السبت 5 إبريل 2025
كتاب الرأي

إدريس الأندلسي: واجب الدولة للحفاظ على إشعاع أصيلة الثقافي

إدريس الأندلسي: واجب الدولة للحفاظ على إشعاع أصيلة الثقافي إدريس الأندلسي
بن عيسى مثال للمثقف العضوي..
رحل بن عيسى عن عالمنا وترك آثارًا مضيئة في فضاء الثقافة المغربية وفي ميدان العمل الدبلوماسي. وصف الكثير من المهتمين بالشأن العام هذا الرجل كأحسن وزير للثقافة مر ببلادنا. لقد أصاب كل من اقتنع بقيمة رأسمال لامادي كان مبدع مؤسساته الراحل. ناضل بكل ما يملك من أفكار وقدرات على الإقناع، صحبة بعض المؤمنين بالفعل الثقافي في التغيير، وعلى رأسهم الفنان محمد المليحي، لخلق أحد أعرق المهرجانات الثقافية وذلك سنة 1978. وصل إشعاع هذا المهرجان إلى الكثير من دول العالم حتى أصبح قبلة للعديد من الأدباء والفنانين والموسيقيين من البلدان الأفريقية والعربية والأوروبية والأمريكية والآسيوية. وقد وجدت فكرة خلق هذا المهرجان صدى إيجابيًا وإرادة لدعمه من طرف الملك الراحل الحسن الثاني. وحصل كل هذا قبل وصول الراحل إلى منصب وزير الثقافة سنة 1985. وحين دخل مكتبه الوزاري حوله إلى محراب لإبداع مشاريع ثقافية تصعب الإحاطة بتفاصيلها. ولهذا وجب التركيز على بعضها نظرًا لحجم تأثيرها على الحياة الثقافية ببلادنا. وهكذا أحدثت جامعة مولاي علي الشريف الخريفية، وضمن مكوناتها مركز للدراسات العلوية في الريصاني يحتوي على رصيد وثائقي تمكن من جمعه مجموعة من الباحثين من خلال أرشيفات أجنبية في بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وهولندا وتركيا. ومكنت هذه الأبحاث من إغناء خزانة الوثائق المتعلقة بتاريخ الدولة العلوية. وتمكن الراحل محمد بن عيسى من خلق عدة مراكز ومؤسسات وتظاهرات ثقافية كجامعة المعتمد بن عباد في أصيلة وجامعة الشريف الإدريسي في الحسيمة ومركز الدراسات الأندلسية بشفشاون. ويظل المعرض الدولي للكتاب من أهم المبادرات التي تمت مأسستها سنة 1987. ولا زال معرض الكتاب يشكل موعدًا سنويًا يجمع بين الكتاب والناشرين والزوار الذين وصل عددهم إلى حوالي 320 ألف خلال دورته الأخيرة. وقد تجاوزت المبيعات من الكتب المعروضة المليون. ولا يمكن ذكر هذه المنجزات دون الكلام عن دور الوزير الراحل في مجال تشجيع النشر من خلال إحداثه لمجلة الثقافة المغربية التي كانت تصدرها وزارة الثقافة وزيادة الاهتمام بجائزة الكتاب.

واستطاع الوزير الراحل محمد بن عيسى أن يساهم في توثيق مكون مهم في ثقافتنا الموسيقية والشعرية عبر قيام وزارة الثقافة في عهده بإصدار انطولوجيا الموسيقى الأندلسية. وهكذا تم تسجيل 11 نوبة وتمت طباعتها في أشرطة كاسيت واسطوانات مدمجة اقتناها المهتمون والباحثون والمولعون بهذا الفن. ومكنت هذه الانطولوجيا من دعم تعليم الموسيقي الأندلسية والإسهام في إشعاعها على الصعيدين الوطني والدولي. ولن ينسى المهتمون والاختصاصيون في علم الآثار إحداث المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث سنة 1985. وقد أولى الراحل الوزير بن عيسى أهمية كبيرة لهذا المعهد من خلال توفير الموارد البشرية المالية اللازمة. ولا زالت أعمال هذا المركز مستمرة ونتائجه تكشف عن حقب تاريخية لم تتسنَ معرفتها قبل وصول الحفريات إلى سبر أعماقها بمهنية عالية. ولأن التمويل أساسي للتنمية الثقافية، فقد شهد عهد الراحل بوزارة الثقافة إحداث الصندوق الوطني للتنمية الثقافية الذي أصبح من أهم الحسابات الخصوصية للخزينة التي تساهم في دعم العمل الثقافي ببلادنا.

ولا يمكن أن نقرأ محطات الفعل الثقافي للراحل بن عيسى دون أن نربطه بنجاحه في عمله الدبلوماسي خلال سنوات 1993-2007 كسفير في واشنطن وكوزير للخارجية. ولم أجد كلمات تعبر عن عطائه الدبلوماسي أبلغ مما جاء في تدوينة صديقه وزير خارجية إسبانيا انخيل موراتينوس.

كانت لقاءتهما خلال ثلاثين من العمل الدبلوماسي والثقافي والإنساني تختتم، حسب موراتينوس، بكلمة وداع من صديقه بن عيسى بالإسبانية "اديوس أميكو". ترددت هذه الكلمة خلال سنوات طويلة وكانت آخر مرة يسمعها الصديق الإسباني في شهر أكتوبر الماضي في أصيلة. موراتينوس كان يعتبر اللقاءات الثقافية لهذه المدينة أهم من منتدى دافوس. يعترف كذلك بأن الراحل بن عيسى فتح أمامه أبواب أفريقيا وثقافتها وحكمة الشرق وثقافة مفكرين عربا يجهلهم الغرب. ساهمت الثقافة والحوار بين الرجلين في تجاوز أزمات عابرة بين المغرب وإسبانيا.

وسيظل السؤال الحارق والمهم هو كيف يحافظ المغرب على الرأسمال غير المادي الذي ساهم في صنعه الراحل محمد بن عيسى منذ حوالي 47 سنة. لا أظن أن هذا الأمر سيترك لتدبير إداري أو جمعوي عادي. موسم أصيلة الثقافي يجب أن يظل مؤسسة تحظى بدعم يضمن ديمومة إسهامها في التنمية الثقافية بالمغرب. ولأن قيادة العمل الثقافي تحتاج إلى المثقف العضوي وذلك المسؤول الذي لا يعتبر المسؤولية كرسيًا ولكن ورشًا يتطلب عشق الإبداع والقدرة على النهوض بروح فريق العمل واستغلال ما تتيحه شبكة العلاقات الشخصية والمؤسساتية من إمكانيات لاستدامة الإشعاع الثقافي المغربي، فإن هذا الرأسمال اللامادي هذه أمانة في يد الدولة، والخير أمام بفضل الله.