الأحد 21 يوليو 2024
كتاب الرأي

عبدالحميد العدّاسي: أنعام

عبدالحميد العدّاسي: أنعام عبدالحميد العدّاسي
ابتدأتْ السّورة موضوعَها بخاتمتِه، تُلفت إلى قيمتِها في جوهره، تؤكّد حدوثَها وقد أقسم ﷻ بصفاتِ عناصرِها يستدعي بصفاتِها عناصَرها، (نازعات، ناشطات، سابحات، سابقات، مدبّرات)..
ملائكةٌ تُغرق في انتزاع أرواح الكفّار، وملائكة تُفرِغُ الجهد في العناية بأرواح المؤمنين النّشطة المستبشرة بدخول جنّة كانوا قد اطّلعوا على ما فيها إخبارا من كتاب ربّهم ومعاينةً ساعة حضرتهم الموتُ، أُعِدَّت للمتّقين، يتوجّهون إليها زُمرا، ينتظرون مكرّمين أمام أبوابِها فتحَ أبوابِها، لتقبّلِ التّحيّات الطّيّبات من مستقبليهم فيها: {وَسِيقَ اَ۬لذِينَ اَ۪تَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَي اَ۬لْجَنَّةِ زُمَراًۖ حَتَّيٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِّحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَٰلِدِينَۖ] (الزّمَر: 70).
وأمّا السّابحات فجميلةٌ كلُّ التّأويلاتِ التي تأوّلها مفسّرونا؛ إذ كلّ مخلوقاتِه تعالى سابحات حتّى ليُعَدّ الجماد من السّابحات: {وَتَرَى اَ۬لْجِبَالَ تَحْسِبُهَا جَامِدَةٗ وَهْيَ تَمُرُّ مَرَّ اَ۬لسَّحَابِۖ صُنْعَ اَ۬للَّهِ اِ۬لذِے أَتْقَنَ كُلَّ شَےْءٍۖ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفْعَلُونَۖ} (النّمل: 90)، ملائكةٌ تسبح بأرواح المؤمنين، وأرواحُ مؤمنين تسبح في ملكوت ربّها مستبشرة بما أُعِدّ لها، ونجومٌ تسبح في السّماء تحدّث بسعة مُلك ربِّها، وجوارٍ في البحار تحدِّث بما سخّر لعباده ربُّها، فكلّها سابحات!..
وكذلك شأن السّابقات، فملائكة تسبق الإنسان فتكتب له عملَه الصّالح بمجرّد الهمّ به قبل أن يُنجزَه [فَمَنْ هَمّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً وَإِنْ هَمّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ] وأخرى تسبق بروحه إلى الجنّة، والموت يسبق الإنسان إلى أهدافه فيُبطِل مشاريعَه ومخطّطاتِه، ما يجعل الكيّس الفطن يبادر إلى العمل الصّالح فيُحسن التّخطيط ويحسّن الأداء ويُكثر من التّحوّط فيها للسّبق، فإنّك مهما حرصت أيّها الإنسان مسبوقٌ قد سَبَقَك أجلُك، والنّجوم يسبِقُ بعضُها بعضا وقد اختلفت أحجامُها وسُرْعاتُها...
