الثلاثاء 16 إبريل 2024
في الصميم

«سوليما» الفساد بالمغرب!

«سوليما» الفساد بالمغرب! عبد الرحيم أريري
هناك، بدون لف ولا دوران، مدخلان لتجفيف منابع الفساد بالمغرب. 
المدخل الأول: وجوب حصول القناعة لدى صناع القرار بمختلف مستويات المسؤولية، لتبني إرادة سياسية فعلية للإصلاح والقطع مع اقتصاد الريع. فمادام المغرب يخضع لمنطق الغنائم والامتيازات وتعليف مافيا الريع، يصعب محاربة وتطويق الفساد، لأن شبكة الريع تنتفع وتنتعش بالفساد وتغذي قنوات إفساد المجتمع لكي تضمن الولاءات والأتباع لها في كل المستويات. وبالتالي إذا حقق المغرب الوثبة بالمرور إلى مجتمع الكفاءة والجدارة والاستحقاق والمساواة في المنافسة الاقتصادية والتجارية، ستضيق مساحة الفساد وستقل فرص «اقتناص» الزبائن الفاسدين. إذ خارج هذا المدخل سنبقى ندور في حلقة مفرغة.
 
المدخل الثاني: الحاجة لإحداث صدمة في العقل القانوني للبلاد عبر نزع القداسة عن مبدأ «المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، بعدم تعميم هذا المبدأ على المسؤولين العموميين المدانين ابتدائيا في جرائم الفساد والمخدرات ونهب المال العام. فهذا المبدأ الكوني تم تقعيده لحماية المواطن العادي من كل تسلط أو شطط ولتمكينه من كل ضمانات المحاكمة العادلة واستنفاذ طرق التقاضي والطعن. وبالتالي «فمبدأ البراءة هو الأصل»، هو مبدأ تم تنزيله لخلق مواطن صالح في المجتمع ولحمايته ولضمان أمنه القانوني. لكن في حالة الشخصيات العمومية والمسؤولين الذين اختاروا العمل العمومي العلني، فإن هذا المبدأ الكوني لم يوضع لتحصينهم وتمكينهم من «شراء الطريق» لنهب المال العام، أو استغلال مناصبهم العمومية للإثراء غير المشروع، أو المتاجرة في المخدرات أو نهب الصفقات. 
 
كيف‭ ‬يمكن‭ ‬تغيير‭ ‬القانون‭ ‬لحماية‭ ‬سمعة‭ ‬المغرب‭ ‬وتطويق‭ ‬الفاسدين‭ ‬وإرجاع‭ ‬الثقة‭ ‬للمؤسسات؟
الجواب بسيط، فالمسؤول العمومي (وزير، برلماني، رئيس جماعة، رئيس جهة، والي، مدير مؤسسة عمومية، إلخ...) حين تتم إدانته ابتدائيا بسبب الجرم المرتكب المتعلق بالفساد، يجب توقيف المسؤول مباشرة عن مزاولة مهامه، وأن لا يسمح له بالترشح ثانية أو تمثيل الوزارة أو المؤسسة والإدارة المعنية، إلى حين أن تبت المحكمة الأعلى درجة في الملف بشكل نهائي ، إما بالإدانة أو البراءة.

اليوم، لم يعد مسموحا، أن نستفز المغاربة بأحكام ابتدائية تصدر فيها قرارات بإدانة ضد مسؤول عمومي (منتخبا أو معينا) بالجرائم المالية والمخدرات، ومع ذلك يتم تركه يترشح في اللجان بالبرلمان أو الترشح للانتخابات المحلية والجهوية ويترأس الاجتماعات والحضور في الأنشطة الرسمية والبروتكولات المخزنية، بدعوى أن «المتهم برئ حتى تثبت إدانته»، وبأن الحكم النهائي لم يصدر بعد عن محكمة النقض، بالنظر لأن مساطر التقاضي بهذه الأخيرة، مساطر سلحفاتية لا تحقق الإنصاف للمجتمع. وبالتالي لما يكون الحكم النهائي قد نزل بعد سنوات، تكون «الفأس قد هوت على رأس المغاربة» وتكون خزائن المغرب قد استنزفت سرقة وتلاعبا. ثم، وهذا هو الأهم، تكون بكارة الثقة في القضاء وفي باقي المؤسسات، قد تم افتضاضها ويصعب رتقها. (نموذج الأحكام في مدينة وجدة وما رافق ملف بعيوي).
 
في الدول المتمدنة، تتم عملية إبعاد المسؤول المتهم أوتوماتيكيا  (أي السياسي أو المسؤول المعني بالفضيحة)، بإقدامه على تقديم استقالته، إلى حين أن تنتهي أطوار المحاكمة. لكن في المغرب، حيث لا توجد هذه الثقافة ولا هذه الأخلاق السياسية، على الدولة أن تتدخل للتمييز بين المواطن العادي الذي يجب تمتيعه بالمبدأ الكوني « المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، وبين المسؤول العمومي، الذي اختار العلن والأضواء، والذي يجب إخضاعه لقواعد خاصة وقوانين خاصة.
 
وحين ينهي المسؤول العمومي المدان ابتدائيا، مساطر التقاضي، ويحصل على الحكم الحائز لقوة الشئ المقضي به، فإن المعني بالأمر يساق إلى السجن لإنهاء عقوبته ومصادرة ممتلكاته، إن كان القرار بالإدانة. وإن حصل على البراءة، وعرت محكمة النقض القرار النهائي الابتدائي ونسفت حكم القاضي بالمحكمة الابتدائية، على المسؤول المتهم أن يرفع دعوى ضد الدولة بسبب تقصير قضاتها ابتدائيا الذين لم «يطرزوا» الأحكام واستهزئوا بالمسؤولية، وتلاعبوا، كقضاة، بمصير مستقبل المسؤول المتهم وتهاونوا في دراسة الملف دراسة قانونية متينة، حتى نقوي مستوى أجهزتنا الرقابية والقضائية والإدارية. ويصبح شعار «للي فرط يكرط» هو تذكرة الولوج للترشح لأي مسؤولية انتدابية أو لتقلد أي منصب سامي أو مسؤولية عمومية: مدنية أو قضائية.
 
بدون ذلك، سنبقى نتفرج في هذه «السوليما» (أي السينما باللغة الدارجة)، التي جعلت المغرب في أرذل ترتيب الأمم عالميا في الفساد.