الاثنين 24 يونيو 2024
كتاب الرأي

محمد المذكوري: المخيمات.. الوزارة ..الجامعة مرة أخرى

 
 
محمد المذكوري: المخيمات.. الوزارة ..الجامعة مرة أخرى محمد المذكوري
1- منذ أن تأسست اللجنة الوطنية للتخييم في 1983 وبعدها اللجنة الموسعة ثم الهيأة الوطنية للتخييم في 2005 وأخيرا الجامعة الوطنية للتخييم سنة 2011، والجمعيات والمنظمات والهيئات العاملة في الميدان في بحث مستمر عن صيغة لتنسيق عملها مع القطاع الحكومي الوصي على المخيمات في غياب تقنين مدقق ومعايير معترف بها ومناهج تدبير لهذه المؤسسة المجتمعية التي يزداد الاعتراف بأهميتها ومكانتها كما يزداد انتشارها وتنوعها.
 
ولقد من دواعي تأسيس هذه الهيأة ملء فراغ عدم تخصيص فئة الأطفال والشباب بجهاز دستوري يكون هو المسؤول عن تخطيط سياسة ملائمة للتطور المجتمعي للبلاد، متفق في شأنها تؤطر سياسات الوزارات والقطاعات الحكومية المعنية وتكون لها موجها ومعينا، وغياب قوانين خاصة بها، وقد قبل بها كخطوة انتقالية الى الجهاز الدستوري الذي كان حاضرا في بداية استقلال البلاد في "المجلس الأعلى للشباب" الذي اختفى ولم يعرف الى الآن بديل له.
 
ولكن هذه الهيئات وعلى مر هذه العقود لم تقم الا بامتصاص جزئي لأشكال متنوعة من الأزمات المتعاقبة للمخيمات التربوية الصيفية من حيث بنياتها ومن حيث تدبيرها، الذي يفرض تشاركا في انتظار تفويض قانوني واعادة توزيع المهام بين الدولة والهيئات والجمعيات العاملة في الميدان حتى لا تظل الدولة فاعل مباشر في وجود من له الصلاحية والحق في ذلك، وحتى تشمل القوانين جميع القطاعات الجمعوية والخاصة والحكومية وشبهها.
 
إن تجاوز أزمات التخييم تاريخيا جاء نتيجة غياب خطة وسياسة محكمة ورؤيا واضحة لدور سيعرف أخيرا انحسارا رسميا بمناسبة صدور مرسوم وزاري يقلص مدى الاشراف القانوني لتنظيم المخيمات في مراكز تابعة للقطاع الحكومي إياه فقط، ولا تعمل على ضم كل التفرعات والانتشار الهائل حيث سيكون هذا المرسوم غير منسجم في الاشراف على مؤسسات التخييم لقطاعات أخرى الذي سيعود بحكم هذا الفراغ القانوني تحت طائلة من أحكام تجارية ومدنية وجنائية عوض قانون يشمل هذا الموضوع ولا يفصل فقط في مؤسسات معينة أقيمت في وقت كانت الدولة فيه هي الفاعل المباشر، وهذا التراجع عن إشراف لم يكن واضحا سينتج عنه خلل في المنظومة حيث سيخلق حالات شاذة في قطاع اجتماعي بامتياز يتزايد عليه الطلب والحاجة.
 
2- لقد كان موضوع المخيم في المغرب بعد أزمة التوقف الاضطراري بفعل جائحة الكورونا، والتغييرات على رأس الوزارة وتلك التي تليها في الاختيارات، كان في الحاجة الى لقاء تقييمي شامل كما تمت المطالبة بذلك من طرف عدة جهات، وخصوصا قبل صدور المرسوم 08 شتنبر 2021رقم 2.21.186 بتاريخ 8 شتنبر 2021 المتعلق بتنظيم مراكز التخييم التابعة للسلطة الحكومية المكلفة بالشباب، ثم قرار الوزير في 5 يوليو 2022 بتحديد النظام الداخلي لمراكز التخييم التابعة للسلطة الحكومية المكلفة بالشباب مع ملحق له يحدد المعايير التقنية وشروط الصحة والسلامة الواجب توفرها في مراكز التخييم التابعة للسلطة الحكومية المكلفة بالشباب والذي صدر في نفس اليوم، مما يدعو الى تساؤل عن مصير وروح ومضمون الظهير الخاص بتنظيم إدارة الشبيبة والرياضات المؤرخ في 28 شتنبر 1940، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 1481 بتاريخ 14 مارس 1941، الذي جاء في فصله التاسع : “ تشتمل الأقسام الخارجية المكلفة بالشبيبة و الرياضات على مراكز لتهذيب أبدان الشبيبة وعلى محلات مستمرة أو مؤقتة وبوجه عام على جميع المنظمات التي تهم الشبيبة والرياضات، وكذلك الظهير المتعلق ببعض مؤسسات المخصصة بالشبيبة والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 1492 بتاريخ 30 ماي 1941، الذي جاء في فصله الأول: أن المؤسسات الخاصة بتهذيب الشبيبة مثل ميادين الألعاب في الهواء الطلق أو المراكز التي يأوي إليها الأولاد والفتيان المخصصة باستراحة الصبيان فيتوقف إحداثها أو توسيعها أو تحويلها من مكان إلى آخر على إذن مدير الصحة العمومية والشبيبة بعد استشارة مدير الأمور السياسية ومدير العلوم والمعارف.
 
