي الواضح للعديد من هذه الجرائم، وهو ما يُعزّز الثقة في نتائج التحقيق ويضمن حيادية اللجنة واستقلاليتها عن أي تحيُّز.
كما دعت الشَّبكة إلى توسيع النطاق الجغرافي لأعمال اللجنة ليشمل كافة المناطق التي شهدت انتهاكات جسيمة، وعدم اقتصار التحقيق على منطقة الساحل فقط.
وطالبت الشَّبكة كذلك بتمديد الإطار الزمني لعمل اللجنة لأكثر من 30 يوماً، نظراً لتعقيد الأحداث المُراد التحقيق فيها وتعدد الأطراف المتورطة في ارتكاب الانتهاكات، مما يتطلب وقتاً كافياً لجمع الأدلة بشكلٍ دقيقٍ ومتكامل، ولضمان الوصول إلى الحقيقة بصورةٍ شاملة ومتكاملة. وفي هذا الإطار، أكدت الشَّبكة استعدادها التام للتعاون مع اللجنة الوطنية المستقلة، عبر تقديم البيانات الموثّقة والمعلومات التي تمتلكها، إلى جانب الخبرات الفنية والتقنية لفرقها المختصة في عمليات التوثيق والتحقق، تعزيزاً لمسار العدالة والمساءلة.
ذكر التقرير أنَّ الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان وثَّقت مقتل ما لا يقل عن 803 أشخاص، بينهم 39 طفلاً و49 سيدة (أنثى بالغة)، وذلك في الفترة الممتدة من 6 إلى 10 مارس 2025. وسجَّلت الشَّبكة مقتل 172 عنصراً على الأقل من القوات الأمنية والشرطية والعسكرية (قوات الأمن الداخلي ووزارة الدفاع) على يد المجموعات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة المرتبطة بنظام الأسد، إضافةً إلى مقتل ما لا يقل عن 211 مدنياً، بينهم أحد العاملين في المجال الإنساني، جراء عمليات إطلاق نار مباشرة نفَّذتها هذه المجموعات.
كما وثَّقت الشَّبكة مقتل ما لا يقل عن 420 شخصاً من المدنيين والمسلحين منزوعي السلاح، بينهم 39 طفلاً و49 سيدة و27 من الكوادر الطبية، وذلك على يد القوى المسلحة المشاركة في العمليات العسكرية (الفصائل والتنظيمات غير المنضبطة التي تتبع شكلياً وزارة الدفاع)، خلال الحملة الأمنية والعسكرية الموسعة التي أطلقتها هذه القوى في المناطق التي تمركزت فيها المجموعات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة المرتبطة بنظام الأسد. وتوزع الضحايا بحسب المحافظات على النحو التالي:
* محافظة اللاذقية: 185 قتيلاً، بينهم 15 طفلاً، و11 سيدة، واثنان من الكوادر الطبية.
* محافظة حماة: 49 قتيلاً، بينهم 15 طفلاً، و10 سيدات، وأحد الكوادر الطبية.
* محافظة طرطوس: 183 قتيلاً، بينهم 9 أطفال، و28 سيدة، و24 من الكوادر الطبية.
* محافظة حمص: 3 أشخاص.
كذلك وثَّقت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان تعرض تسعة على الأقل من النشطاء والعاملين في المجال الإعلامي لاستهدافٍ مباشر أثناء قيامهم بتغطية الاشتباكات بين القوى المسلحة المشاركة في العمليات العسكرية والمجموعات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة والمرتبطة بنظام الأسد في محافظتي اللاذقية وطرطوس، إضافة إلى استهداف مباشر لستة من الأعيان المدنية خلال الفترة التي يغطيها التقرير، وكانت هذه الاعتداءات جميعها ناتجة عن هجمات المجموعات المسلحة المرتبطة بالنظام.
وتناول التقرير بالتفصيل الهجمات والانتهاكات المرتكبة بين 6 و10 مارس 2025، مُشيراً إلى أنَّ هذه الأحداث جاءت في سياق تدهورٍ أمني عام وانفلاتٍ واضح في مناطق متعددة من البلاد، وتصاعدٍ كبير في وتيرة العنف، الأمر الذي أدى إلى استمرار الهجمات والانتهاكات بصورة متكررة ومتواصلة خلال الأيام الأربعة المشمولة بالتقرير.
وأوضح التقرير أنَّ الوقائع الموثقة تُثبت وقوع انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان خلال الفترة الممتدة من 6 إلى 10 مارس 2025، شملت عمليات قتل جماعي، وإعدامات ميدانية، واستهداف المدنيين، بمن فيهم الأطفال، والنساء، والطواقم الطبية، والإعلامية.
كما أشار التقرير إلى أنَّ تعقيد المشهد الأمني، بسبب تداخل الجهات الفاعلة في النزاع، زاد من صعوبة تحديد المسؤوليات الفردية بدقة. وتحمل الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان مسؤولية هذه الانتهاكات لجميع الأطراف التي ارتكبتها أو أسهمت فيها، وفي مقدمتها العصابات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة والمرتبطة بنظام الأسد، بالإضافة إلى المجموعات المسلحة غير المنضبطة التي تحركت دون قيادة مركزية واضحة.
كما كشفت المواجهات المسلحة عن ضعف واضح في قدرة الأجهزة الأمنية والقوات العسكرية الحكومية على التعامل مع التحديات الأمنية واسعة النطاق، نتيجة لنقص التدريب القانوني وسوء التخطيط العملياتي. وبرز أيضاً عجز الحكومة الانتقالية عن فرض سيطرة مركزية على المجموعات المسلحة الموالية لها، مما أسهم في تصاعد الانتهاكات الميدانية بشكل كبير.
