الجمعة 4 إبريل 2025
كتاب الرأي

سعيد ودغيري حسني: رمضان في الغربة حين يهزمك الحنين

سعيد ودغيري حسني: رمضان في الغربة حين يهزمك الحنين سعيد ودغيري حسني
يا رمضان أين أنت هنا في الغربة بعيدًا عن أمي وصوتها الذي يسكن قلبي
يا رمضان أين هو الضوء الذي كان يشرق في قلب مدينتي
كنتَ حلمًا ننتظره طوال العام وها أنت تأتي هنا بعيدًا عن أجوائنا
تأتي وتغيب تفاصيلك الجميلة عني
أفتقدك يا رمضان حين أغمض عيني
أفتقد جدران بيتي الذي يملؤه البخور وصوت أمي وهي تدعو لنا بالخير
أفتقد الطاجين المغربي الذي تفوح رائحته بين زوايا البيت
أفتقد طقوس السحور حيث نلتف حول مائدة صغيرة
نتناول الحساء الدافئ، الشوربة المغربية التي لا تشبه غيرها
أفتقد تلك الأوقات التي لا تعرف فيها الساعة في رمضان
تتلاشى كل المسافات ويصبح الزمن كأنه يتوقف فيك
أفتقد الطقوس المغربية التي كانت تجعل رمضان روحًا تعيش بيننا
في المساء كنا نتجمع على موائد مفتوحة
تحمل الشباكية التي تعطي للحياة طعمًا خاصًا
البغرير الذي يبتهج به القلب
والحريرة التي تحمل في طياتها دفء البيت
وتمور المجهول التي كانت تعطينا عطاءً لا يعد ولا يحصى
كيف لي أن أستمر في هذا الوقت البارد وأنا بعيد عن هذا كله
الوقت الذي يمر بسرعة ولا يعطينا فرصة لنتذوق الطعم الحقيقي لرمضان
ولكن هنا في الغربة تبقى الذكريات تهزني من أعماقي
صور الوجوه حول المائدة ضحكات الأطفال وهم يتناولون الشكولاطة
الذين كانوا يجتمعون حولنا ليشاركونا فرحة رمضان
كيف أفسر غربة القلب وأنا بعيد عن أصدقائي وجيراني
كيف أعيش رمضان في غربة لا تحمل ليلتها سوى الوجع
أفتقد تلك المسيرات الرمضانية التي كنا نشارك فيها جميعًا
وحتى صلاة التراويح لم يكن لها ذات الرنين هنا
كانت صلاة مهيبة في مسجدنا القديم الذي كان يهتز بأصواتنا
هنا حيث لا توجد تلك الرائحة التي تعودنا عليها في الساحات
هنا حيث لا يكتمل الفطور سوى بالكلمات التي تقال مع الملاعق
هنا لا شيء يشبه ذلك الفطور الذي كان يمتد لساعات
فأين هو ذلك الجو الذي كان يعبق بحب الحياة وجمال الليل
أين هو أولئك الذين كانوا يجلسون معًا على مائدة واحدة
كل شيء هنا يبدو غريبًا بعيدًا لا يحكي لنا شيئًا عن هذا الشهر الكريم
أين ذهبت تلك الأطباق التي كانت تزين موائدنا
أين هي تلك الألحان التي كانت تعزف من البيوت المجاورة
أين هي الطقوس التي كانت تملأ المكان بالحياة وتعيد كل شيء إلى أصله
وأين هي أيدينا التي كانت ترفع معًا إلى السماء نطلب من الله العون والتوفيق
أين تلك اللحظات التي كنا نرتقب فيها الفجر بكل شوق ولهفة
في هذا المكان البعيد يظل رمضان شيئًا لا يُعاش كما كان
ويبقى في قلبنا ذلك الحنين لتلك الطقوس التي لا تموت
تبقى ذكرى الشباكية التي كانت تزين موائدنا في الليل
والبغرير الذي كنا نضعه في أفواهنا بعد الصلاة
والحريرة التي تواسي البرد الذي يدخل أجسادنا مع بداية الليل
وأطباق التمر التي لم تكتمل إلا عند تلك اللحظة التي تجمعنا جميعًا حول المائدة
ورغم البعد والاشتياق يبقى رمضان فينا
يبقى في كل قلب يتمنى لو أن المسافات تذوب في لحظة واحدة