كانت هناك لقاءات واجتماعات بين لجن من الجامعة ومصالح الوزارة قبل الجائحة وبعدها من أجل التوافق على قانون أشمل حول المخيمات (وقد سبق ذلك محاولات عدة من طرف الوزارة وأخرى مشتركة) والذي دخل دواليب المساطر تأخر الى سنة 2020 حيث سيكون الجواب على سؤال كتابي في البرلمان سببا لمعرفة مصير المقترح الذي تم إرجاعه للوزارة من قبل مصالح الأمانة العامة للحكومة التي أثارت بصدده مجموعة من الملاحظات القانونية الشكلية والموضوعية، حيث أشارت خلال اجتماع ممثلي الوزارة بممثليها إلى أن مرسوم اختصاصات الوزارة يمنحها الحق فقط في تدبير المخيمات التابعة لها، فكانت تلك أسباب صياغة مشروع مرسوم في هذا الصدد وهو المرسوم المتعلق بتنظيم مراكز التخييم التابعة للسلطة الحكومية المكلفة بالشباب، الذي سيصدر بتاريخ 8 شتنبر 2021. (كما جاء في مقالة الأستاذ الدكتور سعيد الطواف من مشروع قانون إلى مجرد مرسوم …في الحاجة إلى مراجعة الإطار القانوني المتعلق بأنشطة التخييم المنشور على موقع مجلة القانون والاعمال الدولية التابعة لجامعة الحسن الأول بسطات).
 
ويستمر الدكتور: " وبالتالي فإن التفسير الذي اهتدت إليه مصالح الأمانة العامة للحكومة من خلال هذه المقتطفات من المرسوم، هو أن هذا الأخير يمنح الوزارة فقط الحق في تدبير المخيمات التابعة لها!! فهل أخطأت الأمانة العامة للحكومة التقدير؟ نعم وبكل تأكيد، لأن المرسوم ينص صراحة في مادته السادسة أن مديرية الشباب والطفولة والشؤون النسوية التابعة لوزارة الشباب والرياضة لها صلاحية مراقبة مؤسسات الطفولة والشباب التابعة للقطاعين العام والخاص، ومن بين هذه المؤسسات “المخيم”، وهو ما يحيلنا إلى أن المراقبة الإدارية للوزارة هي مراقبة قبلية وبعدية، تمارسها الوزارة على كل هيئة (وزارة – جماعة – شركة …إلخ) تريد تنظيم مخيم لأبناء موظفيها أو منخرطيها، وذلك من خلال مراقبة احترام التشريعات والقرارات الصادرة عن الوزارة والتي تهم العملية التخييمية برمتها، أي قبل التنظيم وأثناءه وبعده، وهكذا تكون القطاعات الأخرى، مجبرة على احترام مبدأ المشروعية التي خصها المرسوم في علاقة الوزارة الوصية على التخييم بالهيئات الأخرى ".
 
أي أن المرسوم يحمل بين ثناياه تناقضا مع واقع مسؤولية الوزارة كما تمارس في أرض الواقع وتناقض آخر حتى مع مرسوم اختصاصات الوزارة.
 
