الخميس 27 فبراير 2025
كتاب الرأي

وحيد مبارك: أسعار على أقصى درجات سلّم «ريشتر»

وحيد مبارك: أسعار على أقصى درجات سلّم «ريشتر» وحيد مبارك
خرجت مكوّنات الحكومة في تصريحات متعددة خلال الأيام الأخيرة للتأكيد على وفرة السلع والبضائع وكل ما تحتاجه الأسر المغربية خلال شهر رمضان الأبرك، مشددة على أن المائدة المغربية لن تعرف خصاصا في أي مادة غذائية واستهلاكية كيفما كان نوعها، التي يكون حضورها ضروريا على طاولة الإفطار.

تأكيد تكرّر أكثر من مرّة في مناسبات عديدة، تارة ارتباطا بعيد الأضحى وتارة أخرى في علاقة برمضان، لكن ما تتغافل عنه الحكومة من خلال وزرائها المعنيين وناطقها الرسمي في مختلف الخرجات حين الحديث عن الوفرة، هو تجاهل الإشارة إلى مشكل ارتفاع الأسعار، لأن هذه المنتجات كلها، من خضر، وفواكه، وتوابل، ولحوم حمراء وبيضاء، وأسماك؛ هذه الأخيرة التي صارت موضوعا يشغل بال الرأي العام خلال الأيام الأخيرة والتي فضح ثمن «السردين» نموذجا، جشع المضاربين وفشل الحكومة على حدّ سواء؛ (هذه المواد) حتى وإن كانت متوفرة فإن الوصول إليها هو الذي يعرف إشكالا حقيقيا بسبب تدني القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات البطالة، الأمر الذي فرض على الكثير من الأسر أن تعيش على إيقاع التضامن فيما بين مكوناتها واقتسام ما يمكن اقتسامه لمواجهة هذا الغلاء الفاحش الذي أضرّ بالجميع.

اليوم ومع حكومة أخنوش، بات الكل يعاني، سواء تعلق الأمر بمن يتم تصنيفهم «مجازا» ضمن خانة الطبقة المتوسطة، التي يتم إثقال كاهلها أكثر فأكثر وتقزيم حجمها يوما عن يوم، أو بالفئات الشعبية المقهورة، التي تعيش العوز والهشاشة في كل تجليّاتهما، فالكلّ يجد صعوبات للولوج إلى الغذاء، الذي تسعى «الجهود» المبذولة لتحقيق أمنه دون الوصول إلى هدف تحقيق السيادة، وهو ما يعني كلفة مادية أكبر، وربحا واسعا لفئة معينة من «المستوردين» والمضاربين، ومعاناة متعددة الأبعاد للبسطاء الذين لا يستطيعون إليه سبيلا.

إن الحكومة حين تتحدث عن الوفرة بتلك الكلفة الباهظة، الفردية والجماعية، فهي إنما تستحضر فئات بعينها تعيش الرخاء الاقتصادي والاجتماعي، والتي تبقى معدودة، لأنها لا تنظر للفئة الأكثر حضورا بقوة الواقع في الشارع العام، في القرى والمداشر كما في المدن والحواضر، ولا تلتفت إلى ذلك المسنّ الذي يأتي على قدميه من منطقة ما فوق «الأوطوروت» في مدينة كالدارالبيضاء نموذجا، إلى غاية سوق «بياضة» لاقتناء علب من البيض ثم يعود أدراجه يدفع «كرّوسته» دفعا، بين العديد من «المطبّات والعقبات» لأجل بيعها بيضة بيضة حيث يقطن لعلّه يوفر بضعة دراهم يقتني بها حاجته ويسدّ بها رمقه وأسرته.

هذه العين التي تتوفر عليها الحكومة لا ترى في نفس السياق، ذلك الشاب بل وحتى الشخص الذي تجاوز الأربعينات من عمره والكهل، الذي تحوّل إلى دابّة بدرب عمر يجر العربات المملوءة بالسلع، ولا إلى ذلك الذي يجوب الأزقة والشوارع، وهو «يقود» عربة يدوية بعد تفعيل قرار منع العربات المجرورة بالدواب في شوارع المدينة، متنقلا بين حاويات النفايات بحثا عن خردة ما وقضبان حديدية، وقنينات ومواد بلاستيكية، وقطع من «الكارطون» لبيعها من أجل مواجهة أعباء الحياة. ولا تشاهد تلك السيدة المسنّة وغيرها ممن يطفن الأزقة هن الأخريات لجمع بقايا الخبز الجاف، ونفس الأمر بالنسبة لشباب يقومون بكنس وتنظيف الدروب مقابل دريهمات، وغيرهم ممن يعرضون أشياء جد بسيطة للبيع، في «السويقات» وما شابهها، كقنينات المربى أو مركّز الطماطم الزجاجية أو غيرها، ويمكن في هذا الإطار القيام بجولة جد صغيرة بالقرب من سوق القريعة، للوقوف على حجم الألم الاجتماعي الذي تعيشه فئة عريضة من المغاربة المتواجدين خارج رادارات الحماية الاجتماعية!

ولأن الأزمة عامة، فمن غير المثير للاستغراب، أن تجد سيدة تشتغل في سوق تجاري يعرض «قفف رمضان» للبيع، والحال أنها هي نفسها في حاجة ماسّة كغيرها لتلك القفة والمساعدة، وهو الوضع الذي يسري على الموظف البسيط المثقل كاهله بالديون والأقساط ومصاريف تمدرس وتطبيب أبنائه، وغيرهم كثير من الشباب والكهول، من النساء والرجال، الذين لكل واحد منهم قصة تجتمع فيها العديد من القصص الإنسانية المؤلمة، الذين يعيشون على الهامش، لا تسلّط عليهم الأضواء، ولا تراهم الحكومة حين تتحدث عن وفرة الغذاء، بينما هم يرون بأن الطماطم والبطاطس التي يبلغ سعر الكيلوغرام الواحد لكل منهما 10 دراهم فما فوق، والفلفل الأحمر البلدي الذي فاق ثمنه 13 درهما للكيلوغرام، والدجاج الذي يتجاوز سعره عتبة الـ 20 درهما، والفاصولياء التي وصلت إلى 30 درهما، و»الزنجلان» البلدي الذي يباع بـ 80 درهما، واللوز الذي أقلّ أسعاره هو 90 درهما، والسردين الذي «تنطّع»، واللحم الذي «تجبّر»، والفواكه التي باتت أسعارها تقاس على سلم «ريشتر»، التي تزلزل جيوب المغاربة، وغيرها كثير في باب التفاصيل الغذائية، بعيدة المنال والوصول إليها يتطلب «تجديفا» قويا لمواجهة أمواج الغلاء العاتية.

إن الأرقام الرسمية تبيّن كيف أن أسعار العديد من المواد الغذائية شهدت زيادات خلال الشهر الأخير، على سبيل المثال لا الحصر، حيث ارتفعت أثمان السمك وفواكه البحر بنسبة % 6.0، والخضر بنسبة %4.7، واللحوم بنسبة %2.0، والفواكه بنسبة %1.6، كما سجلت أسعار الحليب والجبن والبيض زيادة بنسبة %0.6، والبن والشاي والكاكاو بنسبة %0.5، ليظل ارتفاع الأسعار خلال الزمن الحكومي الحالي هو سيد الموقف في كل وقت وحين، ومعه تباين كبير بين التصريحات «الافتراضية» للحكومة والواقع الذي يعيشه المغاربة.