الأربعاء 17 إبريل 2024
كتاب الرأي

محمد براو:هل لوجود المجلس الأعلى للحسابات مغزى وما هي قيمته وفوائده؟ (1)

محمد براو:هل لوجود المجلس الأعلى للحسابات مغزى وما هي قيمته وفوائده؟ (1) محمد براو

هوية المجلس وبيئته المؤسساتية ووجهه الجديد

ينبغي التنويه بادئ ذي بدء، ولا ينبغي أن نمل من دلك، أن المجلس الأعلى للحسابات هو الجهاز الأعلى للرقابة على المال العام بالمغرب، يمارس رقابة قضائية متخصصة ومستقلة، واقفا على نفس المسافة بين كل السلطات والجهات، لضمان الحيادية المبنية على معايير مهنية، ووفق مساطر قانونية ومعايير دولية.

لكن هذا المجلس لا يلعب في ملعب فارغ، ولا ينطلق من العدم ، إنما يشتغل في دولة ومؤسسات قائمة ونظام دستوري وسياسي وقانوني ضمن قواعد لعبة سياسية ومحددات ثقافية واقتصادية وسوسيلوجية مغربية - مغربية.

لكن الملاحظ منذ سنتين الآن ، أن المجلس الأعلى للحسابات انتقل بنجاح إلى طور جديد وهو العمل وفق استراتيجية ورؤية محددتين، تعكسان انخراطه في عهد الشفافية المؤسساتية والفعالية التدبيرية الداخلية، كما أجرى عدة تغييرات هيكلية ونوعية تسمح بأن يخضع هو نفسه لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة على النتائج، وتوضح إلى أي حد قد تمكن من تبرير الاموال العامة المخصصة له وتمهد الطريق لتقييم آثار أعماله على المجتمع والتنمية.

 

أهمية أعمال المجلس وحساسيتها

هناك اهتمام متزايد وعلى نطاق واسع بكل ما يصدرعن المجلس الأعلى للحسابات ، وقد نشر المجلس في تقريره الأخير حول حسابات الاحزاب السياسية ملاحظات وتوصيات بعضها سيدفع الاحزاب المعنية إلى مراجعة طريقة صرفها للأموال العامة المدفوعة لها ولا سيما تلك المخصصة للدراسات والأبحاث، بما يشكل رادعا مؤسساتيا هاما لأية انزلاقات غير محسوبة العواقب.

إن النشر المنهجي للتقرير السنوي وللتقارير الخاصة ولا سيما تلك المتعلقة بمراقبة وتتبع تخليق الحياة العامة والمتمثلة في تدقيق مالية الاحزاب ومراقبة التصريح بالممتلكات )الأخيرة هي الآن في طور التقييم وإعادة النظر(، يدل على إرادة حقيقية ملموسة في تفعيل الرغبة المعبر عنها في الخطاب الرسمي للدولة وفي قمتها الملك، بخصوص ترسيخ قيم الشفافية والمحاسبة وتدعيم آليات مكافحة الفساد إزاء الجميع أفرادا ومؤسسات وهيئات.

طريقة اشتغال المجلس الأعلى للحسابات الجديدة وتوجيه أعماله الأخيرة لكي تخرج في صورة تشاركية ومعتدلة لا يعني التسامح في المس بالمال العام أو بالثقة العامة في المؤسسات، بل يجب أن يدفع المعنيين بالأمر إلى التقاط الرسالة بصدر رحب، والقيام بالدور المنوط بهم في خدمة الصالح العام. فالمجلس يسعى إلى خدمة هدفين مزدوجين وهما الصالح العام من خلال المراقبة وتتبع التوصيات والمال العام من خلال المراقبة والمحاسبة والمساءلة.

 

المسؤولون عن الاختلالات والمخالفات باتوا مكشوفين أمام الرأي العام، وهي عقوبة معنوية شديدة، من شأنها دفع أصحاب الاختلالات والمخالفات الحاليين والمحتملين إلى مراجعة أساليب عملهم والتزام جادة الصواب والرشد.

- والمجلس الأعلى للحسابات ليس محكمة عدلية وليس مفتشية مالية وليس مكتب تدقيق على الطريقة الأنجلوسكسونية، ولكنه محكمة إدارية رقابية وتأديبية تأخذ من كل الأوصاف السابقة جزءا منها دون أن تتماثل معها أو تتماهى.


المجلس الاعلى للحسابات يتفاعل مع الانتقادات الموضوعية حول أعماله وتقاريره

بخصوص عمومية الملاحظات الواردة في التقارير بحيث لا تسمى الأشياء بأسمائها وذلك من خلال التوضيح أن المجلس لا يستهدف من تقريره السنوي وتقاريره الأخرى الخاصة التي بدأ بنشرها أي عملية تصيد للعثرات الشخصية أو كشف الانحرافات الإجرامية على العموم قبل إحالتها على التحقيق القضائي للجهات المختصة سواء داخل المجلس إذا كانت المخالفات تأديبية مالية أو لدى القضاء الجنائي إذا كانت المخالفات إجرامية، أما ماهو منشور فهو الاختلالات وهي لا تقل خطورة عن المخالفات الشخصية ، ومعالجتها هي تتبع تنفيذ التوصيات واخذ قرارات سياسية وإدارية من اجل التصحيح والتصويب تحت مسؤولية الحكومة والبرلمان.

