السبت 24 فبراير 2024
كتاب الرأي

أحمد الحطاب: النظر ليس هو البصر في القرآن الكريم 

أحمد الحطاب: النظر ليس هو البصر في القرآن الكريم  أحمد الحطاب
كثيرٌ من آيات القرآن الكريم وَرَدَ فيها فِعلاَ "نَظَرَ" و"أبصَرَ"، وإسمُ "أبصار". من بين هذه الآيات، أذكر، على سبيل المثال، ما يلي :
1.…وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ (آل عمران، 13)
2.لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (الأنعام، 103)
3.قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (الأنعام، 104)
4.يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ (النور، 44)
5.وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (البقرة، 50)
6.... وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ... (الأنعام، 99)
7.وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (الأعراف، 198)
عند الوقوف عند السياق الذي جاء فيه فعلا "نَظَرَ" و"أبْصَرَ" في الآيات السالفة الذكر، وبشيءٍ من التَّدبُّر والتَّمعُّن في هذه الآيات، يتَّضح أن هناك فرقا، في المعنى، بين هذين الفعلين. علما أننا اعتدنا في أحاديثنا وقراءاتنا وكتاباتنا اليومية أن نُعطيَ للفعلين نفسَ المعنى، أي رؤية vision الأشياء بواسطة العين. لماذا؟ لأننا اعتدنا في لغتنا المتداولة أن نعتبرَ فعلي"نَظَرَ" و"أبصر" فعلين مترادفين. بينما في القرآن الكريم، كل فعلٍ من هذين الفعلين له دلالةٌ يحدِّدانها سياقُ الآيات والموقع الذي يوجد فيه هذان الفعلان في نفس الآيات.
وهذا هو ما قلتُه وأكَّدتُه، على الأقل، في مقالتين سابقتين بأن القرآنَ الكريمَ ليس فيه كلمات مترادفة. لماذا؟ لأن كلامَ الله كلامٌ مطلق ولا يجوز أن تكونَ فيه كلماتٌ متقاربة المعاني في منطق الإنسان.
فإذا حلَّلنا الآيات السبعة المذكورة أعلاه، فسنجد  في الآيتين رقم 1 ورقم 4، أن ما أراده الله سبحانه وتعالى ويريده، من خلالهما، هو أخذ العِبرة. ومَن سيأخذ العبرةَ؟ هم أولو الأبصار. واضحٌ تمامَ الوضوح أن "أولي الأبصار" ليس المقصود منها مجرَّدَ النظر إلى الأشياء أو رؤيتها، علما أن الأبصارَ هي جمعُ بَصَرٍ.
المقصود من "أولي الأبصار"، هم الناس الذين لهم بصيرة، أي لهم عقلٌ يعقلون به. وبعبارة أخرى، يتميَّزون بقوة الإدراك والفِطنة ولهم، كذلك، بعد نظرٍ يمكِّنهم من النفوذ إلى خبايا الأشياء وخفاياها.
أما في الآية رقم 2، أي : "لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" (الأنعام، 103)، فالله سبحانه وتعالى أراد ويريد أن يُبيِّنَ لنا عظمتَه وجلالَه وقدرتَه، حين قال : "لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ…". لا تُدركُه الأبصار ولو كان أصحابُها من أولي الأبصار.
في الآية رقم 3، أي "قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ" (الأنعام، 104)، جاءت، في هذه الآية، كلمة بصائر التي هي جمعُ بصيرة. كما جاء كذلك في نفس الآية فعل "أَبْصَرَ".
 والبصيرة هي قوة الإدراك. و"أَبْصَرَ"، في هذه الآية، هي رؤية الشيء بالعين والعقل. .وفي نفس الآية، أراد ويريد سبحانه وتعالى أن يضعنا أمامَ مسئوليتِنا حيث فرَّق بين الذي يرى ويُبصِر والذي يرى دون أن يُبصِرَ. وبعبارة أخرى، فرَّق بين الذي يرى ويستعمل عقلَه، وبالتالي، يستفيد مما أبصر وبين الذي يرى ولا يستعمل عقلَه فتفوتُه الاستفادة من عدة أشياء.
أما الآيتان رقم 5 ورقم 6، اللتان ورد فيهما فعلُ "نَظَرَ"، "تنظرون" في الخامسة و"انظروا" في السادسة، فالسياق الذي جاء فيه هذا الفعلُ، يُوضِّح بأن الأمرَ يتعلَّق بمجرَّد رؤية بالعين.
 