وأمّا المدبّرات فقد قال بعض المفسّرين الملائكة، وقال آخرون النّجوم، وقد منح الله تعالى هذه وأولئك تدابيرَ في إطار ما شاء وما قدّر... ومن توقّف ويا حظّ من توقّف، مال إلى أنّ كلّ ما ذُكر من أوصاف في المقدّمة الخاتمة إنّما تعلّق بالملائكة وببني آدم دون غيرهم، فاليوم يومُهم وفيه ينشطون، وفيه يُوقَفُ كثيرٌ منهم ويُسألون. طامّةٌ كبرى وراجفةٌ صاخّة تتبعها رادفةٌ، نفخٌ وزلزلةٌ وذعرٌ وفَرَقٌ وحسرةٌ وندمٌ على التّكذيب وعلى التّقصير في العمل وعلى التّكبّر والظّلم وغمط النّاس الحقّ وعدم استثمار ما جاء في القصص القرآنيّ: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (يوسف: 111)، وعدم التّركيز على ما في القرآن الكريم من حِوارات منبّهة كهذا الحوار الذي بين نبيّ الله موسى عليه السّلام وفرعون الطّاغية الأعمى الذي خاب وانصرف ملعونا عن الحقّ فلم يشأ إلّا أن يتّهم موسى بما اُتُّهِم به أُخوَتُه عليهم الصّلاة والسّلام جميعا: {إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا} (الإسراء: 101)، وذلك رغم أنّه - كما أكّد موسى – يعلم أنّه مرسلٌ من ربّه {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَآ۟ إِلَّا رَبُّ اُ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالْأَرْضِ بَصَآئِرَۖ وَإِنِّے لَأَظُنُّكَ يَٰفِرْعَوْنُ مَثْبُوراٗۖ} (الإسراء: 102)؛ إذ لو فعلوا أي لو ركّزوا لاعتبروا ولتوقّفوا فاجتنبوا الانزلاق إلى سلوك الظّالمين...
إبداع في سورة (النّازعات) وفي النّظم القرآنيّ عموما يفسّر وضوح قوله تعالى وحكمته: {قُل لَّئِنِ اِ۪جْتَمَعَتِ اِ۬لْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَيٰ أَنْ يَّأْتُواْ بِمِثْلِ هَٰذَا اَ۬لْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٖ ظَهِيراٗ} (الإسراء: 88)، وقد استوقفني أكثر ما استوقفني عند وُلوجِ باب هذه الآيات المبدعات في التّصوير وفي إحضار المشاهد المنتظَرَةِ يوم القيامة، آية كريمة ذُكِرت بمفرداتِها بل بحروفها في (النّازعات) وفي (عبس) التي تليها، طرقتْ انتباهي كما لو كنتُ أسمعُها لأوّل مرّة، فقد قرأت في الصّبح بسورة (عبس) ثمّ قرأت فيه في اليوم الموالي أو الذي يليه بسورة (النّازعات)، فكدت أتلعثم وأتّهم نفسي بالسّهو والخطإ... ففي هذه وتلك {مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}، وقد جاءت في (النّازعات) بعد التّحديث بنعم الله الجليلة، سماءٌ بُنِيتْ ورُفع سقفُها الكثيفُ عاليا وأظلم ليلُها وأضاء بالشّمس نهارُها: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} (الإسراء: 12)، وأرضٌ بُسطتْ وأُخرِجَ منها ماؤُها ومرعاها، وجاءت قبل الحديثِ عن الطّامّة الكبرى {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىٰ} المذكِّرِ بالخاتمة التي بدأت بها السّورة. وجاءت في (عبس) بعد التّحديث كذلك بنعم الله الجليلة التي انطلقت منذ مراحل تكوين الإنسان نفسه، فمراحلِ حياته فموتِه وسترِه بالإقبار، فإحيائِه وبعثِه بعد الموت، مرورا بنعمة الطّعام بمختلف أنواعِه لمختلفِ مراحل الإنسان مع لفتةٍ منبّهةٍ معقِّلةٍ إلى مصادره الحقيقيّة: رياحٌ لواقحُ وسحبٌ متشكّلة وماءٌ مسكوب وأرضٌ تُفلَح ثمّ بفضل ربّها تُزرَع: {ءَٰا۬نتُمْ تَزْرَعُونَهُۥ أَمْ نَحْنُ اُ۬لزَّٰرِعُونَۖ} (الواقعة: 67)، وجاءت قبل الحديث عن الصّاخّة {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ} في إشارة إلى الخاتمة المحتومة الشّبيهة بالمقدّمة الخاتمة في (النّازعات)...