بخصوص عدم شمولية التقرير السنوي لجميع التقارير الخاصة بالأجهزة العمومية التي خضعت للرقابة، فهذا تقدير سيادي مستقل لجهاز الرقابة، حسب ما هو معمول به دوليا.
بخصوص ملاحظة عدم تحريك المسؤولية التأديبية المالية أمام المحاكم المالية، فهذا الموضوع أصبح في قلب اهتمام المجلس الأعلى للحسابات الآن، وهو ينشر بين الفينة والاخرى الأحكام القضائية طبقا للدستور، وهناك مشروع جاري الاشتغال عليه لإعادة النظر في نظام مسؤولية الفاعلين في التدبير العمومي لكي تكون هده المسؤولية فعالة وعادلة ومتساوقة مع التحولات الجارية في النظام المالي والمحاسبي والتدبيري للقطاع العام.


عبر ينبغي استخلاصها

هناك اعتراف بدور المجلس الأعلى للحسابات في الكشف عن حقائق التدبير العمومي وبموقعه في المشهد المؤسساتي لمغرب اليوم.

وهناك ملاحظة دور التقرير السنوي في خلق نقاش عمومي حول أوضاع المالية العمومية وفي دفع المؤسسات والجهات الأخرى إلى تحمل مسؤوليتها.

وهناك نقص وغموض وأحيانا تضليل وتغليط في تحديد هوية المجلس الأعلى للحسابات كمحكمة رقابية وتأديبية وفي علة وجوده ورسالته.

وهناك تعامل انتقائي كي لا نقول انتهازي مع أعمال وتقارير المجلس الأعلى للحسابات.

وهناك جهل في تلقف التغيرات التي طرات على بنية وأعمال المجلس الاعلى للحسابات وكيفية اشتغاله ولبس في إدراك منهجية سير المحاكم المالية ولا سيما في تقبل حقيقة أنها مستقلة ومحايدة وفي نفس الوقت فإن صورتها وسمعتها لا تعتمد عليها وحدها بل إنها لصيقة بمدى تعاون وتفاعل الاطراف المعنية بالرقابة على الشأن العام والمال العام والمساءلة عليه وهي القضاء والبرلمان والحكومة والإعلام الجاد والمسؤول وغير المغرض والمجتمع المدني الآخد في الصعود والتحرك.

المعادلة الثلاثية للرقابة والمحاسبة

إن البرلمان والمجلس الأعلى للحسابات والحكومة أطراف المعادلة الثلاثية في الرقابة والمحاسبة ، محكوم عليها الانخراط الفعال والصادق في عملية تفاعلية وتعاونية، من خلال وضع الحكومة التزامها السياسي المتمثل في تتبع واستخلاص نتائج التقارير الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات ، موضع التطبيق والكشف عنه للعموم. ثم تتحمل مسؤوليتها بخصوص الإدارات والمؤسسات التي لا ترد على تقارير المجلس و توصياته السابقة، أو التي وصمها البرلمان بتنسيق مع المجلس الاعلى للحسابات وبناء على خلاصاته بسوء التسيير، فبمجرد تحرك آليات الرقابة والمحاسبة على الشأن العام والمال العام بأضلاعها الثلاثة بشكل متواز ومتناسق، مدعومة بالعين الحريصة للرأي العام ممثلا في المجتمع المدني والإعلام الكفء والحر والمسؤول وغير المغرض، والمراقبة العليا لجلالة الملك ، فإن مسيرة الشفافية والمساءلة وحكم القانون في سياق الحكامة الديموقراطية الرشيدة ستتقدم خطوات جديدة للأمام ببلادنا. وهذا أمر ملموس وملحوظ. بقطع النظر عن بعض الأصوات النشاز.


المجلس الأعلى للحسابات يدخل عهدا جديدا ويعمل على التطبيق التدريجي لأعلى المعايير الدولية
الهدف من رقابة المجلس الأعلى للحسابات هو الهدف من الرقابة العليا على المال العام كما هو محدد في ميثاق ليما (القسم الأول) وفي الدستور (المادة 147) وفي قانون المحاكم المالية (المادة 2):

-الشفافية من خلال كشف حساب الإدارة العمومية للرأي العام كحق من حقوق الإنسان والمواطن

-كشف مدى إعمال معايير الكفاءة والفعالية في إدارة الأموال العامة.

-جعل الأفراد محل المراقبة قابلين للمحاسبة والمساءلة على كل مخالفة لقواعد المشروعية والنظامية.