وأشار التقرير إلى أنَّ الأحداث شهدت تصاعداً خطيراً في الخطاب والسلوكيات الطائفية، مما فاقم من آثار الانتهاكات على المدنيين، الذين تعرضوا لعمليات قتل جماعي وانتقامي، فضلاً عن الاستهداف الممنهج لممتلكاتهم. وقد أسفر ذلك عن موجات نزوح واسعة وأزمات إنسانية متفاقمة.
وأبرزت طبيعة وحجم هذه الانتهاكات الحاجة المُلحّة إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشاملة، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، إذ يُشكّل غياب المساءلة خطراً حقيقياً يُهدد باستمرار العنف وترسيخ حالة الإفلات من العقاب.
وتضمن التقرير عدداً من التوصيات:
أولًا: توصيات موجهة للحكومة الانتقالية:
1. ضبط القوات المسلحة والمجموعات الموالية لها ومنع وقوع انتهاكات جديدة:
* وضع آليات واضحة وفعالة لضمان الرقابة والمحاسبة على تصرفات المجموعات المسلحة المنضوية تحت الحكومة الانتقالية.
* إلزام هذه المجموعات بالامتثال التام للقانون الدولي لحقوق الإنسان أثناء العمليات الأمنية والعسكرية.
2. إجراء تحقيق مستقل وشفاف وضمان المحاسبة:
* تشكيل لجنة وطنية موسَّعة ومستقلة للتحقيق في الجرائم المرتكبة، بمشاركة منظمات حقوقية محلية مستقلة.
* تقديم المتورطين في الانتهاكات للعدالة وإجراء محاكمات عادلة تضمن عدم الإفلات من العقاب.
3. حماية المدنيين وتأمين احتياجاتهم الإنسانية:
* ضمان توفير حماية فورية وفعَّالة للمدنيين في المناطق التي تشهد اشتباكات أو توترات أمنية.
4. إعادة تأهيل وهيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية:
* إعادة هيكلة القوات الأمنية والعسكرية بما يضمن رفع مستوى كفاءتها والتزامها بقواعد القانون الدولي.
* توفير برامج تدريبية متخصصة تركز على احترام معايير حقوق الإنسان أثناء العمليات الميدانية.
ثانياً: توصيات خاصة للقوات الأمنية والقوات المسلحة
* اتخاذ التدابير الكفيلة بحماية المستشفيات والمراكز الطبية من أي استهداف خلال العمليات العسكرية.
* ضمان حماية الصحفيين والإعلاميين وإتاحة الفرصة لتغطية الأحداث بأمان وحرية.
* منع أي أعمال انتقامية ذات طابع طائفي أو سياسي، ومعاقبة المتورطين بها أمام القضاء العسكري.
ثالثاً: توصيات للسلطات القضائية والمؤسسات الحكومية
* تعزيز استقلالية القضاء السوري لضمان مساءلة فورية وعادلة للمتورطين.
* تأسيس صندوق وطني لتعويض الضحايا والمتضررين، مع إطلاق برامج إعادة تأهيل وإعمار عاجلة للمناطق المتضررة من الانتهاكات.
رابعاً: توصيات موجهة إلى المجتمع السوري ومنظمات المجتمع المدني
* دعم جهود توثيق الانتهاكات بشكل مهني لتأمين الأدلة اللازمة للمساءلة المستقبلية.
* تعزيز الجهود المحلية والمجتمعية الرامية إلى تخفيف حدة التوترات الطائفية، ودعم المبادرات المدنية التي تدعو للتعايش السلمي والحوار المجتمعي، وتجنب الأعمال الانتقامية في كافة الظروف.
نعم، فيما يلي توصيات إضافية مقترحة موجهة إلى الفاعلين المحليين والدوليين، يمكن أن تضاف إلى التوصيات التي قدمتها الشَّبكة سابقاً لتعزيز فعاليتها وشموليتها:
إلى الفاعلين المحليين (الهيئات الدينية والاجتماعية):
* إطلاق حملات محلية لمكافحة التحريض الطائفي ورفض خطاب الكراهية، والعمل على تعزيز قيم التماسك الاجتماعي والتعايش السلمي من خلال الحوار والتوعية الاجتماعية والثقافية.
* الدعوة إلى إنشاء لجان مصالحة محلية تشارك فيها شخصيات موثوقة من المجتمعات المحلية، للمساهمة في تخفيف الاحتقان الطائفي والاجتماعي، وتهيئة الظروف الملائمة لنجاح مسار العدالة الانتقالية.
* التشديد على دور القيادات المجتمعية في نشر رسائل واضحة تدعو إلى التعايش ونبذ العنف، والمساهمة في تهدئة الخطابات المتشنجة داخل المجتمع.
إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي:
* على المفوضية السامية لحقوق الإنسان، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا متابعة الأحداث الأخيرة بشكل عاجل، وإجراء تحقيق مستقل لتوثيق الجرائم والانتهاكات، وتحديد الأطراف المسؤولة عنها بشكل واضح.
* دعم المنظمات الوطنية العاملة في توثيق الانتهاكات، ومنظمات الإغاثة المحلية، والمنظمات العاملة في تعزيز السلم الأهلي.
* دعوة المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية الدولية إلى توفير دعم عاجل وطارئ للمتضررين من العمليات العسكرية، وخاصة في مناطق اللاذقية وطرطوس وحماة، وإيصال المساعدات الإنسانية والطبية بشكل فوري إلى السكان المتضررين.