3- وقد سجلنا في حينه ملاحظاتنا حول الموضوع:
- لم يحل المرسوم إياه على قانون آخر يقوم بتعريف هذه المؤسسة ويضعها في موضعها، هي التي تنتج لها علاقات داخلية وخارجية وتفاعل في المجتمع وشروط قيام يجب أن يحدد القانون معايير انشائها وتدبيرها واستغلالها، ويجب لها قانون يحق لها حقوقها أو الحقوق الناتجة عن نشاطها والواجبات اللازمة على الأطراف المستفيدة والمتدخلة والفاعلة، هي مؤسسة مجتمعية لها وجود خارج وزارة الشباب وتحدث وتدبر بشروط عرفية كانت معترف بها للسلطة الحكومية التي يقع تحت سلطتها القطاع بحق مراقبة ولو غير مباشر، ونعني بذلك تلك المخيمات التي تنشئ بمبادرة من الشؤون الاجتماعية لبعض القطاعات الحكومية أو شبه عمومية، أو تلك التي تنشئ بناء على برامج استثمارية خاصة.
 
- لم يقر ولم يتطرق هذا المرسوم للعلاقة القانونية التنظيمية المفترضة بين "جامعة" تطمح لان تكون منظما وشريكا في القطاع ويرجى لها موقع بحكم القانون لا بحكم المتعارف عليه وسيط منظم وليس مسير بين الجمعيات والوزارة التي تقوم بدورها في المراقبة والمواكبة وتتخلى عن التدبير المباشر، هذه الجامعة التي يجب أن تكون منسقا وليس وسيطا ومساهما في تأطير المخيمات وليس مانحا، وأن يكون لها دور مستمد من قوة القانون لا من مستوى تعبئة فرضت بحكم الغياب المسجل في الواقع لتدبير رغبات وبرامج الجمعيات، جامعة تدبر ملف المخيمات وليس ملف علاقة الجمعيات بالوزارة.
 
- ولم يتطرق المرسوم اياه إلى منظومة تكوين العاملين في التنشيط التربوي لجماعات المستفيدين من المخيمات وشروط مؤهلاتهم وكفاياتهم، وشروط تشغيلهم، لا بتأكيد المسطرة المتبعة اليوم ولا بإسناد ذلك مستقبلا لجهة معينة ولا بضبط مفاهيم ومنطلقات منظومة التكوين المفترض وشروط تأطير ومرافقة وحراسة القاصرين المستفيدين، الا ما كان من استمرار الاعتراف بما كان قائما، وبتسليم الوزارة شهادة الأهلية البيداغوجية من قبل الوزير المكلف بالشباب للأشخاص الذين استفادوا من دورات تكوينية تنظمها السلطة الحكومية المكلفة بالشباب!.
 
- ولم تطرق المرسوم الى أي شروط للاستفادة من المخيمات في مستوى علاقة آباء وأولياء الأطفال والشباب بالهيئات والجمعيات المنظمة ثم علاقة ذلك بالسلطة الحكومية إياها، ماعدا ضرورة التأمين في شقه التجاري المحض (وهو كذلك يحتاج لمراجعة وضبط وموقف قانوني)، ولا للنتائج القانونية الناتجة عن اخلال أحد الأطراف بالاتفاق الضمني لقضاء عطلة منظمة في مكان محدد، أو الاضرار الناتجة للمستهدفين ومنهم للغير...
 
إن قانونا يتعلق بتنظيم أنشطة الوقت الحر في مراكز تستقبل جماعات الأطفال خصوصا في أوقات محددة بالإقامة والمبيت أو بدونهما، ويحدد أشكالها وأنواعها بالنسبة لما تقدمه من خدمات، وطرق تسيير هذه الخدمات ومقاصدها، وكيفية إنشائها وإحداثها وشروط ذلك ومعاييره والمحددات القانونية له، ومن له الحق في ذلك، كهيئات وجماعات ومؤسسات وشركات، ودور الدولة والجهات المتدخلة، وشروط الاستقبال والإقامة وتحديد الفئات العمرية ونسب التأطير اللازم للجماعات، ومسؤوليات وحقوق ومستوى المشرفين على ذلك كإداريين ومؤطرين ومراقبين... ومعايير المنشئات والأدوات المستعملة وحماية المستعملين والغير وكيفية الانخراط وقيمته وأشكال دعمه وتمويله، ومدد الاستفادة، وخصوصيات وشروط التنقل من والى المراكز وحماية الجماعات المستفيدة، والشروط الصحية للمستفيدين ولحمايتهم، وشروط تنظيم المخيم كجمعيات وجماعات وهيئات مختصة ومسجلة ومرخص لها، وصيغ ذلك؛ يكون هدفه الأسمى هو إنعاش ودمقرطة الحق في عطلة منظمة، ومساحة للتحرر الفردي والتعلم ضمن الحياة الجماعية، بغض النظر عن الوضعية الاجتماعية أو الجنس أو البيئة الجغرافية للأطفال والشباب؛ هو الذي سيقيم مؤسسات فاعلة لها حقوق وعليها التزامات تراعي حالة المستفيدين وتنسجم مع أهداف الجماعات المنظمة تحت مراقبة الدولة، ويقسم الأدوار بين الفاعلين دولة وجمعيات ومراكز وأولياء الأطفال؛ وهو الذي سيبلور عمليا خطة المخيم قاطرة التنمية ببنيات قانونية ومادية وبإدماج مكونات المخيم ضمن مكونات المجتمع.
 
