الاثنين 15 يوليو 2024
في الصميم

أريري: لهم مدينتهم ولنا «مدينتنا»!!

أريري: لهم مدينتهم ولنا «مدينتنا»!! عبد الرحيم أريري
الأغلبية الساحقة من النخب التي تتحكم في مفاصل القرار بالمغرب درست وتابعت تكوينها الجامعي بأوربا (فرنسا وبلجيكا وسويسرا وبريطانيا، وغيرها من الدول الغربية). والمثير للمفارقة أن بصمة هذه السنوات الطويلة من  الدراسة بالغرب لم تنعكس على جودة عيش المغاربة، ولم تنعكس على أسلوب تدبير المرافق العامة (حكومية كانت أو محلية)، كما لم يلاحظ المواطن انتقال أي عدوى جمالية مما رآه المسؤولون المغاربة في مدن أوربا لتطبيق جزء منه في تدبير مدننا وتخطيط أحيائنا.
 
شخصيا، كلما أتيحت لي الفرصة للتنقل إلى مدن الغرب (بأوربا أو أمريكا) في إطار مهني أو شخصي، إلا وأصاب بالخيبة والمرارة. وفي نفس الوقت أتساءل: لماذا أفلحت سلطات المدن الأوربية والأمريكية في تخطيط فضاء حضري بهي وفاتن بكل المدن بدولها، بينما المسؤولون المغاربة (الذين درسوا في نفس المعاهد ونفس الجامعات التي تخرج منها زملاؤهم الغربيون)، عجزوا عن تحقيق الوثبة في تدبير فضائنا الحضري؟.
 
لماذا المدينة الغربية - على اختلاف أحجامها الديمغرافية- يتوفر فيها الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم وفضاءات النزهة والمشي في شوارع فسيحة وذات رصيف مهيأ ومصفف وفق تنطيق صارم، بينما نحرم كمغاربة من أبسط حق من حقوق الإنسان: ألا وهو المشي في شارع مشجر ومبلط ومضاء بإنارة عمومية جيدة؟
 
لماذا المدينة الغربية- على اختلاف وزنها السكاني- تتوفر على منتزهات وحدائق وساحات عمومية في كل حي بشكل يسمح للأطفال والشباب بتفريغ شحناتهم السلبية ويسمح بأنسنة المجال الحضري، في حين يتم بالمدن المغربية تكديس المغاربة في «إسطبلات عمودية» تحت مسمى السكن الاقتصادي بدون شوارع فسيحة ومشجرة، وبدون رصيف وبدون ساحات عمومية يلعب فيها أطفال الحي، بل وبدون مارشي أو «سويقة بلدية» ليتبضع منها السكان؟
لماذا المدينة الغربية- على اختلاف مستواها الاقتصادي- تتوفر على شبكة آدمية للنقل الحضري تغطي كل المجال الترابي للمدينة وضواحيها بخطوط كافية وحافلات جيدة ومريحة وذات انضباط دقيق للتوقيت، بينما مدننا بالمغرب لا توفر سوى «قصديرات» صدئة ومهترئة لنقل المواطنين وكأنهم بهائم أو خنازير، هذا إذا «حظيت» هذه المدينة أو تلك بما نسميه تجاوزا «حافلات النقل الحضري»، على اعتبار أن السواد الأعظم من سكان هواش المدن بالمغرب يحشرون في «الكراول» و«التريبورتورات» وسيارات «المقاتلات» التابعة للخطافة؟
 
لماذا المدينة الغربية - أيا كان اللون السياسي للحزب الذي يسيرها- تتوفر على منظومة متكاملة من الكاميرات المثبتة بالشوارع والساحات والفضاءات العامة لمراقبة كل ما من شأنه أن يخل بالنظام العام أو يلحق الأذى بالناس وبممتلكاتهم، بينما في المدن المغربية، نجد أن آخر انشغال للسلطة العمومية (منتخبة أو ترابية) هو تأمين الفضاء العمومي بكاميرات المراقبة لتعزيز الإحساس بالأمن عند المواطن وعند السائح الأجنبي؟
 
لماذا المدينة الغربية أفلحت في رقمنة كل الخدمات (من وثيقة الميلاد إلى «كاغط الزواج» مرورا بتطبيقات النقل العمومي والضرائب وباقي الخدمات)، بينما المدينة بالمغرب مازالت تدار بعقلية «الزمن الطباشيري» الذي يعود إلى العهد الحجري الأول، مع ما تخلقه هاته الأمية الرقمية من تداعيات سلبية على عيش المواطن «وسخسخته» في مسارات بيروقراطية متكلسة؟!
 
لماذا المدينة الغربية - مهما كانت طبيعتها (جبلية أو ساحلية، تاريخية أو حديثة، سياحية أو جامعية، إدارية او صناعية) - يلمس فيها المرء توزيعا شبه عادل للثروة وغياب فوارق مجالية صارخة بين الأحياء، بينما المدن بالمغرب تعد منبتا للأبارتايد المجالي بامتياز، ومجالا لتهريب الموارد من الأحياء الشعبية لتسمين وتزيين أحياء الأغنياء والميسورين والأحياء التي تقطنها الطبقة الحاكمة ماليا واقتصاديا وإداريا؟!
 
لماذا المدينة الغربية تعج بالمكتبات ودور المسرح والمهرجانات الفنية والمتاحف، بينما المدن بالمغرب تعج بـ «البركاصات» و«لافيراي» وبالأسواق العشوائية وبالمقابر المهملة؟!
 
إذا لم تكن مدننا لا تستفيد من التكوين الذي تلقاه بالخارج، بعض من يوجد في مواقع صنع القرار بالمغرب، فلا حاجة للتباهي بالديبلومات والشهادات التي حصلوا عليها من معاهد وجامعات غربية، ولا حاجة لاستعراضها في «السيفيات» عند تعيينهم وتبويئهم مناصب وزارية وترابية وإدارية عليا. إذا لم يكن لتلك الشهادات والديبلومات أثر على الأرض فلا فائدة منها،  ولا حاجة لبلدنا بأصحابها.