ويبقى في كل عين تدمع اشتياقًا لأيام مضت
ويبقى في كل روح لم تنس تلك الطقوس التي كانت تنبض بالحياة
ورغم الغربة، يبقى رمضان هو المدى الذي يعيدنا إلى الوطن
إلى الماضي الذي كان يحمل في طياته الأمل ويملؤنا بالسلام
لكن هل يمكن للغربة أن تهزم حبنا لرمضان؟
هل يمكن للزمن أن يحجب عن القلب تلك الذكريات التي تظل حية فيه؟
هنا في هذه الأرض الباردة يعاودنا الحنين مع كل فجر جديد
وكلما غربت الشمس تتسلل أريج تلك الأطعمة إلى الذاكرة
الشباكية الحلوة التي كانت تحمل سحر رمضان
والبغرير الذي يتراقص فوقه الزبدة والعسل
حريرة الدفء التي لا تكتمل إلا بالضحكات التي تملأ المكان
وفي تلك اللحظات التي تبدو بعيدة تقترب قلوبنا
كلما تذكرنا أن رمضان، مهما كانت المسافات، سيظل فينا
وسيظل يشع فينا أملًا مع كل عام وعزيمة لن نتخلى عنها
ويبقى رمضان حكاية تطويها القلوب بين طياتها
حكاية لا تنتهي، لا تغيب، بل تظل حية فينا مهما بعدت المسافات
زبدة القول
الغربة لا تستطيع أن تأخذ من رمضان ما يملأ القلب حبًا وتعلقًا
يبقى رمضان فينا، في الذكريات وفي الطقوس التي لم تنتهِ
حتى وإن زادت المسافات يبقى رمضان جسرًا يربط بين الماضي والحاضر
ويظل الحنين إلى طقوسنا المغربية حياً فينا لا يموت
ويبقى رمضان هو الذاكرة الحية التي لا تسقط من بين يدينا
حتى ولو تغيرت الظروف والأماكن يبقى رمضان هو الوطن في قلوبنا
ومهما كانت الغربة بعيدة، يبقى رمضان في قلبنا، يتسلل إلى أعماقنا كما ينساب النهر في الوادي
ففي كل فجر، يشعل الحنين لذة جديدة في الروح، ويعود بنا إلى زوايا مدينتنا، إلى أزقتها وأحيائها التي تعج بالذكريات
أين هي تلك الليالي التي كانت تزينها ضحكاتنا، ونتبادل خلالها الأحاديث، نشتاق إلى أناس غابوا عنا في هذه الأرض البعيدة؟
أين هو صوت المآذن الذي كان يملأ الأفق، يعلن قدوم الفجر ويملأ القلب بالنور؟
هنا في الغربة، لا شيء يشبه تلك اللحظات البسيطة التي جعلت من رمضان عيدًا حقيقيًا في حياتنا
لكن رغم كل هذه المسافات، تظل فينا تلك اللمسات التي لا تمحى من الذاكرة
كيف أن طعم الحريرة، رغم أنه يختلف هنا، يبقى في الذهن كأننا نذوقه لأول مرة في منزل والدتنا؟
وكيف أن البغرير الذي يُصنع في بلاد الغربة، لا يساوي شيئًا أمام البغرير الذي كانت أيدينا تعجن فيه محبة الحياة؟
وأي طعام في هذه الأرض يوازي الطاجين المغربي الذي كان يشهد على كل ليلة من ليالي رمضان؟
ها هي أيام رمضان هنا تمر بشكل مختلف، ولكن رغم ذلك، تظل تلك الطقوس باقية في عيوننا، في نبض قلوبنا
إنني أفتقد سماع دعاء أمي في آخر الليل، دعواتها التي كانت ترن في أرجاء البيت، تملؤه بالسلام
في هذه اللحظات، تزدحم الذكريات في القلب، ويتسرب إليها الحنين لوجوه غاب أصحابها عن مائدتي
لكن رغم كل شيء، أقول في نفسي: "رمضان لن يغيب، فهو فينا، في تلك الطقوس التي لا يمحوها الزمن"
هنا في الغربة، يتجدد الفرح مع كل فجر جديد، ويظل رمضان الحلم الذي نحتفظ به داخلنا، على الرغم من بعد المسافات
ويبقى رمضان في القلب، في الذاكرة، في كل لحظة نعيشها بشوقٍ كبيرٍ إلى الوطن