4- ثم عقدت وزارة الشباب - والثقافة والتواصل- لقاء وطنيا لمسؤولي قطاع الشباب حول البرنامج الوطني للتخييم، يستدعي الملاحظات التالية:
كان حريا بالوزارة بدعوتها للطرف الشريك ألا تكتفي بكلمة افتتاحية له، وبحضور في أشغاله، بل أن يشترك معها في طرح ومعالجة نقط لا تتعلق فقط بجانب التدبير حيث كانت معالجة الأنظمة والقوانين وآليات التقييم والمصاحبة هي عصب اللقاء.
 
فماذا تقرر بالنسبة للورشات الثمانية، لقد كان اللقاء اخباري بامتياز حيث تعهدت الجامعة بالإشراف على العرض الوطني وتدبيره مع المصالح التقنية، وتم توقيع الاتفاقية خارج التاريخ الرسمي لحسابات لم تفسر ولن تفسر حيث أن المرسوم يتحدث عن إطلاق العرض خلال شهر يناير من كل سنة وليس في شهر مارس! وتم التذكير بالأنظمة والقوانين وآليات المشاركة والتقييم والمصاحبة، ولم تعالج مثلا الثغرات الموجودة على مستوى المعالجة الأوتوماتيكية.
 
لقد تم تسجيل غياب توصيات ومخرجات في حين تمت مناقشة محاور أساسية في اللقاء كالتكوين والتنشيط ومنظومة القيم.
ونود أن نطرح تساؤلا إضافيا حول التكوينات الرسمية الغائبة بينما الوزارة تدعم لقاءات تكوينية هنا وهناك لا يجمعها الا كلمتان التكوين والمخيم في غياب المنظومة القانونية والاعتماد اللازم لذلك وتسلم شهادات!.
 
5- لقد غاب عن اللقاء، بل بالأحرى الذي نطمح له كمنظمات وهيئات عاملة ومهتمة بالميدان معالجة:
مفهوم المخيم/ فضاءات المخيم وسياسة الانتشار وتأسيس المخيمات و معايير ومقاييس ذلك عند العام والخاص/ اعتماد الجمعيات/ مدد التخييم/ الصحة في المخيمات/ أنواع المخيمات / تأطير المخيمات والادوار التربوية والمالية والنفسية للاداريين والتربويين/ المطعمة والخدمات الأخرى / المناولة والعاملون في المخيمات.
 
وغاب عنه مسائلة مصير العديد من المخيمات التي ستقام هنا وهناك منها تحت عدة مسميات بدون رقيب، والتي ستتخذ من شعارات المخيمات التربوية عناوين لها وستعبئ أطر المنظمات التربوية الذين سيهاجرون قسرا من ديارهم، كما غاب موضوع المخيم الأسبوعي أو لعشرة أيام والتقرير النهائي حوله، وغاب تقييم مدقق تربوي أولا ثم مالي ثانيا حول المطعمة واسنادها لممونين ومتعهدين..
 
إن حوارا عموميا سيساهم في تطوير نظرة ومكان هذه المؤسسة وكذا آلياتها وترسيخ مكانتها والاحاطة بكل الانزلاقات التي تسجل فيه وتقوية مكانة جزء كبير من المجتمع المدني ومكانة ودور الدولة كجهاز حكومي.
 
وفي الأخير أوجه كلمتي لإخواني في الجامعة: لا تسقطوا في صراعات توزيع المقاعد والمراكز التي ليست هي الهدف في حد ذاته لتنسيقية تضم أكبر عدد من الجمعيات في هذا البلد الذي يخلف مواعيده في كل مرة يتسلل الينا أمل بمستقبل زاهر.