أولا، في الآية الخامسة، كلام الله، سبحانه وتعالى، موجَّهٌ لبني إسرائيل داعيا إياهم أن ينظروا بأعيُنِهم إلى البحر حينما فرقه، جلَّ عُلاه، ليُنجيَهم من بطش فرعون وجنوده.
ثانيا، في الآية السادسة، الله سبحانه وتعالى يدعو العقلاء إلى رؤية الأشجار المثمِرة كيف تُزهِرُ وكيف تثمِر وكيف تنضج.
أما فيما يخص الآية رقم 7، أي : "وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ" (الأعراف، 198)، فإذا كان كلام الله يتعلَّق بالأصنام، فهي تنظر ولا تُبصِر. وإذا كان كلامُ الله موجَّهاً للمشركين، عَبَدَةِ هذه الأصنام، فإنهم ينظرون بدون تبصُّرٍ، أو بعبارة أخرى، ليسوا من أولي الأبصار، مبرِّرين عبادتَهم هذه للأصنام، أنهم وجدوا آبائهم يعبدونها، فقلَّدوهم وعبدوها دون أن يستعملون عقولَهم، مصداقا لقوله سبحانه وتعالى : "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (المائدة، 104).
ما أختم به هذه المقالة، هو أن كلَّ كلمة من كلمات القرآن الكريم لها معنى تابث يحدِّده السياق الذي جاءت فيه. وما يجعل السياقَ في غاية الأهمِّية، هو أن كثيرا من آيات القرآن الكريم نزلت في ظروف زمنية واجتماعية معيَّنة. فمعاني كلمات هذه الآيات، من الضروري أن تسايرَ هذه الظروف لتتحقَّقَ غايات النزول.
ولهذا قلتُ إن القرآن الكريم لا يمكن أو توجدَ فيه ما نسميه، في المنطق البشري، الكلمات المترادفة. والكلمات المترادفة هي الكلمات التي لها نفس المعنى أو معاني متقاربة. والدليلُ على ذلك، أن الجنةَ في القرآن الكريم أنواع وهي : عدن، فردوس، مأوى، نعيم، مقام، سلام… لو كانت هذه الكلمات مترادفة، لاستعمَلَ سبحانه وتعالى كلمةَ "جنة" وانتهى الأمر. لكنها ليست، على الإطلاق مترادفة، بل هي مستوياتٌ من الجنة.
وما يُثيرُالإعجابَ، في كلام الله، أن نفس الكلمة، في القرآن الكريم، يمكن أن يكونَ لها معاني مختلفة حسب السياق الذي جاءت فيه. وخير مثالٍ يمكن سياقه، في هذا الصدد، يتعلَّق بكلمة "كتاب". وفيما يلي، هذه ثلاثة آياتٍ وردت فيها كلمة "كتاب" :
1.كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (ص، 29)
2.قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ (آل عمران، 98)
3.مَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ ،(الحجر، 4).
 
في الآية رقم 1، الكتاب هو القرآن الكريم. في الآية رقم 2، أهل الكتاب هم اليهود والنصاري. والمقصود من الكتاب، هو التوراة والإنجيل. في الآية رقم 3، الكتاب هو الأجل، أي الأجل المعلوم… وهكذا.
في أحاديثنا المتداولة، تعوَّدنا على اعتبار أن َالكتاب هو القرآن الكريم. كما تعوَّدنا على اعتبار الجنة هي جنة واحدة…وهكذا.
أرأيتُم لماذا اللهُ سبحانه وتعالى يدعونا لتدبُّر آيات القرآن الكريم؟ التَّدبُّرُ هو الوقوف عند كل آية من هذا القرآن بتبصُّرٍ وتفكُّرٍوتأمُّلٍ وتأنٍّ وتمهُّلٍ… لنستخلصَ من كلِّ آيةٍ ما أراد ويريدُ اللهُ إيصالَه لنا من خيرٍوقيم ودروس وموعظة وإرشاد وعِبرٍ… قراءة القرآن الكريم وحِفظُه بدون تدبُّرٍ شيءٌ، وتدبُّرُ آياته شيءٌ آخر.