استوقفتني الآية وراقني تمركزُها وهي تفصل بين الحديث عن النّعم وبين الحديث عن أهوال يوم القيامة، حتّى سمعت نفسي تردّد تأويلا سألت ربّي أن يحسّنَه، فقد فهمت أنّ معرفةَ المُنعِم ﷻ وحسنَ عبادته وشكرَه على النّعم وحسنَ استعمال تلكم النّعم فيما يُرضيه هي الضّمانة الوحيدة المدعومة برحمته تعالى لاجتناب تلكم الأهوال... رأيت في الرّبط بين متاعِنا ومتاعِ الأنعام تذكيرا لنا بأنّ الأنعام أمّةٌ مثلَنا قد نَقَصَها ما كُرّمنا به عنها وأنّها من عيالنا وتقع تحت مسؤوليتنا، وعلينا أن نعتني بها ونُحسن معاملتَها حتّى إذا ذبحناها أحسنّا كما أوصى بها نبيُّنا ذِبحتَها، وأنّها إلى ذلك من المتاع الذي هُيّئ لنا وممّا زُيّن لنا: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ اُ۬لشَّهَوَٰتِ مِنَ اَ۬لنِّسَآءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَٰطِيرِ اِ۬لْمُقَنطَرَةِ مِنَ اَ۬لذَّهَبِوَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ اِ۬لْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَٰمِ وَالْحَرْثِۖ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ اُ۬لْحَيَوٰةِ اِ۬لدُّنْيَاۖوَاللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ اُ۬لْمَـَٔابِۖ} (آل عمران: 14)، وذكرتُ أنّ منها بُيوتَنا ودفئَنا: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بِيُوتِكُمْ سَكَناٗ وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ اِ۬لْأَنْعَٰمِ بِيُوتاٗ تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعَنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَٰثاً وَمَتَٰعاً إِلَيٰ حِينٖۖ} (النّحل: 80)، وأنّ منها وسائلَ سفرِنا ونقلِ أمتعتِنا وحاجاتِنا: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلىٰ بَلَدٖ لَّمْ تَكُونُواْ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ اِ۬لْأَنفُسِۖ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} (النّحل: 7)، وأنّ منها لحمَ قُدورنا ولبنَنا ولبنَ أطفالنا: {وَإِنَّ لَكُمْ فِے اِ۬لْأَنْعَٰمِ لَعِبْرَةٗۖ نَّسْقِيكُم مِّمَّا فِے بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٖ وَدَمٖ لَّبَناً خَالِصاٗ سَآئِغاٗ لِّلشَّٰرِبِينَ} (النّحل: 66)، بل إنّنا لنُرحم - بفضل الله علينا - بها إذا ما تنكّبنا الحكمة فسلكْنا سلوكا أردانا وأضلّنا حتّى صيَّرَنا دونها ورفعها، فقد روى ابن ماجة في سننه عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، قال أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: [يا معشر المهاجرين، خمسٌ إذا ابتليتم بهنّ وأعوذ بالله أن تدركوهنّ: لم تظهر الفاحشة في قوم قطُّ حتى يعلنوا بها إلّا فشا فيهم الطّاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم يُنقصوا المكيال والميزان إلّا أُخذوا بالسّنين وشدّة المؤونة وجور السّلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلّا مُنعوا القَطْر من السّماء، ولولا البهائم لم يُمطَروا، ولم يَنقُضوا عهد الله وعهد رسوله إلّا سلّط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمّتُهم بكتاب الله ويتخيّروا ممّا أنزل الله إلّا جعل الله بأسهم بينهم][1].. فهمتُ أنّ في وجود الأنعام في دنيانا خيرًا كبيرًا، حتّى لقُرِنَ متاعُها بمتاعِنا، وقد وَفَرَ متاعُنا بمتاعِهاحتّى أُمطرنا بها وما وفر متاعُها بمتاعِنا!
 
[1] ابن ماجه: سنن ابن ماجه - حديث رقم 4019 – ج2 - ص 1332