-الحصول على تعويض لفائدة خزينة الدولة فيما يخص المخالفات والاختلالات، مع اتخاذ خطوات تحول دن إعادة ارتكاب أمثال هذه المخالفات أو الاختلالات أو على الأقل جعل تلك الإعادة أكثر صعوبة في المستقبل.

-ضبط وإحالة الافعال الخطيرة الماسة بحرمة المال العام على القضاء الجنائي

 

تنفيذ التوصيات
إذا لم يتم تسليم ملاحظات المجلس الأعلى للحسابات المتعلقة بمدى كفاءة أو اختلال التسيير إلي الجهة المسؤولة بصورة أحكام قابلة للتنفيذ، فإنه مخول مع ذلك أن يوصي السلطة المختصة باتخاذ جميع التدابير الضرورية للمحافظة على السير الحسن للدواليب الإدارية والمالية للدولة ومطالبة الطرف محل المسؤولية بقبول تلك المسؤولية وتنفيذ ملاحظات الهيئة العليا للرقابة. وهذا المقتضى ينبغي إدراجه ضمن اهتمامات القائمين حاليا على تعديل مدونة المحاكم المالية، وعلى الخصوص من حيث ترتيب آليات المحاسبة البرلمانية على المال العام. وتتبع الحكومة للتوصيات الملتزم بتنفيدها.

تقديم عرض عام ونسخة من التقرير السنوي وتقارير خاصة إلى البرلمان أو الحكومة
حسب المعايير الدولية للرقابة ومقتضيات الدستور وفضلا عن العرض العام والتقرير السنوي والتقارير الأخرى المحالة وجوبا على البرلمان هناك تقارير سواء بطلب منه، أو في كل وقت تراه مناسبا ( وللحكومة)- مابين موعدي تقديم التقرير السنوي- وذلك بشان الملفات التي تكون على مستوى معين من الأهمية والخطورة.

 

لا تحال تقارير المجلس على القضاء الجنائي وإنما ملفات جنائية منتفاة انطلاقا من تلك التقارير

لم تعد هده القضية تستحث التوقف عندها كثيرا بعد أن أصبحت رئلسة النيابة مستقلة عن وزير العدل، لكن رئيسها غير مخول قانونا بطلب التسلم التلقائي لتقارير المجلس السنوية ، كي يدرسها كما كان يفعل وزير العدل في عهد حكومة بنكيران، لوينتقي منها ما يراه منتاسبا، لأننا سننتقل من انتقائية مؤسساتية مستقلة مهما كانت ملاحظاتنا عليها، إلى انتقائية مرسساتية سياسية وغير منزهة من الغرض الحزبي.

يجوز عدم نشر بعض التقارير أو المعلومات في الأحوال الاستثنائية
إن التقرير السنوي يجب أن يتضمن تغطية جميع أوجه نشاط الهيئة العليا للرقابة المالية أما بالنسبة للقضايا الجديرة بالمحافظة علي سريتها لذاتها ، فيجب على هيئة الرقابة المالية العليا – حسب القواعد المتعارف عليها عالميا- أن توازن بدقة قبل نشرها، ما بين أهمية المحافظة على سريتها وبين المنفعة التي سوف تحقق من إفشائها. نمو\ج التقرير حول حسابات الأحزاب، كانت لا تنشر وأصبحت تنشر. الملاءمة هنا سياسية بالدرجة الاولى.

الموضوعية والتوازن في صياغة الأعمال والتقرير
إن وجهة نظر الهيئات والوحدات الخاضعة للرقابة بخصوص الرد علي ملاحظات المجلس الاعلى للحسابات يجب أن تعطى الأهمية المطلوبة في التقرير. وهذا ما ماينص عليه القانون وما تعمل المحاكم المالية على تطبيقه ونشر ردود الأجهزة محل المراقبة.

لكن بعد انتهاء المسطرة ونشر التقرير فإنه من غير اللائق و المناسب إعادة توجيه نفس الملاحظات والردود بصفة علنية هذه المرة. ناهيك عن الانتقادات اللاذعة أو عبارات التشويه والتحقير، أو التبخيس العدمي، والتي لا تضر إلا أصحابها من حيث يعتقدون أنها تنفعهم
!!

ومهما يكن، هل المجلس الاعلى للحسابات منزه عن النقد؟ أو فوق أي تقدير أو تقييم؟ أم أنه من المشؤوع أن نتسائل، هده المرة، ليس فقط حول مدى أهمية وغزارة أعمال المجلس العلى للحسابات كما ونوعا، بل في مدى تأثير ومفاعيل هده الأعمال في النهوض بالحكامة وترسيخ أسس وقيم النزاهة ومكافحة الفساد ؟ وإدا كان دلك كدلك، فإن تساؤلنا وتقديرنا لكي يكون موضوعيا وعادلا ومنصفا فدونه مرجعيات وآليات ومقاربات متعارف عليها ومستتقرة عند أهل الدكر، وهي ما سنسلط عليه الأضواء في الجزء الثاني من هده الورقة التأملية.

 

محمد براو، خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد

مدير مجلة التدبير والرقابة على المال العام